قوله: (وَللْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمَحُوزِ عَنْهُ، في الْفَلَسِ لا الْمَوْتِ) المراد بالغريم هنا صاحب الدين، والمعنى أنه إذا وجد سلعته بعينها 1 إن شاء 2 أخذها 3 في الفلس لا الموت، وقاله في المدونة، والرسالة وغيرهما 4. ابن المواز 5: وسواء زادت قيمتها أو نقصت في سوق أو بدن.
قوله: (وَلَوْ مَسْكُوكًا) يعني: الدنانير والدراهم، أي: إذا شهد على عينها أنَّها دنانيره ودراهمه فله أخذها 6، وهو قول ابن القاسم في المدونة خلافًا لأشهب.
وأشار بقوله: (أَوْ آبِقًا) إلَّا أن من باع عبدًا فأبق عند المشتري، ثم فلس فله أن يأخذ عبده الآبق، ابن القاسم: للبائع أن يطلبه على ألا شيء له غيره أو يحاص وليس له أن يطلبه 7، فإن وجده كان له، وإن لَمْ يجده فلا شيء له 8، وإليه الثمار بقوله: (وَلَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ)، وقال أشهب 9: له أن يطلبه، فإن وجده كان له وإلا رجع فحاص، وقال
الجزء: 4 - الصفحة: 148
أصبغ: له 10 أن يختاره.
قوله: (إِنْ لَمْ يَفْده غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ بِمَالِهِمْ) يريد: أن أخذ الغريم عين شيئه مقيد بثلاثة قيود: الأول: إلا يفديه الغرماء، أي: لا يدفعون إلَّا ربه ثمنه من مال المفلس، فإن دفعوا ذلك لَمْ يكن له مقال، وقاله 11 في المدونة وغيرها، ولهم أن يدفعوا ذلك من مالهم كما قال، وهو قول عبد الملك، وحكاه في الموازية، وزاد: ويضمنون الثمن وهم ثقات أو يعطوا به حميلًا ثقة، وقال ابن كنانة: ليس لهم ذلك، وقال أشهب: ليس لهم ذلك إلَّا أن يزيدوا على الثمن زيادة يحطونها من دينهم 12 على المفلس وتكون السلعة لهم نماؤها 13 وعليهم نقصانها.
قوله: (وَأَمْكَنَ) هو القيد الثاني، وهو كون الغريم متمكنًا من أخذ شيئه، ولهذا قال (لا بُضْعٌ) أي: فإن الزوجة لا يمكنها إذا تزوجت، ثم فلس الزوج أن تفسخ نكاحه عند تعذر استيفاء الصداق منه، وكذلك إذا خالعته بشيء ثم فلست ولم يقدر هو على أخذ العوض، فإنه لا رجوع له في تلك العصمة، وهو مراده بقوله: (أو عِصْمَتِهِ) 14.
وأما قوله: (أو قِصَاصٌ) فإنما يريد به أن من صالح عن دم عمد بشيء ثم فلس الجاني؛ فإنه 15 ليس له رجوع فيما خرج من يده، لتعذر إمكان الرجوع في القصاص، ثم أشار إلَّا القيد الثالث وهو عدم انتقال متاعه عن حاله الذي كان عليه إلَّا غيره بقوله: (وَلَمْ يَنتقِلْ)، أي: فلو انتقل عنه حتى فات المقصود منه فلا رجوع له، ويحاص بثمنه.
قوله: (لا إنْ طُحِنَتِ الحنْطَةُ أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ) هذا مثال لانتقال ذلك، وهو أن يطحن الحنطة أو يخلط جيدها برديئها أو بمسوسها أو بمغلوثها 16 أو يعمل الزبد سمنًا أو يعمل الثوب قميصًا أو يذبح الكبش،
الجزء: 4 - الصفحة: 149
وهذا كله 17 قاله في الجواهر، ثم قال: ولو خلطت السلعة بجنسها المماثل لها كالزيت على مثله والحنطة على مثلها ونحو ذلك فله من ذلك قدر مكيلتها 18. ولهذا قال هنا: أو خلط بغير مثل، واختلف إذا باع رطبًا ثم يبس، فقال مالك: لا يجوز أخذه، وقال أشهب: يجوز 19، وإلى قول مالك أشار بقوله: (أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ).
قوله: (وكَأَجِيرِ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ، وَذي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ) أي: وهكذا أجير الرعي لا يكون أحق في الموت والفلس بذلك، وهو منصوص عليه في المدونة وغيرها، ابن عبد السلام 20: ولا خلاف أعلمه فيه، ومراده بـ (نحوه) أجير الحراسة والخدمة، أو في بيتك، أو يبيع لك سلعتك، أو في حانوتك، ونحو ذلك.
قوله: (وَرَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ) يريد: أن من اشترى سلعة ثم اطلع فيها على عيب فأراد ردها على البائع فوجده قد فلس - فإن له ردها، ولا يكون أحق بها، وهذا على قول من يرى أن الرد بالعيب في الفلس لا يكون ابتداء بيع، وأما من يقول إنه ابتداء بيع فإنه يكون أحق بالسلعة إن شاء، وقاله في المقدمات، قال: واختلف فيمن اشترى سلعة بيعًا 21 فاسدًا ففلس البائع قبل أن يردها عليه المبتاع هل يكون أحق بها أم لا؟ قال سحنون: هو 22 أحق جها، وقال ابن المواز: لا يكون أحق جها، وقال عبد الملك: إن ابتاعها بدين فلا يكون أحق جها، وهو أسوة الغرماء 23 وهذه طريقة؛ لأن اللخمي حكى الاتفاق على أنه لا يكون أحق بها في الدين، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ).
قوله: (وَهَلِ الْقَرْضُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقبِضْهُ مُفْتَرِضُهُ، أَوْ كَالْبَيْعِ؟ خِلافٌ) يريد: أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 150
اختلف إذا أقرضه شيئًا ثم فلس المقترض هل يكون المقرض (1) أحق بعين شيئه إذا وجده قائما كالبيع وهو مذهب مالك وأصحابه أو لا؟ وهو مذهب ابن المواز، وقال المازري: المشهور أنه لا يكون أحق به إذ لَمْ يرد الحديث إلَّا في عين شيئه في البيع (2)، وسواء قبض السلف أم لا، ثم قال: وحكي عن (3) الأصيلي إلحاق القرض بالبيع.
(المتن)
وَلَهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ، لَا بِفِدَاءِ الْجَانِي، وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إِنْ رُدَّتْ بعَيْبٍ وَرَدُّهَا، وَالْمُحَاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأخُذْ أَرْشَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَعَادَ لِهَيئَتِهِ، وَإِلَّا فَبِنِسْبَةِ نَقْصِهِ، وَرَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبِضَ، وَأَخْذُهَا، وَأَخْذُ بَعْضِهِ، وَحَاصَّ بِالْفَائِتِ كَبَيْع أُمٍّ وَلَدَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ الْوَلَدَ فَلَا حِصَّةَ.
وَأَخَذَ الثَّمَرَةَ وَالْغَلَّةَ.
إِلَّا صُوفًا تَمَّ، أَوْ ثَمَرَةً مأبورة، وَأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ، وَأَرْضَهُ، وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ، ثُمَّ سَاقِيهِ، ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ.