قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى جَارِيةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ) اعلم أن أحدهما إذا ابتاع جارية من المال فله ثلاثة أوجه، أشار بهذا الكلام إلى اثنين منهما 2، والثالث يأتي بعدهما، فالأول إذا ابتاعها 3 لنفسه، ابن يونس: يريد: ولم يطأها بعد فللشريك الآخر أن يمضي له ذلك أو يردها للشركة، وقاله في المدونة 4، والوجه الثاني أن يبتاعها للوطء بإذن شريكه 5، فلا شك أن شريكه قد أسلفه نصف ثمنها وأن ربحها له وعليه نقصها، وهو معنى قوله: (إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ) أي فليس لشريكه فيها بعد ذلك خيار.
قوله: (وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ الشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بغَيْرِ إِذْنِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ) هذا هو الوجه الثالث، وهو أن يبتاع الجارية للتجارة، ثم يطأهَا، فإن كانت بإذن شريكه وقد اشتراها للوطء 6، وحملت فإنها تقوّم عليه، وكذلك إن ابتاعها للتجارة 7، ووطئها بإذن1
الجزء: 4 - الصفحة: 252
شريكه، فإن وطئها بغير إذن شريكه فحملت فالمشهور الفرق بين المليّ والمعدم 8، وعلى هذا فقوله: (أو بِغَيْرِ إِذْنِهِ 9) أي: وهو مليّ بثمنها.
قوله: (وَإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ مُقَاوَاتُهَا) أي: فإن لم تكن قد حملت فللشريك 10 إبقاؤها على الشركة أو مقاومتها 11، يعني: أن كل واحد منهما يزيد فيها حتى تقف على ثمن 12 فيأخذها صاحب العطاء بذلك، وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وتممّه ابن القاسم، فقال: وإن شاء الشريك أنفذها لشريكه الذي وطئها بالثمن الذي ابتاعها به، فإن لم ينفذها بالثمن له، ، وقال: لا أقاويه 13 لكن أردّها في الشركة لم يكن له ذلك 14، وقال غيره لشريكه ذلك، ويمضيها 15 له 16 بالثمن الذي اشتراها به 17، واختار اللخمي جواز إبقائها على الشركة إن فعل الشريك ذلك جهلًا معتقدًا الجواز، وإلا فإن وطئها عالمًا بالتحريم فلا يجوز إبقاؤها على الشركة إلا أن تكون بيد الشريك الآخر، بشرط كونه مأمونًا.
قوله: (وَإِنِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ) هذه هي شركة العِنان مأخوذة من عِنان الفرس أو من "عنَّ" إذا عرض، ويقال بفتح العين وكسرها، وفسرها هنا كما في الجواهر بما إذا اشترط كل واحد 18 من الشريكين على صاحبه ألا يفعل شيئًا حتى يشاركه فيه، وقال في المقدمات: هي الاشتراك في شيء خاص 19، وحكى الاتفاق على جوازها
الجزء: 4 - الصفحة: 253
ونحوه لابن عبد الحكم، وقيل: هي الشركة في كل شيء إلا 20 في نوع خاصّ كالبُر 21 ونحوه، وقيل: إلا في فرد خاصّ كالثوب ونحوه.
قوله: (وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكةِ فِي الْفَرَاخِ) أي: أنه يجوز لصاحبي طيرين ذكر و 22 أنثى أن يتفقا على أن يزوجا الذكر الأنثى، ويكون ما حصل من الفراخ بينهما -وهو ظاهر- 23 إذا كانت مئونتهما عليهما وإلا فلا، إلا أن يتطوع بذلك بعد العقد فلا بأس به.
قوله: (وَاشْتَرِ لِي وَلَكَ، فَوَكَالَةٌ) يريد: أن قول الرجل للآخر اشترِ هذا الشيء لي ولك وكالة، أي: في النصف الذي ابتاعه له، يريد: وكالة مقصورة على الشراء لذلك لا تتعدى إلى غيره، وليس له بيعه إلا بإذن شريكه.
قوله: (وَجَازَ: وَانْقُدْ عَنِّي، إِنْ لَمْ يَملْ: وَأَبِيعُهَا لَكَ) فإن قال 24: اشترها لي ولك وانقد عني ما يخصني من الثمن جاز إن لم يقل 25: وأنا أبيعها لك 26، فإن قال ذلك لم يجز، قال في الموطأ: لأن ذلك سلف يسلفه إياه على أن يبيعها له 27.
قوله: (وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا، إِلا أَنْ يَقُولَ: وَاحْبِسْهَا، فكَالرَّهْنِ) يعني: أن المشتري إذا نقد الثمن على الوجه الذي ذكره 28 فليس له حبس السلعة حتى يقبض ثمنها إلا أن يقول له الآمر 29: واحبسها، فتصير حينئذ كالرهن.
قوله: (وَإِنْ أسْلَفَ غيرُ الْمُشْتَرِي جَازَ) أي: فإن كان السلف 30 من غير المشتري
الجزء: 4 - الصفحة: 254
فإن ذلك جائز، واختلف قول مالك فيمن أسلف رجلًا ليشاركه، وذلك على وجه المعروف والرفق به 31، فمرة أجازه ومرة كرهه، واختار ابن القاسم جوازه، وإن كان أسلفه لبصيرته في التجارة وتشاركا على ذلك لم يجز 32؛ لأنه سلف جرّ نفعًا 33، وإليه أشار بقوله: (إِلا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي).
قوله: (وَأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إِنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِسُوقِهِ، لا 34 لِكَسفر أَوْ قِنْيَةٍ، وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتكَلَّمْ مِنْ تُجَّارهِ) يريد: أن من اشترى شيئًا من طعام، أو غيره في سوقه الذي يباع فيه عادة لا 35 لأجل سفره به أو قنيته وغيره ممن هو من أهل ذلك حاضر معه لم يتكلم، وأراد أن يدخل معه فيه، أجبر له المشتري على ذلك وهذه المسألة تعرف بشركة الجبر، وبها قضى عمر واتفق عليها مالك وأصحابه، وقال أشهب: إنما ذلك في الطعام خاصة 36، وأما إن لم يكن اشترى ذلك للتجارة وإنما هو 37 لسفره به أو لقنيته فلا جبر، ويصدق أنه ابتاعه لغير التجارة مع يمينه، إلا أن يظهر كذبه لكثرة ما ابتاع من ذلك، فلو لم يكن غيره من تجّار ذلك حاضرًا معه أو كان وزايده 38 حتى أخذه فلا كلام له، وكذا إن لم يكن من تجاره 39 خلافًا لعبد الملك.
قوله: (وَهَلْ وَفي الزُّقَاقِ لا كبيته قولان 40) أي: وهل ولو 41 ابتاع ذلك في الزقاق ويكون كما لو ابتاعها 42 في السوق، وهو قول ابن حبيب أولًا، ويختص به مشتريه،
الجزء: 4 - الصفحة: 255
وهو قول أصبغ وغيره، قال في البيان: وأما ما ابتاعه الرجل في حانوته أو داره، فلا شركة لأحد ممن حضره (1) فيه باتفاق (2)، ولهذا أخرجه من محل الخلاف، ودلّت كاف التشبيه على أن الحانوت ونحوه كالبيت.
(المتن)
وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ، وَتَسَاوَيَا فِيهِ، أَوْ تَقَارَبَا، وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وَإِنْ بمَكَانَيْنِ، وَفِي جَوَازِ إِخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً وَاسْتِئْجَارِهِ مِنَ الآخَرِ، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ.
كَطَبِيبَينِ اشْتَرَكَا فِي الدَّوَاءِ، وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازينِ.
وَهَلْ وَإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا.
وَحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، وَمَعْدِنٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُة بَقِيَّتَه، وَأَقْطَعَهُ الإِمَامُ وَقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ، وَلَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وَضَمَانُهُ وَإِنْ تَفَاصَلا.
وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُمَا، لا إِنْ كَثُرَ، وَفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِما كَكَثِيرِ الآلَةِ، وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ؟ تَرَدُّدٌ.