(صحة الإجارة بعاقد، وأجر كالبيع) أشار به إلى أن الإجارة لها أركان لا تصح بدونها، الأول: العاقد، والمراد به المستأجِر، والمؤجِّر 1، وشرطهما: التمييز، وقيل: إلا السكران، والتكليف شرط اللزوم، والإسلام شرط في المصحف 2 والمسلم، كما في البيع.
الركن الثاني: الأجرة.
وقوله: كالبيع راجع إلى العاقد وإلى الأجرة، أي: أنه يشترط في المستأجر والمؤجر ما يشترط في عاقدي البيع، من التمييز وغيره كما تقدم، وفي الأجرة ما في الثمن في البيع، من كونه طاهرًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، معلومًا ومثل ذلك يشترط في الإجارة عند الجمهور يعني أن يكون المستأجر معلوما قال في المدونة: ومن اكترى دارا 3 بإفريقية وهو بمصر جاز ذلك كالشراء 4، يعني لا بد من تقديم رؤية أو وصفها له وإلا لم يجز 5.
قوله: (وعجل إن عين) أي: وعجل الأجر إذا عين، أي: كما إذا أستأجر بثوب
الجزء: 4 - الصفحة: 550
معين؛ لئلا يؤدى إلى بيع معين يتأخر قبضه، ومثل ذلك أن تكون الأجرة طعامًا.
الشيخ: رطبًا كان أو يابسًا 6، وخصه ابن شاس 7 بالرطب 8. وكذا إذا اشترط تعجيلها، أو كانت العادة ذلك، أو كانت الإجارة مضمونة، وإليه أشار بقوله: (أو بشرط، أو عادة، أو في مضمونة) وقيده في الموازية في المضمونة بأن لا يشرع فيها.
وأما إذا شرع 9 في الركوب، فإن التأخير يجوز، وقاله عبد الوهاب 10، وإلى هذا أشار بقوله: (لم يشرع 11 فيها).
واختلف قول مالك في الكراء المضمون إلى الحج ونحوه للضرورة، فعنه في الموازية: لا يجوز تأخير النقد ولو كان في غير إبان الحج، ولكن يعجل الدينارين ونحوهما، وكان يقول: لا 12 ينبغي إلا أن ينقد مثل ثلثي الكراء، ثم رجع فقال: قد اقتطع الأكرياء 13 أموال الناس، فلا بأس أن يؤخروهم 14 بالنقد، ويعربنوهم الدينار وشبهه 15، وإليه أشار بقوله: (إلا كراء 16 حج فاليسير) أي: فيعجل فيه اليسير.
قوله: (وإلا فمياومة) أي: وإن لم يكن ثَم شرط ولا عادة، والأجر غير معين، فلا يجب تعجيل شيء من الأجرة إلا بالتمكين من استيفاء ما يقابله من المنفعة، فكلما استوفى منفعة يوم استحق أجرته، وقاله 17 ابن القصار 18.
الجزء: 4 - الصفحة: 551
قوله: (وفسدت إن انتفى عرف تعجيل المعين) يعني: وفسدت الإجارة إذا كان الأجر معينًا، وفقد عند المتعاقدين عرف تعجيله، وكلامه يشمل صورتين: وهو ما إذا كان العرف التأخير، أو لم يكن عرف بل كانا يتعاوضان بالوجهين معًا؛ لصدق 19 انتفاء عرف التعجيل مع ذلك، ومذهب ابن القاسم في الصورتين الفساد، إلا أن يشترط النقد.
وقال ابن الماجشون، وابن حبيب: لا أثر للعرف الفاسد، ويصح معه العقد 20.
قوله: (كمع جعل) أي: وكذلك تفسد الإجارة إذا وقعت مع جعل صفقة واحدة، وهو المشهور؛ لما بينهما من التنافر، إذ يجوز في الجعل الغرر، ولا يلزم بالعقد، ولا يجوز فيه الأجل، وليس كذلك الإجارة.
قوله: (لا بيع) أي: لا مع بيع، أي: فإنها لا تفسد، كما إذا باعه جلودًا على أن يخرزها 21 له نعالًا، ومنع ذلك سحنون 22.
قوله: (وكجلدٍ لسلاخ) أي: وهكذا تفسد الإجارة إذا استأجر السلاخ بجلد الشاة أو الناقة؛ لأنه لا يستحقه إلا بعد الفراغ، وهو قد يخرج صحيحًا، أو مقطعًا.
قوله: (ونخالة لطحان) أي: وكذا تفسد الإجارة إذا جعل أجرة الطحن النخالة؛ إذ هو مجهول القدر.
قوله: (وجزء ثوب لنساج، أو رضيع وإن من الآن) أي: وهكذا تفسد الإجارة إذا وقعت على أن ينسج الثوب بجزء منه، أو ترضع له الصبي المملوك بجزء منه، ولو ملكها ذلك الجزء من الآن، وقد نص في المدونة على منع المسألة الأولى للغرر؛ إذ لا يدرى كيف يخرج.
وأما مسألة الرضيع، وهو أن يكون لك مملوك رضيع، فتدفعه لمن ترضعه، على أن يكون لها نصفه أو ثلثه أو نحو ذلك، فإنه لا يجوز، ولو كان على أن تقبضا .. الآن.
قوله: (وبما سقط أو خرج من نفض زيتون، أو عصره) أي: وكذلك يمتنع أن يستأجره بجزء مما يسقط من نفض زيتون، أو بجزء مما يخرج من عصيره، فلا يصح أن
الجزء: 4 - الصفحة: 552
يقول له: انقض 23 زيتونى فما سقط فلك نصفه، أو أعصره فما خرج فلك نصفه، أو غير ذلك من الأجزاء؛ للجهل بمقدار العوض في الأولى، وبكيفيته في الثانية.
قوله: (كاحصد وادرس ولك نصفه) أي: وهكذا تفسد الإجارة إذا قال له: احصد هذا الزرع وادرسه ولك نصفه، وقاله في المدونة، وزاد فيها: لأنه استأجره بنصف الحب، وهو لا يدرى كم يخرج، ولا كيف يخرج 24؟ .
قوله: (وكراء أرض بطعام، أو بما تنبته إلا كخشب) هذا هو المشهور: وقال 25: (بطعام)، أي: كان مما تنبته، أم لا، وقوله: (أو بما تنبته)، أي: من غير الطعام، كالقطن والكتان والعصفر والزيتون 26 والزعفران، وأما الخشب ونحوه من العود الهندي والحطب وما أشبهه 27، فيجوز 28؛ لأن ذلك مما يطول مكثه ووقته، وقاله سحنون 29، وأجاز في الموازية كراؤها بالخضر، وقيل: تجوز بالماء، وروى يحيى بن يحيى وبه قال، وهو قول 30 ابن مزين، وابن كنانة: لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت، وتكرى بما سواه، أي: ولو طعاما.
وقال ابن نافع: تكرى بكل شيء إذا أيزرع فيها، إلا الحنطة والشعير والسلت، وقال الأصيلي وغيره: تكرى بكل شيء 31، وعن ابن الماجشون 32: يجوز أن تكرى بالقطن والزعفران في أرض لا تنبتها 33.
قوله: (وحمل طعام لبلد بنصفه، إلا أن يكون يقبضه الآن) أي: ومما لا 34 يجوز أن
الجزء: 4 - الصفحة: 553
يستأجره على حمل طعام إلى بلد كذا بنصفه، إلا أن يدفع له نصفه الآن، وقاله في المدونة 35.
قوله: (وكإن خطه 36 اليوم بكذا، وإلا فبكذا) أي: وكذا تفسد الإجارة إذا دفع له ثوبا على أنه إن خاطه اليوم -مثلا- فله درهم، وإلا فله نصف درهم، قال في المدونة: ولا يجوز ذلك عند مالك 37.
قوله: (واعمل على دابتي، فما حصل فلك نصفه) أي: ومما يفسد الإجارة أيضا، قوله: اعمل على دابتي هذه، قما حصل من شيء فلك نصفه؛ لعدم العلم بقدر العوض، وقاله في المدونة 38.
قوله: (وهو للعامل، وعليه أجرتها) أي: وما حصل من أجرتها، أو ما احتطب عليها فهو للعامل، وعليه لصاحبها أجرة مثلها وقيل: ما حصل فهو لربها، وعليه للعامل أجرة مثله.
قوله: (عكس لتكريها) يريد: أن هذا الفرع عكس الذي فوقه 39؛ أي: فيما يحصل، وأما في الفساد فهما سواء، فإذا دفع إليه دابة على أن يكريها وله نصف الكراء، لم يجز، إلا أنه ها هنا يكون ما حصل من ذلك لرب الدابة، وعليه للعامل أجرة مثله، وفي الأول ذلك للعامل، وعليه لصاحب الدابة أجرة مثلها، وكذلك ما قال في المدونة، قال فيها 40: وكأنه اكترى كراء فاسدا، والأول آجر 41 نفسه إجارة فاسدة، فافترقا 42.
قوله: (وكبيعه نصفا بأن يبيع نصفا 43 أي: وهكذا تفسد الإجارة إذا باعه نصف سلعة على أن يبيع له نصفها الآخر، أي: يجعل ثمن النصف الأول جعالة في بيع
الجزء: 4 - الصفحة: 554
النصف الثاني (1)، وهذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة (2). وقوله: (إلا بالبلد إن أجلا)، يريد: أن الفساد مشروط بما إذا لم يكن البيع مؤجلا بالبلد، فإن كان بالبلد وأجل جاز، قال في المدونة: ما خلا الطعام، فإنه لا يجوز (3). قال سحنون: لأنه قبض أجرته، وهي طعام لا يعرف بعينه، وقد يبيع في نصف الأجل فيرد حصة ذلك، فتصير إجارة وسلفا، ابن يونس: يريد وكذلك كل ما لا يعرف بعينه، وإليه أشار بقوله: (ولم يكن الثمن مثليا) أي: فإن كان كذلك لم يجز، وأجاز ذلك في كتاب محمد، وقيل: إن ذلك لا يجوز، سواء كان البيع بالبلد أم لا، مؤجلا، أم لا (4)، وقيل: يجوز مطلقا، وفيها: قول عكس المشهور، وفي مختصر ما ليس في المختصر: إن ضربا أجلا فمكروه، وإن لم يضربا فلا بأس به (5).
(المتن)
وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يَحْتَطِبُ عَلَيْهَا، وَصَاعِ دَقِيقٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَيْتٍ لَمْ يَخْتَلِفْ، وَاسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنْهُ، وَتَعْلِيمُهُ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ أَخْذِهِ، وَاحْصُدْ هَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ، وَمَا حَصَدْتَ فَلَكَ نِصْفُهُ، وإجارة دَابَّةٍ لِكَذَا عَلَى إِنِ اسْتَغْنَى فِيهَا حَاسَبَ، وَاسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ، أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهُ، وَالنَّقْدُ فِيهِ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا، وَعَدَمُ التَّسْمِيَةِ لِكُلِّ سَنَةٍ، وَكِرَاءُ أَرْضٍ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا مُدَّةً، وَالنُّقْضُ لِرَبِّهِ إِذَا انْقَضَتْ، وَعَلَى طَرْحِ مَيْتَةٍ، وَالْقِصَاصِ، وَالأَدَبِ، وَعَبْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا ويوْمٍ، أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا، وَهَلْ تَفْسُدُ إِنْ جَمَعَهُمَا وَتَسَاوَيَا؟ أَوْ مُطْلَقًا؟ خِلَافٌ.