قوله: (وَالْكُفارُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ مِنْ كِتَابي ومَجُوسيٍّ ومُؤَمَّنٍ) أي: ويقتل الكفار بعضهم ببعض؛ لأن الكفر كَمِلَّة واحدة على الخلاف في ذلك 4، فقوله: (مِنْ كِتَابيٍّ ومَجُوسيٍّ) بيان لقوله: (والْكُفارُ).
والمؤمَّن من دخل دار الإسلام بأمان.
ابن شاس: ويقتل كل واحد من اليهود والنصارى والمجوس بالآخر، وبالجملة فكل من لا يقتص له من المسلم لنقصه عنه في الدين يقتص لبعضهم من بعض، وإن123
الجزء: 5 - الصفحة: 225
اختلفت مللهم في أحكامهم 5، وقال الشيخ: (وَالْكُفارُ) ليشمل عبدة الأوثان وعباد النار ونحوهم.
قوله: (كَذَوِي الرِّقِّ) أي: فإنه يقتص لبعضهم من بعض 6 سواء القِنُّ منهم، ومن فيه شائبة رق أو 7 عقد من عقود الحرية.
قوله: (وَذَكَرٍ، وصَحِيحٍ، وضِدِّهِمَا) المراد بضد الذكر الأنثى، وبضد الصحيح السقيم، قال في المدونة وغيرها: ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل 8، وكذلك 9 يقتل الصحيح بالضعيف، وبالأجذم والأبرص والمقطوع اليدين أو الرجلين إلى غير ذلك.
قوله: (وَإِنْ قتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنهٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَليُّ؛ فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ) وحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، والمعني: إن قتل عبدٌ حرًّا قتل عمد ثبت عليه ببينة أو إقرار المقتول مع قسامة، أو إقراره هو 10، فإن وليه يخير بين أن يأخذ بالقصاص، لأن الأدنى يقتل بالأعلى فيقتل العبد 11، أو يستحييه، فإن قتله فلا كلام، وإن استحياه خير حينئذٍ سيده في فدائه بدية الحر أو إسلامه لولي الحر.
واحترز بقوله: (عَمْدًا) مما إذا قتله خطأ، فإنه لا قصاص على العبد بل تتعلق الجناية برقبته فيخير سيده بين أن يفديه بدية الحر أو يسلمه لولي الدم.
قوله: (إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا) اعلم أن القاتل إذا قصد الضرب والقتل فإنه يقتص منه، واختلف إذا قصد الضرب دون القتل 12 وكان الضرب على وجه الغضب ففي المقدمات: المشهور والمعروف من قول مالك أن ذلك عمد، وفيه القصاص إلا في
الجزء: 5 - الصفحة: 226
الأب والأم 13.
قوله: (وَلَوْ بِقَضِيبٍ) كذا قال في المدونة، وجعل اللطمة كذلك 14.
قوله: (كخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، ومُثَقَّلٍ) هكذا قال في الجواهر، وجعل من ذلك القتل بالمحدَّد وبإصابة المقاتل كعصر الأنثيين، أو هدم عليه بيتًا 15، أو يضربه بحجر عظيم أو خشبة لها حدٌّ أو لا حدَّ لها، أو يصرعه، أو يجر برجله في غير اللعب، أو يغرقه في الماء، أو يحرقه بالنار، أو يخنقه، أو يطين 16 عليه بيتًا، أو يمنعه الطعام والشراب حتى يموت 17.
قوله: (وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أوْ مَاتَ مَغْمُورًا) أي: بل يقتل القاتل بلا قسامة، ولا فرق مع إنفاذ المقاتل بين أن يأكل ويشرب ويعيش أيامًا أم لا.
ابن القاسم: وأرى أنه إذا أنفذ مقتله حتى يعلم أنه لا يعيش من ذلك إنما حياته 18 إلى خروج نفسه فلا أرى في هذا أو شبهه قسامة 19، وأما المغمور وهو الذي لم يتكلم إلى أن مات، ففي أصل المدونة أن فيه القسامة 20، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب 21، وهو خلاف ما نص عليه هنا.
قوله: (وَكطَرْحِ غَيْرِ مُحْسِنِ الْعَوْمِ عَدَاوَةً) وظاهره، سواء كان القاتل يعلم أنه لا
الجزء: 5 - الصفحة: 227
يحسن العوم أم لا، وهو ظاهر المدونة، بل نص فيها على أنه يقتل به، وإن رماه على وجه العداوة، وإن لم يدر أنه لا يحسن العوم فما بالك بمن علم أنه لا يحسن العوم 22. قال في المدونة: وإن طرحه في نهر ولم يدرِ أنه لا يحسن العوم فمات، فإن كان على وجه العداوة والقتل قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية فلا يقتل به 23، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَدِيَةٌ).
ابن يونس: يريد: وتكون الدية على العاقلة.
ولما انقضى كلامه على المباشرة أتبعه بالكلام على التسبب فقال: (وَكَحَفْرِ بِئْرٍ، وَإِنْ بِبَيْتهِ).
ابن شاس: عن مالك فيمن حفر بئرًا لإهلاك لص فهلك فيها، أو حفرها في طريق المسلمين فهلك فيها أحد فإنه يقتل به، فأما قول مالك في المجموعة والموازية: فيمن حفر بئرًا على طريق المسلمين مما 24 لا يجوز له أنه ضامن لما أصاب من ذلك، وجعل فيه الدية دون القصاص- فلأنه لم يفعله لقتل أحد، وقد قال أشهب: إنه إذا حفرها لسارق أو طارق أو عدو فإنه ضامن لمن أصيب منهم فيها، ولو كانت في أرضه أو داره 25، ولهذا قال هنا: (وإِنْ بِبَيْتهِ).
قوله: (وَوَضْعِ مُزْلقٍ) أشار بهذا إلى ما وقع لمالك فيمن رش فناءه بالماء ليزلق من مر به من إنسان وغيره فهو ضامن، وفي المجموعة عن مالك: إذا كان تبردًا أو تنظفًا فزلق به أحد فهلك -فلا يضمن 26. بعض البغداديين: ومن وضع قشور البطيخ في طريق المسلمين قصدًا لإهلاكهم فهلك بذلك بعضهم- فإنه يقتل به 27.
قوله: (أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ) يعني: إذا فعل ذلك قصدًا للإضرار وحيث لا يجوز
الجزء: 5 - الصفحة: 228
له 28، وأما لو فعل ذلك حيث يجوز له مثل أن ينزل عنها ويدخل لحاجة وهي واقفة في الطريق- فلا يضمن، وكذا على باب المسجد أو باب الأمير أو باب السوق فلا يضمن شيئًا من ذلك، وليس هذا كمن اتخذ 29 مربطًا في طريق المسلمين.
قوله: (وَاتِّخاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ) أي: بالإنذار من اتخاذه، ومثل الجدار المائل يتركه صاحبه بعد التقدم إليه فيه، وهو مذهب المدونة فيهما 30، وإن لم يكن ثم سلطان، وفي سماع عبد الملك: لا يضمن إلا أن يتقدم إليه في ذلك السلطان، وقال أشهب: يضمن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه، وقيل: لا يضمن بحال وإن تقدم إليه.
ابن رشد: وهذا إنما هو إذا اتخذ الكلب حيث يجوز له، فأما إذا اتخذه في موضع لا يجوز له فلا خلاف أنه ضامن 31.
قوله: (قَصْدًا لِلضَّرَرِ، وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) يريد: أنه إنما يقتص منه 32 بشرطين، الأول: أن يفعل ذلك قصدًا لإهلاك شخص، الثاني: أن يهلك فيه ذلك الشخص بعينه، فلو فعلها لا لقصد ضرر أو فعلها كذلك إلا أن المقصود لم يقع فيها، وإنما وقع فيها غيره، فهلك فإنه لا قود عليه، وإنما عليه الدية، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَالدِّيَةُ) فالاستثناء راجع لقوله: (وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) لا إليه وإلى ما قبله، وإلا لزم عليه أنه إذا احتفرها في موضع يجوز له من ملكه لضرورة عرضت له لا لقصد إضرار أحد 33 فوقع فيها إنسان أو غيره- أنه يضمنه 34، وليس كذلك.
قوله: (وَكَالإِكْرَاه) هو معطوف على قوله: (وَكَحَفْرِ بِئْرٍ) والمعني أن من أكره شخصًا على قتل غيره فإنه يقتل لتسببه، وسيأتي في المكرَه بفتح الراء مفصلًا.
قوله: (وتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ) يريد: أن من قدم لشخص طعامًا مسمومًا فأكله فمات، فإنه
الجزء: 5 - الصفحة: 229
يقتص منه إذا كان عالمًا بذلك.
قوله: (وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ 35) أي: كرمي حية عليه؛ أي: إذا مات منها.
ابن شاس: فإن كان من الحواه فألقى الحية وهو يعلم أنها 36 مسمومة على غير وجه اللعب؛ فإنه يقتل به، ولا يقبل قوله: أردت اللعب، مثل هؤلاء الذين يعرفون الحيات المسمومات والأفاعي التي لا يلبث لديغها؛ فإنه يقتل به ولا يقبل قوله: أردت اللعب 37، وإنما معنى اللعب مثل ما يفعل الشبان بعضهم مع بعض فيطرح بعضهم على الآخر 38 الحية الصغيرة التي لا تعرف بمثل هذا فهو خطأ، فأما من يعرف ما هو ويطرح متعمدًا لطرحها؛ فإنه يقتل ولا يقبل قوله: لم أرد قتله.
انتهى 39.
الشيخ: ولو قيل بالقصاص وإن 40 لم يعرف أنها قاتلة ما بَعُدَ، قلت: ولهذا لم يقيد كلامه هنا بعلم ولا غيره.
قوله: (وَكَإِشَارَتهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ وَطَلَبَهُ وبَيْنهمَا عَدَاوَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ، وإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَأٌ) جعل رحمه الله المسألة على ثلاثة أوجه كما فعل الباجي: الإشارة مع الهروب، وهو يطلبه حتى مات وبينهما عداوة ففيه القصاص نص عليه ابن المواز ونحوه لابن القاسم، والإشارة مع ذلك والسقوط فيه القصاص بقسامة، قاله ابن القاسم، قال: يقسم الولاة خمسين يمينًا لمات خوفًا منه 41، ابن القاسم: ولو أشار عليه بالسيف فمات وبينهما عداوة فهو خطأ، هذا هو الوجه الثالث 42.
ابن شاس: عن عبد الملك فيمن طلب رجلًا بالسيف فعثر فمات ففيه القصاص،
الجزء: 5 - الصفحة: 230
وقاله المغيرة وابن القاسم وأصبغ، وقال ابن ميسرة: لا قصاص على واحد من هؤلاء، يعني: في الثلاثة الأوجه، واستحسنه بعض القرويين؛ إذ لا يدرى هل مات من شدة الخوف أو من شدة الجري أو من مجموعهما، ولا وجه لتعمد القتل، ولا يمكن إثبات القصاص إلا على نفي شبه العمد (1). قوله: (وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) أي: إذا أمسكه لغيره فقتله، ولا خفاء أنهم يقتلان معًا، هذا لتسببه، وهذا لمباشرته، وظاهره سواء علم أن القاتل يقدر على قتله دون إمساكه أم لا، وشرط بعضهم في وجوب القصاص على الممسك أن يعلم أنه لولا الممسك لم يقدر على ذلك، واحترز بقوله: (وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) مما إذا أمسكه لكن لغير ذلك (2) بل ليضربه ضربًا معتادًا بين الناس (3)، ولا يرى أنه يتعمد لقتله، فإذا مات من ذلك فلا يقتل به إلا القاتل فقط، وقال في الموطأ: ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويحبس سنة (4).
(المتن)
وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ، وَالْمُتَمَالِئُونَ، وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْط، وَالْمُتَسَبّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ.
كَمُكْرِهٍ، وَمُكْرَهٍ، وَكَأبٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَمَرَ صَبِيًا صَغِيرًا، أَوْ سَيّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ، وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِي الْقِصَاصُ إِنْ تَمَالآ على قَتْلِهِ، لا شَرِيكِ مُخْطِئٍ وَمَجْنُونٍ، وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ، وَجَارِحِ نَفْسِهِ، وَحَرْبِيّ وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ، أَوْ عَلَيهِ نِصْفُ الدّيَةِ؟ قَوْلان.
وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَوْ أحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، وَحُمِلا عَلَيهِ، عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ؛ إِلَّا بِعَجْزٍ حَقِيقِي، لا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ على عَاقِلَةِ الآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ كثَمَنِ الْعَبْدِ.