قوله: (وَتَرَاوِيحُ) أي: ومما يستحب أيضًا صلاة التراويح للعمل المستمر من زمن 1 عمر وإلى 2 يومنا 3 هذا 4، والمراد بها قيام رمضان، وإنما سميت بذلك لما يتخلل بين كلّ تسليمتين من الراحة 5؛ لأنَّ السلف رضوان الله عليهم كانوا يطيلون القيام فيصلون 6 تسليمتين ثم يجلس الإمام للاستراحة، وهذا ظاهر المذهب، وقال في الكافي 7: هو سُنَّة.
قوله: (وَانْفِرَادٌ فيها إِنْ لَمْ تُعَطَّلِ المَسَاجِدُ) ابن شاس: ولو انفرد الواحد 8 في بيته لطلب السلامة من قصد إظهار النافلة لكان أفضل له على المشهور ما لَمْ يؤدِّ ذلك إلى تعطيل المساجد 9.
ابن راشد: ولم أرَ ما ذكره من الخلاف.
قوله: (وَالخَتْمُ فِيهَا) أي: ومما يستحب أيضًا الختم في التراويح ليقف المصلون على سماع جميع القرآن، ولو 10 اقتصر رجل على سورة من أول الشهر إلى آخره لأجزأتهم 11،
الجزء: 1 - الصفحة: 393
وقاله في المدونة 12 وإليه أشار 13 بقوله: (وَسُورَةٌ تُجْزِئُ).
قوله: (ثَلَاثٌ وَعِشْرْونَ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ) هو خبرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوْفٍ 14؛ أي: وهي ثلاث وعشرون ركعة؛ أي: كانت أولًا كذلك - يريد بالشفع والوتر - ثم جعلت تسعًا وثلاثين ركعة؛ أي: بالشفع والوتر، وذكر في النوادر عن ابن حبيب 15: أنَّها كانت أولًا إحدى عشرة ركعة إلَّا أنهم كانوا 16 يطيلون القراءة فثقل عليهم ذلك فزادوا في أعداد الركعات وخففوا القراءة، فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة 17 متوسطة، ثم خففوا القراءة وجعلوا عدد ركعاتها ستًّا وثلاثين غير الشفع والوتر، قال: ومضى الأمر على ذلك 18 ونحوه في الرسالة 19.
قوله: (وَخَفَّفَ مَسْبُوقُهَا ثَانِيَتَهُ 20 وَلحِقَ) يريد أنَّ من سبق بركعةٍ فإنه يصلي الثانية بعد سلام الإمام مخففة.
قوله: (وَقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ وَالْكَافِرُونَ، وَوِتْرٍ بِإِخْلاصٍ وَمَعُوِّذَتَيْنِ إِلَّا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، فَمِنْهُ فِيهِمَا) أي: ويستحب قراءة الشفع بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في الأولى 21 و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الثانية، وقراءة الوتر بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ 22 وهذا هو المشهور، وروتْ عائشة عنه - عَلِيْهِ السَّلَام - أنه كان يشفع ويوتر بذلك 23، وروى ابن وهب
الجزء: 1 - الصفحة: 394
عن مالك أنه كان 24 يقرأ بما شاء من القرآن في ذلك، وصحح ابن العربي الأول 25 إذا انفرد، قال: وأما إن كانت له صلاة فليجعل وتره من صلاته وليكن ما قرأ 26 فيه 27 من حزبه.
قال 28: ولقد انتهت الغفلة بقوم يصلون التراويح ثم يوترون بهذه السورة، والسنة أن يكون وتره من حزبه 29.
قوله: (وَفِعْلُهُ لِمُنْتَبِهٍ آخِرَ اللَّيْلِ) أي: وندب فعل الوتر آخر الليل لمن ينتبه وإلا قدمه 30؛ لأنَّ في نومه قبله تغريرًا بالوتر، وهكذا قال ابن يونس 31.
قوله: (وَلم يُعِدْهُ 32 مُقَدِّمٌ ثم صلى 33) يريد أن من قدم وتره أول الليل ثم تنفل بعده لَمْ يعده؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ" 34. وهو المشهور، وقيل: يوتر لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُم بِاللَّيْلِ 35 وِتْرًا" 36. = 1424، والترمذي: 2/ 325، في باب ما جاء فيما يقرأ به في الوتر، من أبواب الوتر، برقم: 462، وابن ماجة: 1/ 371، في باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر، من كتاب إقامة الصلاة، برقم: 1173. قال ابن الملقن: "حسن ... ، وأما حديث ابن عباس فرواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة بإسناد صحيح عنه: "أنه - عَلَيْهِ السَّلَام - كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة ركعة"، انظر: البدر المنير في تخريج الشرح الكبير: 4/ 332.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
قوله: (ثُمَّ صَلَّى) يعني: لو قدم الوتر عن أن يفعله آخر الليل ثم تنفل بعد أن أوتر، لَمْ يعد الوتر (1).
قوله: (وَجَازَ) أي: التنفل 37 بعد الوتر.
يريد: إذا طرأت له نية التنفل 38 بعد أن أوتر 39، وأما لو قصد أولًا أن يوتر ثم يتنفل 40 فإنه يكون مخالفًا للسُّنة؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُم بِاللَّيْلِ 41 وِتْرًا" 42.
قوله: (وَعَقِيبَ 43 شَفْعٍ) أي: ويستحب الوتر أن يكون عقيب الشفع 44، وهذا يقتضي أن يكون هو 45 المذهب عنده، وظاهر المدونة أن الشفع قبل الوتر للصحة لا للفضيلة وهي أيضًا محتملة لما ذكره 46.
قوله: (مُنْفَصِلٍ بِسَلَامٍ) فيه تنبيه على خلاف أبي حنيفة.
قوله: (إِلَّا لاقْتِدَاءٍ 47 بِوَاصِلٍ) يريد أنَّ الاستحباب 48 مقيد بما إذا صلى وحده أو خلف من يفصل بسلام، فأمَّا إذا صلى خلف من يوصل 49 بين الشفع والوتر فإنه يتبعه وهو المشهور، وقال أشهب: يسلم من اثنتين.
قوله: (وَكُرِهَ وَصْلُهُ) أي: وصل الشفع بالوتر من 50 غير سلام بينهما؛ لقوله - عَلِيْهِ السَّلَام -: قوله: قوله: (ثُمَّ صَلَّى ... لَمْ يعد الوتر) ساقط من (ن) و (ن 2).
الجزء: 1 - الصفحة: 396
"صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ 51 صَلَّى" 52.
قوله: (وَوِتْرٌ بِوَاحِدَةٍ) هو مذهب المدونة 53.
المازري: لَمْ يختلف المذهب في كراهة الاقتصار على ركعة واحدة في حق المقيم الذي لا عذر له، وإنما اختلف في المسافر؛ ففي المدونة: لا يوتر بواحدة 54. وفي كتاب ابن سحنون إجازته.
قلت: ورواه ابن 55 زياد عن مالك، وأوتر سحنون في مرضه بواحدة ورآه عذرًا كالسفر 56.
قوله: (وَقِرَاءَةُ ثَانٍ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ) أي: إذا صلى اثنان واحد بعد واحد في قيام رمضان أو غيره، فإنه يكره للثاني أن يقرأ من غير المكان الذي انتهت إليه قراءة الأول، لئلا يتخير كلّ منهما أعشارًا توافق صوته، ولأن الغرض سماع المصلين لجميع القرآن.
قوله: (ونَظَرٌ بِمُصْحَفٍ فِي فَرْضٍ) أي: في صلاة فرض؛ لأن ذلك مما يشغله غالبًا، وأجاز مالك ذلك 57 في النافلة إذا ابتدأ القراءة في المصحف 58، وأمَّا إذا افتتحها في غير المصحف فلا، وهو معنى قوله 59: (وَأَثناءَ نَفْلٍ، لا أَوَّلَهُ).
قوله: (وَجَمْعٌ كَثيرٌ لِنَفْلٍ 60، أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٍ) يريد: أنه يكره اجتماع الجمع الكثير في النافلة خشية الرياء، وقد قال - عَلَيْهِ السَّلَام -: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ إِلَّا
الجزء: 1 - الصفحة: 397
الْمَكْتُوبَةُ" (1)، وكذلك يكره أيضًا صلاة النافلة بمكان مشتهر، وقاله ابن حبيب وغيره (2). قوله: (وَإِلَّا فَلا) أي: وإن لَمْ يكن الجمع كثيرًا ولم يكن المكان مشتهرًا فلا كراهة؛ لفقدان العلة.
(المتن)
وَكَلَامٌ بَعْدَ صُبْحٍ لِقُرْبِ الطُّلُوعِ.
لَا بَعْدَ فَجْرٍ، وَضِجْعَةٌ بَيْنَ صُبْحٍ وَرَكْعَتَي الْفَجْرٍ.
وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ، ثُمَّ عِيدٌ، ثُمَّ كُسُوفٌ، ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ.
وَوَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ، وَضَرُورِيَّةُ لِلصُّبْحِ.
وَنُدِبَ قَطْعُهَا لَهُ لِفَذٍّ لَا مُؤْتَمٍّ، وَفِي الإِمَامِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الْوَقْتُ إِلَّا لِرَكْعَتَينِ: تَرَكَهُ، لَاِ ثَلَاثٍ وَلِخَمْسٍ صَلَّى الشَّفْعَ وَلَوْ قَدَّمَ، وَلِسَبْعٍ زَادَ الْفَجْرَ، وَهِيَ رَغِيبَةٌ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا، وَلَا تُجْزِئُ إِنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إِحْرَامِهَا لِلفَجْرِ وَلَوْ بِتَحَرٍّ، وَنُدِبَ الاِقْتِصَارُ عَلَى الْفَاتِحَةِ.