قوله: (وَبِدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِهِ، وَحَلَفْتَ وَإِلا حَلَفَ وَبَرِئَ، إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الآمِرِ، وَرَجَعَ عَلَى القَابِضِ) ابن يونس: ومن المدونة عن ابن القاسم: ومن أودعته وديعة فادعى أنك أمرته بدفعها إلى فلان ففعل، وأنكرت أنت أن تكون أمرته فهو ضامن إلا أن تقوم بينة أنك أمرته بذلك 1، قال سحنون: ويحلف ربها، فإن نكل حلف المودع وروى 2 ابن القاسم في المودع يأتيه من يزعم أن ربها أمره بأخذها فصدقه ودفعها إليه فضاعت 3 منه فالدافع ضامن لها، ثم له أن يرجع على الذي قبضها فيأخذها منه 4، وقال أشهب: لربها أخذها ممن شاء، ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر؛ لأن الدافع صدق الرسول أنه مأمور بأخذها، فلا يرجع عليه إن غرمها 5. قوله: (وَإِنْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ بِمَالٍ، فَقَالَ: تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وَأَنْكَرْتَ فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ) قال في المدونة: يحلف 6 المبعوث إليه، ويكون المال صدقة، قيل: كيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه 7، وقال أشهب 8: لا تجوز شهادة الرسول؛ لأنه يدفع عن نفسه الضمان 9. أبو محمد: يريد أشهب: أن المتصدق عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 356
عديم، وقد أتلف المال، ولا بينة للرسول على الدفع 10، فأما إذا كان له بينة 11 وهو ملي حاضر 12 فشهادة الرسول جائزة مع يمين المشهود له، وكذلك إن قامت للرسول بينة بالدفع في عُدم المشهود له 13. ابن يونس 14: وعلى هذا التأويل يكون قول أشهب وفاقًا لقول ابن 15 القاسم، وكذلك علل محمد قول ابن القاسم 16 وعلل غيره قول أشهب أنه إنما لم تجز شهادته؛ لأنه دفعها دفعًا لم يؤمر به، وذلك لأن الآمر إنما أمره أن يدفعها 17 على وجه الإيداع فدفع 18 على وجه التمليك فلا تجوز شهادته، ولا يؤاخذ الآمر يعني بما 19 أقر به من الدفع.
قال و 20 ابن القاسم: إنما أجاز شهادته؛ لأنه أذن له بالدفع فدفع والمال حاضر لم يستهلك بدفعه على باب التمليك شيئًا 21، إلى هذا وما قبله أشار بقوله: (وَهَل مُطْلَقًا؟ أو إِنْ كَانَ المَالُ بِيَدِهِ تَأْوِيلانِ).
قوله: (وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ) يريد: أن المودع إذا ادعى الرد على وارث رب الوديعة بعد موته، فلا يقبل ويضمنها؛ لأن الوارث لم يأتمنه عليها.
قوله: (أَوِ المُرْسَلِ إِلَيْهِ المُنْكِرِ) يشير إلى قوله في المدونة: ومن بعثت معه 22 بمال ليدفعه إلى رجل صدقة أو صلة أو سلفًا أو 23 ثمن مبيع 24 أو ليبتاع لك به سلعة،
الجزء: 4 - الصفحة: 357
فقال: قد دفعته إليه، فكذبه الرجل لم يبرأ الرسول إلا ببينة 25.
قوله: (كَعَلَيْكَ، إِنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ به 26 مَقْصُودَةٌ) أي: وهكذا 27 لا يقبل قوله إن ادعى أنه رده 28 على صاحب الوديعة، وهو الراد بالخطاب هنا إن كانت له بينة بالدفع مقصودة للتوثق، قال في المقدمات: لأنه إنما ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ردها فيصدق في الضياع لا في الرد، وهو قول مالك وجميع أصحابه 29، وقيل: يصدق في الرد أيضا.
ابن رشد 30: وهو الذي يأتي على قول أصبغ في الشيء المستأجر يقبضه ببينة، ثم يدعي رده، قال: 31 لأنه إذا صدق في الشيء المستأجر فأحرى الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها 32، أما لو دفع إليه الوديعة بغير بيّنة فلا إشكال أنه يصدق، وكذلك لو حضرت وهو يدفع إليه الوديعة إلا أنها لم تكن مقصودة التوثق.
اللخمي: وكذلك لو كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته، أو يقول المودع أخاف أن تقول هي سلف فاشهد لي أنها وديعة، ونحو ذلك مما يعلم أنه لم يقصد به التوثق 33.
قوله: (لا بدَعْوَى التَّلَفِ) أي: فإنه لا ضمان عليه حينئذ، ظاهره: ولو قبضها ببينة؛ لأنه مأمون 34 على حفظها على كل حال.
ابن رشد 35: فيصدق في الضياع والتلف الذي ائتمنه عليه.
قوله: (أَوْ عَدَمَ العِلمِ بِالرَّدِّ أوِ الضَّيَاعِ) هذا كقول أصبغ في الوديعة يطلبها ربها، فيقول المودع: لا أدري أضاعت مني أو رددتها إليك أنه لا ضمان عليه 36؛ لأنه ذكر
الجزء: 4 - الصفحة: 358
أمرين مصدق فيهما إلا أن يأخذها ببينة فلا يبرأ إلا ببينة وإلا ضمن (1).
قوله: (وَحَلَفَ المُتَّهَمُ) سواء اتهم في دعوى الرد أو التلف، ولا خلاف أنه يحلف في دعوى الرد، وأما دعوى التلف فالمشهور أنه يحلف، وقيل: لا يحلف (2).
قوله: (وَلَمْ يُفِدْه (3) شَرْطُ نَفْيِهَا) يريد: أن المودع لا يفيده إذا شرط على رب الوديعة نفي اليمين في دعوى التلف أو الرد أو غير ذلك، بل يحلف لرب (4) الوديعة إن كان متهمًا.
قوله: (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْتَ) أي: فإن نكل المتهم حلف رب الوديعة، يريد: ويغرم له الوديعة، وهو المشهور، وقيل: لا يمين على ربها؛ بناء على أن يمين التهمة لا ترد، وقيل: يغرم بلا يمين.
قوله: (وَلا إِنْ شَرَطَ الدَّفْعَ لِلمُرْسِلِ إِلَيْهِ بِلا بَيِّنَةٍ) هو معطوف على قوله: (لا بِدَعْوَى التَّلَفِ) ومعناه ما قال في المدونة: إن من دفع مالًا لرجل ليوصله لغيره فشرط الرسول على الدافع أنه يسلم المال إلى المرسل إليه بلا بينة، فإنه لا ضمان على الرسول، وزاد فيها: وإن لم تقم للرسول بينة بالدفع إذا ثبت هذا الشرط.
(المتن)
وَبِقَوْلِهِ تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلْقَانِي، بَعْدَ مَنْعِهِ دَفْعَهَا: كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ بِلَا عُذْرٍ، لَا إِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ، وَبِمَنْعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمَ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لَا إِنْ قَالَ: ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ وَكنْتُ أَرْجُوهَا.
وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَالْقِرَاضِ، وَلَيْسَ لَهُ الأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا.