قوله: (ومَنْ حَرُمَ لِعَارِضٍ كَحَائِضٍ) أي: وكذا لا يحد من وطئ امرأة هي حلال له في الأصل؛ كزوجته أو أمته، إلَّا أنه منع منها لعارض كحيض أو نفاس أو صيام أو إحرام أو نحو ذلك، ولكن يؤدب.
قوله: (أَوْ مُشْتَرِكَةٍ) أي: وكذلك لا حد على من وطئ أمة مشتركة بينه وبين غيره للشبهة، ويؤدب لأنه تعدى على شريكه.
قوله: (أَوْ مُعْتَدَّةٍ) يريد: أن من له أمة متزوجة للغير، ثم طلقها زوجها، وأخذت في العدة، ثم وطئها السيد في أثناء العدة؛ فإنه لا حد عليه؛ ولكن عليه الأدب 1.
قوله: (أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَا تَعْتِقُ) أي: وكذا لا يحد إذا وطئ مملوكته التي لا تعتق عليه، إلَّا أنَّها محرمة عليه نسبًا كعمته وخالته، ويؤدب.
قوله: (أَوْ بِنْاتٍ عَلَى أُمٍّ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ عَلَى أُخْتِهَا، وهَلْ إِلَّا أُخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ؟ تَأْوِيلانِ) أي: وكذا لا يحد إذا نكح الابنة على أمها ووطئها قبل الدخول على الأم؛ ولكن يؤدب، وهذا الخلاف ما إذا وطئ البنت بعد دخوله بالأم؛ فإنه يحد، وكذا إذا تزوج امرأة على أختها، يريد: أو عمتها أو خالتها ووطئها، واختلف هل الأخت مطلقًا من الرضاع والنسب، وإليه ذهب التونسي ومثله عن أصبغ 2، والأخت من الرضاع، وأما الأخت من النسب فيحد إذا وطئها لتحريمها بالكتاب، وإليه ذهب بعض الشيوخ، وهما تأويلان على المدونة 3، وإليه أشار بقوله: (وهَلْ إِلَّا أخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ؟ تَأوِيلانِ 4).
قوله: (وكَأَمَةٍ مُحَلَّلَةِ، وقُوِّمَتْ عليه) أي: وكذا إلا يحد من وطئ أمة حللها له سيدها؛ لأن له فيها شبهة ملك بالتحليل، وسواء كان عالمًا بالتحريم 5 أو جاهلًا؛
الجزء: 5 - الصفحة: 337
لقول من أجاز ذلك وهو عطاء، وقال الأبهري: يحد العالم 6؛ لأنه زان، وإنما قومت عليه لتكمل له الشبهة، ويقدر أنه إنما وطئ ملكه، ويلزمه قيمتها وإن 7 لَمْ تحمل، وليس لربها التمسك بها بعد الوطء، وقاله في المدونة 8؛ ولهذا قال: (وَإِنْ أَبَيَا).
قوله: (أَوْ مُكْرَهَةٍ) لا خلاف أن المكرهة لا تحد؛ لنفي التعمد عنها.
قوله: (أَوْ مَبِيعَةٍ بِغَلاءٍ) أي: وكذا لا تحد المرأة الحرة 9 إذا أقرت أنَّها ملك العزيز فباعها لأجل غلاء حصل لهما، ولو 10 وطئها مشتريها؛ لأنَّها معذورة لشدة الجوع والحرج 11، ورواه ابن القاسم عن مالك، وأخذ به، وقال أصبغ: لا تعذر بها وتحد 12.
قوله: (عَلَى الأَظْهَرُ كَأنِ ادَّعَى شِرَاءَ أَمَةٍ، وَنَكَلَ الْبَائِعُ، وَحَلَفَ الْوَاطِئُ) يعني: أن من وطئ أمة، وادعى أنه اشتراها، وأنكر سيدها البيع، وتوجهت اليمين 13 على الواطيّ، فحلف، أنه لا حد عليه؛ لأنه تبين أنه وطئها وهي على ملكه، وهو قول ابن القاسم في المدونة 14، واختاره ابن رشد كما أشار إليه، وقال أشهب: إن كانت بيده فلا حد، ولحقه الولد وإلا حد، ولم يلحقه الولد، ويحلف سيدها ويأخذها في الوجهين 15، وقيمة الولد في الأول والولد في الثاني تمامه فإن نكل عن اليمين حلف الواطيء وكانت له أم ولد بإقراره، وأما الولد فلا يلحق به؛ لأنه حد في وطء جاء منه هذا الولد وليس له أن يسترق الولد ولا يسترق أمه فيبيعهم لإقراره أنهم ولده وأنهم أحرار.
قال وجدتهما بظاهر الحكم ولم يسقط عنه الحر لنكول السيد عن اليمين؛ لأنه له صدقه لَمْ يزل عنهما الحر لكن تصير له الأمة وولدها بالنكول انتهى 16.
الجزء: 5 - الصفحة: 338
قوله: (وَالْمَخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ، وَالأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ) اختلف فيمن أكره على الزني، فالذي عليه المحققون سقوط الحد عنه، وهو اختيار اللخمي 17، وابن رشد 18، وابن العربي 19، وذكر عياض أن امصر أهل المذهب على خلاف 20 هذا 21، كما قال هنا.
وقال ابن القصار 22: إن انتشر حد؛ وإلا فلا 23.
قوله: (وثبُتَ بِإِقْرَارٍ مَرَّةً) يريد: أن الزنى يثبت بالإقرار مرّة واحدة، ولا يحتاج عندنا إلى أربع مرات، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، لحديث ماعز بن مالك، والجواب عنه مذكور في الكبير.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَرْجعَ مُطْلَقًا) أي: إلَّا أن يرجع عن إقرا ره، فإنه يقبل ولا يحد، وسواء رجع إلى ما يعذر به، أو لكذب نفسه من غير أن يبدي عذرًا، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب، وابن عبد الحكم 24، وإليه أشار بالإطلاق، وقال أشهب: لا يعذر بتكذيب نفسه؛ بل بأمر يعذر به، وروي هذا عن مالك، وبه أخذ عبد الملك 25.
قوله: (أَوْ يَهْربَ، وَإِنْ فِي الحْدِّ) أي: وكذا لا يقام عليه الحد، ويكف عنه إذا هرب في أثناء الحد، وقد هرب ماعز لما رجم فاتبعوه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه"، وهذا قول جماعة العلماء، وهو قول ابن القاسم 26، ولا فرق عليه بين أن يقوم عليه أكثر الحد أو أقله، وروي عن مالك أنه إن أقيم عليه أكثر الحد كمل عليه؛ لأن رجوعه يعد ندمًا) 27.
الجزء: 5 - الصفحة: 339
قوله: (وبِالْبَيِّنةِ) أي: وكذا يثبت الزنى بالبينة، وقد تقدم أن شرطها أربعة عدول يشهدون أنهم رأوا فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة في وقت واحد وصفة واحدة.
قوله: (ولا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أربع نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا) يريد: أن العدول إذا شهدوا على امرأة بالزنى فقالت: أنَّها (1) بكر.
ينظر إليها أربع نسوة، وصدقنها على ذلك فلا يسقط الحد عنها، وهي مذهب المدونة، ورأى (2) اللخمي سقوطه للشبهة، والإمكان صدقها؛ بأن ينظر إليها من النساء ما يقع بقولهن العلم.
قوله: (أَوْ بِحَمْلٍ فِي غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ، وذَاتِ سيِّد مُقِرٍّ بِهِ) أي: وكذا يثبت الزنى بالحمل، وهو أظهر من الوجهين الذين قبله، ولا يكون موجبًا لإقامة الحد إلَّا بشرط: ألا يعرف للمشهود عليها زوج، وأما ذات زوج فلا، وكذا الأمة ذات السيد لا تحد لظهور الحمل إلَّا إذا أنكر سيدها الوطء، وليس لها زوج، وأما لو كان السيد (3) مقرًا بالوطء، أو كان لها زوج فلا تحد، ورأى اللخمي: لا تحد، ولو أنكر السيد الوطء إذا ادعته للشبهة.
قوله: (وَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ بِلَا قَرِينَةٍ) أي: فإن ادعت المرأة التي ظهر حملها أنَّها غصبت فإنها تحد، ولا يقبل دعواها إلَّا بقرينة تدل على صدقها، كما لو جاءت تدمي، أو مستغيثة عند النازلة، وهذا هو المشهور، ورأى (4) اللخمي قبول قولها؛ وإن لَمْ تقم قرينة على صدقها؛ لاحتمال أن تكون غصبت وكتمت ذلك رجاء ألا يكون حمل، وشرط في ذلك: كون المرأة معروفة بالخير، لَمْ يطعن (5) فيها بشيء (6).
(المتن)
يُرْجَمُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ، إِنْ أَصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ صَحَّ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ بداية الْبَيِّنَةِ، ثُمَّ الإِمَامُ، كَلَائِطٍ مُطْلَقًا وَإِنْ عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ.
وَجُلِدَ الْبِكْرُ الْحُرُّ مِائَةً، وَتَشَطَّرَ للرِّقٍّ وَإِنْ قَلَّ، وَتَحَصَّنَ كُلٌّ دُونَ صَاحِبِهِ بِالعِتْقِ282930313233
الجزء: 5 - الصفحة: 340
وَالْوَطْءِ بَعْدَهُ.
وَغُرِّبَ الْحُرُّ الذَّكَرُ فَقَطْ عَامًا، وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَفَدَكٍ، وَخَيْبَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَيُسْجَنُ سَنَةً.
وَإِنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِيَةً.
وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ، وَبِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَأَقَامَهُ الْحَاكِمُ وَالسَّيِّدُ؛ إِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ.