قوله (وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍ أَوْ خَاصٍ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ) يعني، أنه يجوز أن ينصب في البلد الواحد قاضيان فأكثر، كل مستقل، أو مختص بناحية من البلد، أو بنوع من الأنواع.
قوله (وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) أي أن الطالب إذا اختار التحاكم عند قاض أجيب إلى ذلك123
الجزء: 5 - الصفحة: 59
وإن خالفه المطلوب؛ لأن الحق له.
المازري: وإن اتفق الخصمان 4 كل واحد 5 منهما طالب ومطلوب، وطلب كل منهما التحاكم عند قاض غير الذي أراده الآخر، فإن 6 لكل منهما أن يطلب صاحبه عند من شاء 7، وحكي عن بعضهم: أنه لا يراعى الطالب وإنما يراعى أقربهما مكانًا، فإن استوى المكانان، أو كان كل منهما طالبًا، فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولًا، فإن استووا أقرع بينهما إن اتفقا على القرعة، وإلا فلا بد من حاكم يقرع بينهما جبرًا 8، وإلى هذا أشار بقوله: (ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ 9 وَإلَّا أُقْرِعَ) قوله: (كالإدعاء) أي كاختلافهما في موجب الإبتداء؛ وهو أن يقول كل واحد منهما للآخر: أنا هو المدعي، وأنت المدعي عليه؛ فإن تبدئة المدعي هو الواجب إن قامت له بينة، أو ما يصدقه وإلا أقرع بينهما 10.
قوله: (وَتَحْكِيمُ غَيْرِ خَصْمٍ، وَجَاهِلٍ، وكَافِرٍ، وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ فِي مَالٍ وَجَرْحٍ) أي: وكذا يجوز تحكيم غير الخصم ومن معه؛ بأن يتفق الخصمان على من يحكم 11 بينهما في واقعة، وليس مُولًّى 12 من جهة الإمام ولا غيره، ونص عليه المازري فيه 13 وغيره 14، فلو حكَّم أحدهما خصمه لم يمض، وقيل: يمضي.
وقيل: إن كان المُحَكم غير القاضي لم يمض وإلا مضى 15. وأشار اللخمي والمازري إلى بطلان حكم الجاهل بلا خلاف؛
الجزء: 5 - الصفحة: 60
لأن ذلك غرر ومخاطرة 16. وكذلك لا يمضي حكم الكافر، وغير المميز باتفاق، حكاه ابن رشد 17 في الكافر، والمجنون 18، والموسوس وهما المراد بغير المميز 19، وسيأتي الكلام على الصبي 20، والتحكيم إنما يجوز في المال والجرح.
قوله (لَا حَدٍّ وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ، وَوَلَاءٍ وَنَسَبٍ، وَطَلَاقِ، وَعِتْقٍ) أي: فإن التحكيم في ذلك لا يجوز، وقد نص عليه الأشياخ 21.
قوله (وَمَضَي إِنْ حَكَمَ صَوابًا، وَأُدِّبَ) أي: فإن حكم فيما ذكرنا بأن 22 قتل، أو حد أو اقتص 23 ثم رفع إلى الإمام، فإنه يؤدبه، ويزجره عن العودة إلى مثل ذلك ويمضي من ذلك ما كان صوابًا، ونص عليه كله أصبغ 24.
قوله (وَفِي صَبِيٍّ، وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَفَاسِقٍ ثَالِثُهَا إِلَّا الصَّبِيَّ، وَرَابِعُها وَالفَاسِقٍ) أي 25: وفي صحة حكم صبي وعبد إلى آخره، وذكر في ذلك أربعة أقوال، وحكاها اللخمي، والمازري، الأول لأصبغ: الصحة، الثاني: لمطرف عدمها، الثالث لأشهب: يصح إلا في الصبي لأنه غير مكلف، ونسب لأصبغ مثله، وإلى هذه الأقوال أشار بقوله: (ثالثها إلا الصبي)، والرابع لعبد الملك يصح إلا في الصبي والفاسق 26. = الحكم والخصمان كلهم من أهل مذهب مالك إن خرجا عن قوله وقول أصحابه وإن لم يخرج لزم).
وانظر: التوضيح: 7/ 401.
الجزء: 5 - الصفحة: 61
قوله: (وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) أي: وكذا يجوز له ضرب الخصم إذا لدَّ، أي امتنع من دفع ما عليه، وقاله في المدونة 27، وكان سحنون يضربه، وربما سجنه، وقال ابن المواز: يعاقبه بالسوط والسجن 28.
قوله: (وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ) أي: وكذا يجوز عزل القاضي لمصلحة، مثل أن يري الخليفة، أو الأمير غيره أقوى 29 منه، أو أصلح منه 30، أو أراد نقله إلى بلد آخر أو إلى 31 خطة أخرى.
قوله: (وَلَمْ يَنْبَغِ إِنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدْ شِكِيَّةٍ) أي: ولم ينبغ العزل للخليفة، أو الأمير بمجرد الشكية إن شهر القاضي بالعدالة، والرضا، وقال 32 مطرف: وإن وجد منه بدلًا؛ لأن في ذلك فسادا للناس 33 في قضاتهم 34. قال: وإن لم يكن مشهورًا بالعدالة والرضا، فليعزله إن وجد منه بدلًا، وتضافرت 35 الشكية عليه، فإن لم يجد منه بدلًا كشف عليه 36، فإن كان على ما يجب إبقاؤه 37 أبقاه، وإن كان على غير ذلك عزله.
وقال أصبغ: يجوز عزله بمجرد الشكية، ولو كان مشهورًا بالعدالة 38. ومنهم من يجعل الخلاف إنما هو 39 فيمن لم تتحقق 40 عدالته، وإلا فلا خلاف في عدم عزله بمجرد الشكوى، والأول أصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 62
قوله (وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) أي: فإن عزله عن غير سخط، فليبرئه ويبين ذلك للناس، وإن كان 41 عزله عن سخط فليظهر أمره للناس وجرحته، لئلا يولى عليهم بعد ذلك.
قوله: (وَخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ، لَا حَدٍّ) أي: وجاز خفيف تعزيز 42 في مسجد، بخلاف الحد فإنه لا يقام فيه؛ لأن فيه امتهانًا 43 للمسجد لأنه قد ينشأ عنه خروج دم، أو شيء ينجس المسجد، وأما التعزيز 44 الخفيف فلا.
قوله (وَجَلَسَ بِهِ) أي: وجلس القاضي للحكم في المسجد.
اللخمي: اختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال، ففي المدونة: القضاء في المسجد من الحق، والأمر القديم 45. وفي الواضحة: كان من مضي من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجًا إما عند 46 موضع الجنائز، وإما عند رحبة دار مروان.
قال 47 مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق على الناس ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض، والضعيف، وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله، وحيث أحب 48. والأقرب في هذا الزمان الكراهة؛ لكثرة التساهل، ورفع الأصوات في المسجد.
قوله (بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍ، وَخُرُوِجهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوهِ) هذا متعلق بقوله: (وجلس به) يعني: أن القاضي إذا جلس للحكم بين الناس فليكن في غير هذه الأوقات؛ لأن جلوسه فيها مضر.
قال محمد 49 بن عبد الحكم: لا ينبغي له أن يجلس أيام النحر، ولا
الجزء: 5 - الصفحة: 63
يوم الفطر، ولا ما قاربه مما يضر بالناس في حوائجهم مما لا بد لهم منه مثل يوم التروية، ويوم عرفة، وما أشبه ذلك مما جرى عليه أمر (1) الناس (2)، وكذلك المطر، والوحل، واليوم الذي يخرج فيه عامة الناس إلى الحج؛ لكثرة من يخرج، وكذلك يوم يقدم الحاج من الحج (3) إن كان الناس يجتمعون فيه من البلد، كما يجتمعون فيه بمصر.
انظر الكبير (4).
قوله: (وَاتِّخَاذُ حَاجِبٍ، وَبَوَّابٍ) هو معطوف على الجائز، والمعني أنه يجوز له أن يتخذ على بابه (5) حاجبًا، وبوابًا (6)، نقله ابن شاس (7) وغيره.
(المتن)
وَبُدِئَ بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ، ثُمَّ ضَالٍّ.
وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ، وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ فِي الْخُصُومِ.
وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شَرْطًا كَمُزَكٍّ، وَاخْتَارَهُمَا، وَالْمُتَرْجِمُ مُخْبِرٌ، كَالْمُحَلِّفِ، وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ شَاوَرَهُمْ.
وَشُهُودًا، وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ، وَإِبْضَاعٍ، وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ، إِلَّا النِّكَاحَ.
وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا، إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ وَفِي هَدِيَّةِ مَنِ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ، أَوْ مُتّكِئًا، وَإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ، وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ.
وَلَا يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنِ الْفِكْرِ، وَمَضَى.