(نُدِبَ مُكَاتَبَةُ أَهْلِ التَّبَرُّعِ) الكتابة عتق الرجل عبده أو أمته على مال يؤديه إليه، والأصل في مشروعيتها معلوم كتابًا وسنة وإجماعا.
واختلف عن مالك هل هي مستحبة وهو قول ابن القاسم 1 في 2 المدونة 3، وهو مراده هنا، أو مباحة وحكاه في الجلاب 4، وبه قال القاضيان إسماعيل وعبد الوهاب 5.
وأركان الكتابة 6: السيد، والصيغة، والعوض، والمكاتبة، وقد أشار إلى الأول منها بقوله: (أهل تبَرُّع) ومراده أن السيد يشترط فيه أن يكوتا من أهل التبرع 7 احترازًا من الصبي والمجنون فإن كتابتهما لا تصح لعدم أهليتهما للتبرع 8.
الجزء: 5 - الصفحة: 471
قوله: (وَحَطُّ جُزْءٍ آخِرٍ) أي: إنما 9 يستحب أيضًا أن يَحُطَّ السيد عن المكاتَب آخر جزء 10 من نجوم الكتابة ليحصل به العتق، ولا يجب عليه ذلك خلافًا للشافعي 11؛ لأنها هبة، وظاهر كلامه هنا أن ذلك غير محدود، وهو كما ذكر، وقال بعضهم: هو محدود بسدس الكتابة، وقال بعضهم 12: بالربع.
قوله: (ولَمْ يُجْبَرِ الْعَبْدُ عَلَيْهَا) هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك، وعن مالك أنه يجبر وبه 13 قال أصبغ 14، واختاره 15 اللخمي إذا رضيه السيد بمثل خراجه وأزيد بيسير؛ لأنها منفعة للعبد بلا مضرة، ولا يجبر إن زاد على 16 خراجه كثيرًا 17.
قوله: (وَالْمَأْخُوذُ مِنْهَا الْجَبْرُ) أي: والمأخوذ من المدونة الجبر؛ أي: جبر العبد على الكتابة، وقد أخذ أبو الحسن 18 ذلك من قوله فيها: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد 19 غائب لزم العبد الغائب وإن كره؛ لأن هذا يؤدي عنه، ويتبعه إن لم يكن ذا قرابة ممن 20 يعتق على الحر بالملك، ويلزم الغائب الكتابة 21، قال أبو إسحاق 22: فهذا يدل على أن للسيد أن يجبر 23 عبده على الكتابة، وذكر ابن يونس: أن بعض
الجزء: 5 - الصفحة: 472
البغداديين روى ذلك عن مالك، وقال أشهب وعبد الملك 24: لا يجوز ذلك بغير رضا العبد، ورواه ابن شعبان عن ابن القاسم.
ثم أشار إلى الصيغة بقوله: (بِكَاتَبْتُكَ ونَحْوِهِ بِكَذَا) أي: أن الكتابة إنما تكون بهذه الصيغة ونحوها كانت مكاتب أو معتق على نجمين.
وقوله: (بِكَذَا) متعلق (بِكَاتَبْتُكَ) والباء فيه للمعاوضة نحو: اشتريته بدرهم.
قوله: (وظَاهِرُهَا اشْتِرَاطُ التَّنْجِيمِ) هكذا قال القاضي عياض وغيره 25: إن ظاهر المدونة اشتراط تنجيم الكتابة لقوله فيها: وإن كاتبه على ألف درهم ولم يضرب لها أجلًا نجمت، ثم قال فيها: ولا تكون حالة الكتابة عند الناس منجمة 26، وكذا قال ابن القصار 27 والطرطوشي 28: إن ظاهر قول مالك: لا بد من تنجيمها، وهو ظاهر الرسالة 29، وحكي عن 30 بعض المتأخرين أنها تكون 31 حالة، وهو الذي ارتضاه عبد الوهاب وغيره 32، قال في المقدمات: وهو الصحيح 33، وإليه أشار بقوله: (وصُحِّحَ خِلافُهُ).
قوله: (وَجَازَ بِغَرَرٍ كَآبِقٍ، وعَبْدِ فُلانٍ وَجَنِينٍ) أشار بهذا إلى أن العوض في الكتابة لا يشترط فيه 34 أن يكون معلومًا، بل يجوز فيه الغرر كالأمثلة المذكورة، ونقله ابن يونس عن ابن القاسم، ونقل اللخمي عن أشهب الكراهة 35، وإذا كاتب 36 على عبد فلان
الجزء: 5 - الصفحة: 473
فقال ابن ميسر: لا يعتق إلا 37 به، ولم يجزه أشهب، وقال: تفسخ الكتابة إلا أن يشتريه قبل الفسخ 38. قوله: (لَا لُؤْلُؤٍ لَمْ يُوصَفْ) يشير به 39 إلى أنه لا يجوز الغرر كيف ما كان؛ بل منه ما يجوز ومنه ما لا يجوز، ففي المدونة: وإن كاتبه على لؤلؤ غير موصوف لم يجز لتفاوته 40 الإحاطة بصفته 41. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يجوز له 42 الوسط 43. قوله: (أَوْ كَخَمْرٍ، وَرَجَعَ لِمُكَاتبَةِ مِثْلِهِ) أي: وإن وقعت الكتابة بما لا يجوز تملكه كالخمر والخنزير ونحوهما فإن ذلك يمضي ويكون عليه كتابة 44 مثله، وهو قول ابن الماجشون، وبه قال سحنون مرة، وقال مرة: عليه قيمة عبد 45 قِنٍّ 46. والأول أظهر، ولذلك اقتصر عليه 47. قوله: (وَفَسْخُ مَا عَلَيْهِ في مُؤَّخَرٍ أَوْ كَذَهَبٍ مِنْ وَرِقٍ وَعَكْسِهِ) لما كانت المكاتبة ليست كالديون الثابتة ولا كالمعاوضة المحضة جاز فيها ما لم يجز في ذلك 48 وهو فسخ ما على المكاتب في شيء مؤخر عليه، وكذلك يجوز أن يفسخ ما عليه من ذهب في ورق، وبالعكس 49 ونحوه في المدونة، وسواء على هذا عجل العتق أم لا، وهو قول مالك
الجزء: 5 - الصفحة: 474
وابن القاسم 50، ومنعه سحنون إلا بشرط تعجيل العتق، وهو ظاهر التهذيب 51.
قوله: (وَمُكَاتَبَةُ وَلِيٍّ مَا لِمَحْجُورِهِ بِالْمَصْلَحَةِ) ولا فرق في الولي بين أن يكون أبًا أو غيره و 52 في المحجور بين الصبي والمجنون والسفيه البالغ.
قوله: (وَمُكَاتَبَةُ أَمَةٍ وصَغِيرٍ، وإِنْ بِلَا مَالٍ وَكَسْبٍ) هو قول ابن القاسم ومنعه أشهب، وقيل بالكراهة وهو الذي اقتصر عليه مالك في المدونة 53، وهكذا وقع قولا ابن القاسم وأشهب 54 وهما في الموازية 55 قو لان منصوصان لابن القاسم وأشهب في الصغير 56، أشهب وسحنون: وتفسخ 57 كتابته إلا أن تفوت بالأداء 58.
قوله: (وبَيْعُ كِتَابَةٍ، أَوْ جُزْءٍ لا نَجْمٍ، فَإِنْ وَفَّى فَالْوَلاءُ لِلأَوَّلِ وِإلا رَقَّ لِلْمُشْتَرِي) أي: وكذا يجوز بيع كتابة المكاتب أو جزء منها لا بيع نجم، وهذا الذي ذكره من جواز بيع مجموع 59 الكتابة هو قول الجمهور من أصحاب مالك، وذهب ربيعة وغيره إلى المنع، اللخمي: وهو أقيس 60 للغرر؛ لأنه إن أدى كان للمشتري الكتابة فقط، وإن عجز عند أول نجم كانت له الرقبة فقط، وإن عجز عند آخر نجم كانت 61 له الكتابة والرقبة، قال: وأصل سحنون في هذا أنه يمنع البيع مع الاختيار ويجيزه مع الضرورة لفقر وفلس 62.
الجزء: 5 - الصفحة: 475
ابن القاسم في أحد قوليه: ويجوز بيع جزء من المكاتبة 63، وقاله أشهب وأصبغ وسحنون، واختاره جماعة من الأشياخ، وعن ابن القاسم أيضًا قول بعدم الجواز 64، وهو قول مالك في الموطأ 65، وما ذكره من منع بيع نجم منها مقيد بالنجم المعين، وأما نجم من ثلاثة أو أربعة فالمنصوص جوازه؛ لأنه يرجع إلى بيع الجزء، فإن وفَّى المكاتب ما عليه من نجوم الكتابة للمشتري عتق، والولاء للأول؛ لأنه قد انعقد له الولاء أوَّلًا 66، وإن لم يوفِّ بل عجز أو هلك قبل ذلك فهو رقيق للمشتري، وهذا الحكم في بيع الجزء.
قوله: (وَإِقْرَارُ مَرِيضٍ بِقَبْضِهَا إِنْ وُرِثَ غَيْرَ كَلالَةٍ) أي: وكذا يجوز إقرار المريض بقبض الكتابة من مكاتبه بل شرط ألا 67 يورث كلالة، فإن ورث كلالة فلا إلا أن يحمله الثلث فإنه يجوز، قال 68 في المدونة: لأنه لو أعتق جاز عتقه، وقال غيره: إذا اتهم بالميل معه والمحاباة له لم يجز إقراره جملة، وقاله ابن القاسم غير مرة 69.
قوله: (وَمُكَاتَبَةٌ بِلَا مُحَابَاةٍ) أي: وكذا تجوز مكاتبة المريض بشرط 70 عدم المحاباة، فإن حاباه كانت محاباته في الثلث، فإن حملها مضت وإلا مضى منها ما حمله، فإن لم يحمل منها شيئًا بطلت وهو مذهب المدونة، ولابن القاسم أيضًا: أن ذلك كالعتق، فإن كانت قيمته أكثر من الثلث خير الورثة بين أن يمضوا الكتابة أو يعتقوا منها ما حمل 71 الثلث بتلًا 72، وقيل: إن كانت محاباة فكذلك مرة، فكذلك؛ أي: يخير الورثة بين إمضاء
الجزء: 5 - الصفحة: 476
الكتابة وبين عتق ما حمل الثلث منه أن يصير من قيمته، قاله بهرام (1). قوله: (وَإِلا فَفِي ثُلُثِهِ) أي: في المسألتين كما تقدم (2).
(المتن)
وَمُكَاتَبَةُ جَمَاعَةٍ لِمَالِكٍ فَتُوَزَّعُ عَلَى قُوَّتِهِمْ عَلَى الأَدَاءِ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَهُمْ، وَإِنْ زَمِنَ أَحَدُهُمْ حُمَلَاءُ مُطْلَقًا فَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَلِيءِ الْجَمِيعُ، وَيَرْجِعُ إِنْ لَمْ يَعْتَقْ عَلَى الدَّافِعِ، وَلَمْ يَكُنْ زَوْجًا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ شَيْءٌ بِمَوْتِ وَاحِدٍ، وَللسَّيِّدِ عِتْقُ قَوِيٍّ مِنْهُمْ إِنْ رَضِيَ الْجَمِيعُ وَقَوَوْا، فَإِنْ رُدَّ، ثُمَّ عَجَزُوا صَحَّ عِتْقُهُ، وَالْخِيَارُ فِيهَا، وَمُكَاتَبَةُ شَرِيكَيْنِ بِمَالٍ وَاحِدٍ لَا أَحَدِهِمَا، أوْ بِمَالَيْنِ، أَوْ بِمُتَّحِدٍ بِعَقْدَيْنِ فَتُفْسَخُ، وَرِضَا أَحَدِهِمَا بِتَقْدِيم الآخَرِ.
وَرَجَعَ لِعَجْزٍ بِحِصَّتِهِ كَإِنْ قَاطَعَهُ بِإِذْنِهِ مِنْ عِشْرِينَ عَلَى عَشَرَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ خُيِّرَ الْمَقَاطِعُ بَينَ رَدِّ مَا فَضَلَ بِهِ شَرِيكَهُ، إِسْلَامِ حِصَّتِهِ رِقًّا، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الآذِنِ وَإِنْ قَبَضَ الأَكْثَرَ، فَإِنْ مَاتَ أَخَذَ الآذِنُ مَالَهُ بِلَا نَقْصٍ إِنْ تَرَكَهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَعِتْقُ أَحَدِهِمَا وَضْعٌ لِمَالَهُ، إِلَّا إِنْ قَصَدَ الْعِتْقَ، كَإِنْ فَعَلْتَ فَنِصْفُكَ حُرٌّ فَكَاتَبَهُ ثُمَّ فَعَلَ وُضِعَ النِّصْفُ، وَرُقَّ كُلُّهُ إِنْ عَجَزَ،