قوله: (ورَابِعٌ فَنِصْفُهَا) أي: فإن رجع أيضًا رابع فإنه يغرم 1 مع الثلاثة الذين رجعوا قبله 2 نصف الدية، تكون عليهم بالسوية، فإن رجع خامس حد أيضًا، ولزمه هو وكل من رجع قبله ثلاثة أرباع الدية، وإن رجع سادس فالدية تكون عليهم أسداسًا، وحدوا كلهم.
قوله: (وإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْء عَيْنهِ، وخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَةٍ، ورَابعٌ بَعْدَ 3 مَوْتهِ فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ كَالأَوَّلِ، وعَلَى الثَّالِثِ رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ) يريد: أن شهود الزنى إذا كانوا ستة، والزاني محصن، فأمر القاضي برجمه، ففقئت عينه في أثناء الرجم، فرجع أحدهم، ثم شج موضحة، فرجع ثان، ثم مات، فرجع ثالث؛ فإن الثاني يغرم خمس الموضحة مع سدس الدية الواجبة في العين.
قوله: (كَالأَوَّلِ) أي: فإن عليه سدس دية العين فقط؛ لأنها فقئت بشهادة ستة هو أحدهم، وكذلك على الأول سدسها، وليس عليه من الموضحة شيء؛ لأنه رجع قبل حصولها، وإنما كان على الثاني خمس الموضحة لأنها حصلت بشهادة خمسة هو أحدهم، فكان عليه خمسها، وكان على الثالث ربع الدية فقط؛ لأن النفس ذهبت بشهادة أربعة هو أحدهم، فكان عليه ربعها 4، ولا شيء عليه في عين ولا في موضحة؛ لاندراجهما تحت النفس، وإليه أشار بقوله: (وعلى الثالث ربع دية النفس فقط 5). ابن المواز:
الجزء: 5 - الصفحة: 178
وهو الأصح.
وقيل: عليه أيضًا سدس دية العين وخمس الموضحة، ولو لم يرجع هذا الثالث لم يكن على من تقدمه شيء برجوعهم؛ لبقاء أربعة يشهدون بالزنى 6.
قوله: (ومُكِّنَ مُدَّعٍ رُجُوعًا مِنْ بَيِّنةِ كَيَمِينٍ إِنْ أَتَى بِلَطْخٍ) يريد: أن المشهود عليه إذا ادعى أن الشاهدين رجعا عن شهادتهما، وطلب إقامة البينة على ذلك، فإنه يمكن، فإن أقر له بذلك غرما ما أتلفا بشهادتهما 7، وكذلك يمكن من طلب يمينهما 8 أنهما لم يرجعا، وقاله ابن القاسم، وعبد الملك، وابن المواز، وسحنون؛ بشرط: أن يأتي بلطخ -كما قال هنا-، وأما إن لم يأت بلطخ فلا، قال 9: فإذا توجهت عليهما اليمين فحلفا فلا غرامة عليهما؛ وإلا حلف المدعي، وأغرمهما ما أتلفا عليه بشهادتهما، وإن نكل فلا شيء له عليهما.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا تسمع هذه الدعوى من غير بينة؛ إذ لو كانت كسائر الدعاوى لما احتيج فيها إلى لطخ 10.
قوله: (ولا يُقبَلُ رُجُوعُهُما عَنِ الرُّجُوع) أي: إذا شهد بشيء، ثم رجعا عنه، ثم رجعا عن رجوعهما وقالا: إن الشهادة الأولى صحيحة.
لم يقبل منهما ذلك، وقُضِي عليهما بما يقضى به على الراجع المتمادي على رجوعه، وهو قول ابن القاسم، وابن عبد الحكم، وابن الماجشون، وأصبغ 11.
قوله: (وإن عَلِمَ الحاكم بِكذِبِهِمْ، وحَكَمَ فَالْقِصَاصُ) هذا ظاهر في كون القاضي يقتص منه؛ لأنه علم بكذب الشهود، وحكم بتعمد الجور 12، وقاله في المدونة في كتاب الرجم 13، وفي الجواهر ما ظاهره خلاف لذلك، فإنه قال: ولو علم القاضي بكذب الشهود، وحكم وأراق الدم؛ لكان حكمه حكمهم؛ إذ لم يباشر القتل بنفسه؛ بل أمر به
الجزء: 5 - الصفحة: 179
غيره ممن تلزمه 14 طاعته 15. قوله: (وإن رَجَعَا عَنْ طَلاقٍ فَلا غُرْمَ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إِنْ دَخَلَ، وإِلا فَنِصْفُهُ) يريد: أن الشاهدين إذا رجعا عن الشهادة بالطلاق بعد القضاء فلا غرم 16 عليهما إن كان الزوج قد دخل بها؛ لأن الصداق قد وجب بأول وطئه، فلم يفوتا عليه شيئًا غير الاستمتاع، وهو لا قيمة له، كما إذا شهدا على مستحق القصاص أنه عفا عن القاتل، ثم رجعا فإنهما لا يغرمان شيئا؛ لأنهما إنما فوتا عليه استحقاق دم، ولا قيمة له، ونحوه لسحنون 17، وزاد: ويجلد القاتل مائة، ويحبس سنة، ويؤدب الشاهدان، وقال ابن عبد الحكم 18: لا غرم عليهما بحال 19. وقال ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق 20. أشهب: إذا شهدا عليه بالطلاق قبل البناء فلا غرم عليهما 21 بحال 22. قوله: (كَرُجُوعِهِما عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ) يريد: أنهما إذا شهدا على رجل أنه دخل بزوجته 23 مع إقراره بالطلاق، وإنكاره الدخول، ثم رجعا عن شهادتهما؛ فإنهما
الجزء: 5 - الصفحة: 180
يغرمان نصف الصداق، لأنهما قد أتلفاه بشهادتهما (1)، وقاله ابن القاسم (2)، وإن رجع أحدهما فربعه (3).
(المتن)
وَاخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ عَنِ الطَّلاقِ، وَرَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إِنْ أَنْكَرَ الصداق، وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إِرْثٍ، دُونَ مَا غَرِمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ إِرْثٍ وَصَدَاقٍ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِزَوْجِيَّتِهَا وَلَوْ كَانَ بِخُلْعٍ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ، أَوْ بآبِقٍ فَالْقِيمَةُ حِينئِذٍ كَالإتْلافِ بِلا تَأْخِيرٍ لِلْحُصُولِ فَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ حِينئِذٍ عَلَى الأحْسَنِ.