قوله: (واسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضةَ) يريد: أن المرأة إذا ارتدت وكانت متزوجة لَمْ تقتل حتى12345
الجزء: 5 - الصفحة: 317
تستبرأ بحيضة لحق الزوج؛ خشية أن تكون حاملًا، ونص عليه في الموازية 6.
قوله: (ومَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ) يريد: لأنه لا يأخذه بالميراث؛ وإنما يأخذه بالملك، وهو بالردة لا يزول عنه ملكه 7.
قوله: (وَإِلَّا فَفَيْءٌ) أي: فإن لَمْ يكن المرتد عبدًا حالة 8 فيء المسلمين 9، ولا خلاف فيه عندنا.
قوله: (وبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا كَانْ تُرِكَ) قال في الجواهر 10: وإذا قتل الرجل على الكفر بقي ولده الصغير مسلما، فإن أظهر غير 11 الإسلام أجبر على الإسلام، فإن غفل عنه حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام خلاف إذا ولد قبل الردة، وإن ولد بعدها أجبر 12 وإن بلغ، وقيل: إذا بلغ ترك، ولا يكون كمن ارتد 13.
فقوله: (كَأَنْ تُرِكَ) أي: غفل عنه حتى بلغ على ذلك، أي: على اتباع أبيه 14 وفي البيان عن ابن القاسم: أنه لا يجبر بالقتل مطلقًا، ولو ولد 15 قبل الردة أو بعدها، وعن ابن كنانة أن الذي ولد بعدها إن لَمْ يرجع قتل 16.
قوله: (وأُخِذَ مِنْهُ مَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) يريد: أن المرتد 17 إذا جنى عمدًا على عبدٍ أو ذميٍّ فإن ذلك يؤخذ من ماله، وقاله ابن القاسم وأصبغ 18، وبه أخذ محمد
الجزء: 5 - الصفحة: 318
ابن رشد، وعلى قياس قول سحنون: أن الذي يرى أنه بنفس الارتداد يكون محجورًا عليه في ماله، لا يكون ذلك في ماله، وقاله الفضل 19.
قوله: (لا حُرٍّ مُسْلِمٍ) أي: فإن كانت جنايته عمدًا على حرٍّ مسلمٍ فلا شيء عليه، إذ الواجب عليه القود، وهو يسقط بقتله، وقاله ابن القاسم، وقال أشهب: لهم إن عفوا أخذ الدية 20.
قوله: (كَأَنْ هَرَبَ لبلاد الْحَرْبِ) أي: فإن ذلك يسقط عنه لتعذر قتله.
قوله: (إِلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) أي: إلا حد القذف، قاله في المدونة 21، وإنما لَمْ يسقط عنه ذلك لقتله لما يلحق المقذوف من المعرة.
قوله: (والْخَطَأُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) أي: وإن كانت الجناية 22 خطأً فالدية عليه من بيت المال؛ لأنه يرثه، وكذلك يعقل عنه، وقيل: إن ذلك على عاقلة المرتد، قيل: (في ماله، وروى أشهب 23 أنَّها على أهل الدين الذي ارتد إليه 24.
قوله: (كَأَخْذ جِنَايَةً عَلَيْهِ) أي: فكما أن بيت المال تؤخذ منه دية المرتد، كذلك يؤخذ له عقل جناية عليه؛ لأنه يرث سائر ماله إذا قتل.
قوله: (وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ) هذا هو الصحيح 25، وهو مذهب المدونة، وقيل: يكون فيئًا، ورواه أبو إسحاق، وبه أخذ ابن وهب.
قوله: (وقُدِّرَ كَالْمَسْلِمِ فِيهِمَا) أي: فإذا تاب قدر كالمسلم في العمد والخطأ، ويحتمل في الجناية له وعليه.
قوله: (وقُتِلَ الْمُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا) المستسر: هو الزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام.
قال في الجواهر: أي كفر كان، فإذا ظهر عليه في حال زندقته
الجزء: 5 - الصفحة: 319
يبدي لنا أنه مؤمن، فادعى التوبة عما كان عليه، والرجوع عنه، فلا يرجع إلى مجرد دعواه إذا لَمْ يظهر صدقه ورجوعه بما أبداه 26؛ لأنه قد يفعل ذلك، نعم، لو ظهر لنا توبته لقبلناها؛ كما إذا جاء تائبًا قبل أن يطلع على ما كان عليه إذا ظهرت توبته بقوله لما 27 أظهر الكفر بقوله 28.
قوله: (ومَالُهُ لِوَارِثَهِ) يريد: أن حكم ماله مخالف لميراث المرتد إذ ميراث 29 المرتد لجماعة المسلمين، وهذا ماله لوارثه.
قوله: (وقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ، وقَالَ أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ إِنْ ظَهَرَ) يريد: أن من أسلم ثم ارتد، وقال: أنا 30 أسلمت لضيق علي 31؛ فإنه يعذر بذلك إذا أظهر أنه ضيق عليه 32 بخوف أو حبس وشبهه، ورواه ابن القاسم عن مالك، وبه أخذ، وقال أشهب: لا يعذر بذلك، ويقتل وإن علم ذلك عن ضيق.
أصبغ: وقول مالك أحب إليَّ، إلَّا أن يكون أقام على الإسلام بعد ذهاب الخوف، فهذا يقتل، وقاله ابن وهب إذا كان عن ضيق أو عذاب أو غرم 33. وفهم من قوله: (إذا ظهر): أنه لو لَمْ يظهر عذره لَمْ يسمع منه، وحكم فيه بحكم المرتد، وهو ظاهر.
قوله: (كَأَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى) أي: وكذا يقبل عذر الكافر إذا اظهر الإسلام وتوضأ وصلى، ثم قال: إنما فعلت ذلك خوفًا ونحوه، كأن يكون مع رفقة في السفر ونحوه، قاله في الموازية 34، وروى ابن القاسم عن مالك مثله 35.
قوله: (وأَعَادَ مَأْمُومُهُ) هكذا قال مالك في الموازية، وقال سحنون: إذا كان في
الجزء: 5 - الصفحة: 320
موضع يخاف فيه على نفسه، فدرأ عن نفسه وماله بذلك فلا شيء عليه، ويعيد القوم صلاتهم، وإن كان فيه 36 أمن فليعرض عليه الإسلام، فإن أسلم لَمْ تكن عليهم إعادة، وإن لَمْ يسلم قتل ويعيدون 37. وفي البيان عن مالك: لا يقتل بما أظهر من الصلوات، 38 وإن كان في موضع فيه أمن 39 ويجب عليه بذلك الأدب المؤلم، ولمطرف وعبد الملك 40: أن ذلك منه 41 إسلام؛ سواءً كان ذلك في موضع كان في أمن على نفسه أم لا 42.
قوله: (وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَدَ، وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ) المتيطي: من أجاب إلى الإسلام جملة وتشهد، وقف على شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، فإن أجاب إلى ذلك تم إسلامه، وإن أبى لَمْ يقبل منه إسلام، ولم نكرهه على التزامها، ولا يجبر على الإسلام.
ثم قال: وإن لَمْ يوقف عليها فالمشهور أنه يشدد 43 عليه ويؤدب، وقاله مالك وابن القاسم وابن عبد الحكم، وعليه العمل والقضاء، وإليه أشار بما ذكر.
وقال أصبغ: سواء رجع عن إسلامه بالقرب أو بالبعد ولو طرفة عين إذا تلفظ بشهادة ثم رجع بالقرب 44 فإنه يقتل بعد استتابته 45، ومعنى: (لَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ) أي: على شرائع الإسلام.
قوله: (كَسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ، إِنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ) أي: فإنه يؤدب؛ إلا أن يدخل ضررًا على المسلمين بسحره؛ فإنه يقتل لنقض عهده، ولا تقبل منه توبة غير الإسلام، ونقله الباجي عن مالك، قال: وأما إن سحر أهل ذمته فليؤدب؛ إلَّا أن يقتل أحد فيقتل
الجزء: 5 - الصفحة: 321
به.
وقال سحنون: أن الساحر من أهل الذِّمة يقتل إلَّا أن يسلم.
46. الباجي: وظاهره أنه يقتل على كلّ حال؛ إلَّا أن يسلم، بخلاف قول مالك أنه لا يقتل إلَّا أن يضر مسلما 47. ونقل ابن رشد قولًا أنه يقتل وإن أسلم 48.
قوله: (وَأَسْقَطَتْ صَلاةً، وصِيَامًا، وزَكَاةً 49، وحَجًّا، تَقَدَّمَ) يريد: أن الردة تسقط عن المرتد ما فرط فيه من حقوق الله تعالى؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة في حال الردة وقبلها؛ ولهذا لا يؤمر بالقضاء إذا تاب، وأما الحج فإنه يجب عليه، وإن كان قد حج؛ لأن الردة قد أسقطته، وهو المشهور.
وقيل: لا يجب، وأما حقوق الآدميين فلا تسقط بالردة ويؤخذ بها.
قوله: (ونَذْرًا، وَيمِينًا بِالله، أَوْ بِعِتْقٍ، أَوْ بِظِهَارٍ، وإِحْصَانًا) أي: وقيد ابن الكاتب 50 العتق بغير المعين، قال: وأما المعين فقد انعقد عليه في ماله حق لمعين، فلا يسقط بالردة 51، عياض: واختلف عن ابن القاسم في يمين الظهار عنه 52 عند محمد قال بعض شيوخنا: وكذا على لفظ الكتاب لو كان الظهار 53 قد حنث 54 فوجبت عليه الكفارة لأسقطها ارتداده، وتأول مسألة الكتاب على ذلك، بخلاف ما لو كان قد لزمه مجرد الظاهر 55 لَمْ يحنث فيه، فلا تسقط الردة، قال: ومثله في الوازية 56، قال: وتسقط الظهار المنجز.
الجزء: 5 - الصفحة: 322
قوله: (وإحصانًا) يعني: وكذلك 57 تسقط الردة إحصان الزوجين؛ ولهذا قال 58 إذا زنيا بعد ارتدادهما يحدان حد البكر، وإن كان قد تقدم فيها 59 تزويج صحيح.
وقيل: "لا تسقط فيرجمان.
والأول هو المشهور.
قوله: (ووَصِيَّةً) أي: وكذا تسقط الردة وصية المرتد، يريد: سواء تقدم تقدمتها أو تأخرت عنها، وقاله في المدونة.
قوله: (لا طَلاقًا) أي: فإن الردة لا تسقطه؛ ولهذا إذا طلق زوجته ثلاثًا، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام؛ فإنه لا يجوز له تزويجها إلَّا بعد زوج، وحمل أكثرهم قول ابن القاسم على هذا 60، وقال ابن زرب: مذهب ابن القاسم: أنَّها تسقط الطلاق 61 الثلاث، ويجوز للمطلق ثلاثًا قبل ارتداده تزويجها من غير زوج 62، قاله بعض الأشياخ.
قوله: (رِدَّةُ مُحَلِّلٍ) يريد: أن ردة المحلل لا يبطل إحلال المرأة؛ لأن أثره 63 في المرأة.
قوله: (بِخِلافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ) أي: فإنها تبطل إحلالها، فإذا طلقها زوجها ثلاثًا، ثم تزوجت غيره، ثم ارتدت؛ فإن إحلالها يسقط، وتصير كأنها لَمْ تزوج بعد الطلاق الأول، فإذا تابت فليس له 64 أن ترد له إلَّا بعد زوج؛ لأنها أبطلت إحلالها، كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها، وهذا هو المشهور.
وقيل: إن إحلالها لا يسقط بردتها، فترد للأول من غير زوج.
قوله: (وأُقِرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ لِكُفْرٍ آخَرَ) يريد: أن الكافر إذا انتقل من كفر إلى كفر؛ كاليهودي يتنصر أو العكس؛ فإنه يقر على ذلك، ولا يعرض له؛ بناء على أن الكفر كله ملة واحدة، وهو المشهور، وقاله مالك 65، وقيل: يقتل إلَّا أن يسلم.
وحمل على القول
الجزء: 5 - الصفحة: 323
الأول لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" على الدين المعتبر وهو الإسلام، وحمله في الثاني على عمومه.
(المتن)
وَحُكِمَ بِإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ، كَأَنْ مَيَّزَ، إِلَّا الْمُرَاهِقَ، وَالْمَتْرُوكَ لَهَا، فَلَا يُجْبَرُ بقَتْلٍ، إِنِ امْتَنَعَ، وَيُوْقفُ إِرْثُهُ، وَبِإِسْلَامِ سَابِيهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ وَالْمُتَنَصِّرُ مِنْ كَأَسِيرٍ عَلَى الطَّوْعِ، إِنْ لَمْ يثْبُتْ إِكْرَاهُهُ