قوله: (كَبَيِّنِ مَرَضٍ، وَجَرَبٍ، وَبَشَمٍ، وَجُنُونٍ، وَهُزَالٍ، وَعَرَجٍ، وَعَوَرٍ 1) هذا لقوله عليه الصلاة والسلام: "أربع لا تجزئ في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلَعها 2 والعجفاء التي لا تُنْقِي" 3، وفي الموطأ وغيره نحوه، واحترز بقوله: (بين) من المرض الخفيف ونحوه فإنه لا أثر له، قال في المدونة: ولا تجزئ الجربة إذا كان ذلك لها 4 مرضًا 5، يريد إذا كان ذلك يعم جميع جسدها، وإليه أشار بقوله: (وجرب) أي: وبيّن الجرب، وهكذا البشمة 6 إذا كان بشمها بينًا وإلا فلا.
عياض: وهي التي تصيبها التخمة، وأما المجنونة فقال الباجي: لا نص فيها ورآه كالمرض 7 ونحوه.
اللخمي قال: إن كان ذلك دائمًا منع، وإلا فلا 8. وقوله: (وهزال)
الجزء: 2 - الصفحة: 335
يريد: أنها لا تجزئ إذا كان هزالها بينًا، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "والعجفاء التي لا تنقي" أي: لا مخ في عظامها لشدة هزالها، وقال ابن حبيب: هي التي لا شحم فيها 9. وقوله: (وعرج) أي: بين، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "البين ظلعها"، واحترز بذلك من العرج 10 الخفيف الذي لا يمنعها أن تسير بسير الغنم فإنه لا يمنع الإجزاء، ورواه ابن حبيب عن مالك 11، وقوله: (وعور) أي: بين كما في الحديث، والعوراء هي التي ذهب بصر إحدى عينيها، فإن كان على عينها بياض على الناظر لا يمنعها النظر أو كان على غير الناظر لم يمنع الإجزاء، قاله مالك 12، وظاهر كلام أشهب أنه إن 13 نقص نظرها شيئًا لم يجز أن يضحى بها.
قوله: (وَفَائِتِ جُزْءٍ غيرِ خِصْيَيْهِ 14 وَصَمْعَاءَ جِدًّا) المراد بـ (فائت 15 جزء) ما خلق بغير يد أو رجل أو نحوهما أو خلق ناقص عضو أو قطع له عضو ينقص لحمه إلا نقص الخصية، فإذا نقص منه عضوٌ ما عدا الخصية فإنه لا يجزئ لنقصان اللحم، قال في الذخيرة: إلا على القول بقصر العيوب على الأربعة 16، والصمعاء هي الصغيرة الأذنين، إلا أنه إن كان صغرًا فاحشًا لا تجزئ معه، وقاله الباجي 17، ولهذا قال (جدًّا)، يريد: لأنهما إن لم يصغرا جدًّا فلا يمنعان الإجزاء، وقد حمل عليه قوله في المدونة: لا بأس بالسكاء وهي صغيرة الأذنين 18.
قوله: (وَذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ) يريد أنها لا تجزئ بما 19 كان متولدًا من إنسي ووحشي ولو
الجزء: 2 - الصفحة: 336
كان أبوه من الأنعام كما لو ضربت فحول الضأن في إناث الظباء أو فحول البقر الإنسية في إناث البقر الوحشية، وهذا مما لا خلاف فيه في المذهب، ومفهوم كلامه أن الأم لو كانت من النعم أجزأ ولو كان أبوه من الوحش، وحكى ابن بشير في ذلك قولين:
الإجزاء وهو اختيار ابن شعبان لأن أكثر الأحكام أن الولد تابع لأمه، وعدم الإجزاء 20؛ لأن مورد الشرع ما خلص من الأنعام وهذا لم يخلص.
قوله: (وَبَتْرَاءَ، وَبَكْمَاءَ، وَبَخْرَاءَ، وَيَابِسَةِ ضَرْعٍ) أي: وكذلك لا تجزئ الأضحية بشيء من هذه الأربعة، والبتراء: هي المخلوقة بغير ذَنَب، وإنما لا تجزئ لنقصان اللحم، ابن بشير: إلا على القول بقصر العيوب على الأربعة 21، والبكماء: قال في المبسوط: لا تجزئ 22، قال: وكذلك يتقى فيها نتن الفم 23، وهو مراده هنا بالبخر، وقال في الذخيرة: لنقصان الجمال 24 ولاستلزامه تغير اللحم أو بعضه 25، وأما يابسة الضرع فقال محمد: لا تجزئ، قال: وإن رضعت ببعضه 26 فلا بأس به 27.
قوله: (وَمَشْقُوقَةِ أُذُنٍ) يريد: ما لم يكن يسيرًا فإنه يجزئ بلا خلاف، وفي الرسالة: ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرًا 28 ونحوه في المدونة 29.
قوله: (وَمَكْسُورَةِ سِنٍّ، لِغَيْرِ إِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ) قال في الموازية 30: إن سقطت من إثغار أو هَرَم 31 فلا بأس به، وإن كان من غير ذلك فلا يضحي بها 32، وقال ابن حبيب:
الجزء: 2 - الصفحة: 337
إن 33 سقطت أسنانها من كبر أو كسر فلا تجزئ 34. وخرج 35 في البيان: إن سقطت لإثغار أجزأت بلا خلاف ولكسر لا تجزئ بلا خلاف 36.
قوله: (وَذَاهِبَةِ ثُلُثِ ذَنَبٍ، لا أُذُنٍ) يريد أن ذهاب ثلث الذنب فصاعدًا يمنع الإجزاء بخلاف ثلث الأذن فإنه لا يمنع.
الباجي: والصحيح أن ثلث الأذن يسير وأن النصف فصاعدًا كثير واختلف في الثلث 37 وثلث الذنب كثير؛ لأن الأذن طرف جلد لا يكاد يستضر به لكن ينقص الجمال كثيره، والذنب لحم وعصب 38، وقال ابن رشد: لا خلاف أن ما دون الثلث يسير وأن النصف فصاعدًا كثير، واختلف في الثلث قال: والأذن والذنب في ذلك سواء 39، ونص ابن حبيب على أن ثلث الأذن كثير 40، وحكى التونسي قولًا بيسارة ثلث الذنب 41.
قوله: (مِنْ ذَبْحِ الإِمَامِ لآخِرِ الثَّالِثِ) يريد أن وقت الذبح من حين يذبح الإمام في المصلى إلى آخر اليوم الثالث من يوم النحر وهو مما لا خلاف عندنا فيه، وقاله في المدونة 42، والرسالة 43، ودل كلامه على أن من ذبح قبل الإمام لا يجزئه ولو ذبح بعد صلاة الإمام وهو صحيح.
قوله: (وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ، أَوْ إِمَامُ الصَّلاةِ؟ قَوْلانِ) أشار التونسي إلى أنه العباسي أو نائبه 44 وأنه لا عبرة بالمتغلبين 45.
الجزء: 2 - الصفحة: 338
وقال البوني 46: هو الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد، وقال ابن رشد: هو الذي يصلي صلاة العيد بالناس إذا استخلف على ذلك 47. قوله: (وَلا يُرَاعَى قَدْرُهُ في غَيْرِ الأَوَّلِ) أي لا يراعى مقدار الوقت الذي يذبح فيه الإمام أضحيته في اليوم الثاني والثالث بخلاف الأول، ولو قال قدرها ليعود على الصلاة لكان أحسن؛ أي: ولا يراعى مقدار إيقاع الصلاة في غير الأول، وقاله ابن حبيب عن مالك 48. قوله: (وَأَعَادَ سَابِقُهُ) يريد أن من ذبح قبل صلاة الإمام أو بعد صلاته وقبل ذبحه أعاد، وقاله في المدونة 49. قوله: (إِلا المُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إِمَامٍ) يريد أن الحكم المذكور مخصوص بمن لهم إمام، فأما غيرهم فيتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحوا بعده كما قال في المدونة، ثم قال: فإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم 50 وهو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئ 51. قوله: (كَأَنْ لَمْ يُبَرِزْهَا وَتَوَانَى بِلا عُذْرٍ قَدْرَهُ) أي: وكذا يجزئه الذبح قبل إمامه إذا لم يبرز الإمام أضحيته وتوانى من غير عذر بعد وصوله إلى منزله بشرط أن يكون قد ذبح
الجزء: 2 - الصفحة: 339
في وقت لو أبرز الإمام أضحيته وذبحها كان ذبحه بعده، وإليه أشار بقوله: (قدره) أي: قدر الزمن (1) الذي يذبح فيه (2) الإمام أي: لو ذبح.
قوله: (وَبِهِ انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ) أي: فإن أخر بسبب عذر من جهاد عدو أو نحو ذلك انتظر ما لم يخرج وقت الصلاة بزوال الشمس، وقاله في البيان (3).
(المتن)
وَالنَّهَارُ شَرْطٌ.
وَنُدِبَ إِبْرَازُهَا، وَجَيِّدٌ، وَسَالِمٌ، وَغَيْرُ خَرْقَاءَ، وَشَرْقَاءَ، وَمُقَابَلَةٌ، وَمُدَابَرَةٌ، وَسَمِينٌ، وَذَكَرٌ، وَأَقْرَنُ، وَأَبْيَضُ، وَفَحْلٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ.
وَضَأْنٌ مُطْلَقًا، ثُمَّ مَعْزٌ، ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وَهُوَ الأَظْهَرُ أوْ إِبِلٌ؟ خِلافٌ.
وَتَرْكُ حَلْقٍ وَقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ، وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ، وَلِلْوَارِثِ إِنْفَاذُهَا، وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَإِعْطَاءٍ بِلا حَدٍّ، وَالْيَوْمُ الأَوَّلُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي تَرَدُّدٌ.