(الضَّمانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالحق) هكذا فسره عبد الوهاب في تلقينه 1، وهو ظاهر التصور، وأورد عليه أنه غير جامع لخروج ضمان الوجه، وضمان الطلب، وغير مانع؛ لأن من باع شخصا بدين ثم باع آخر بدين فإنه يصدق عليه ذلك أنه شغل ذمة أخرى، وأيضا فإن الحق في كلامه يشمل البدني أيضا، وأن من ابتاع سلعة فأشرك فيها غيره فإن فيها شغل ذمة أخرى بالحق، وكذلك لو ولاه وليس بضمان، وأجيب بأن ضمان الوجه تشغل فيه الذمة على المشهور، وأطلق الضمان على الطلب مجازا، و (الـ) في كلامه للعهد، فمراده بالحق الحق الأول، وأن الحقوق البدنية خرجت بقوله: (شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى) لأن الذمم لا تشغل بالحقوق البدنية، وإنما تشغل بالحقوق المالية 2؛ لأن الشاغل في الشركة والتولية مختلف؛ لأن البائع شغل ذمة المبتاع وهو شغل ذمة من أشركه أو وَلَّاه.
قوله: (وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ) يريد: أنه يشترط في الضمان أن يكون ممن يصح منه التبرع احترازا من الصغير والمجنون والعبد على 3 غير المأذون له، والمريض فيما زاد على الثلث.
قوله: (كَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ إِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا) أي: وهكذا المدبر وأم الولد وغيرهما، وقاله في المدونة 4، قال فيها: وإن كان على المأذون دين يغترق ماله لم تجز كفالته، وإن
الجزء: 4 - الصفحة: 208
أذن له السيد، وقال غيره: لا يجوز ذلك للمكاتب، وإن أذن سيده؛ لأنه داعية إلى رقّه 5، ولعبد الملك جواز ذلك بغير إذن سيده.
(وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ بِثُلُثٍ) قوله: (بِثُلُثٍ) قيد في المسألتين معًا، ومراده أن الزوجة والمريض لا يجوز ضمانهما إلا في الثلث، قال في المدونة: إن حمله الثلث جاز وإن كره 6 الزوج؛ لأن ذلك ليس بضرر، وإن جاوز الثلث فللزوج ردّ الجميع وإجازته؛ لأنه ليس بضرر إلا أن تزيد على الثلث كالدينار وما خف، فيمضي الثلث مع ما زاد 7، وقال المغيرة: يرد ما زاد 8.
قوله: (وَاتُّبعَ ذُو الرِّقِّ به إِنْ عَتَقَ) يريد: ما لم يسقطه سيده قبل عتقه، قال في المدونة: فإن ردّه سيده لم يلزمه ذلك إن عتق، وإن لم يرده حتى عتق لزمه ذلك علمه السيد قبل عتق العبد أم لا 9.
قوله: (وَلَيْسَ لِلسيِّدِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ) أي: وليس للسيد أن يجبر العبد على الضمان، وهذا هو المشهور، وقاله في المدونة، وزاد فيها: ولا يلزمه إن جبره 10، ومقابل المشهور رواية أبي زيد 11 عن ابن القاسم أنه يجبره؛ لأنه يجوز له انتزاع ماله، وعن عبد الملك أن له جبره إلا أن يكون على العبد دين يحيط بماله 12.
قوله: (وَعَنِ الميِّتِ وَالْمْفلِسِ) أي: ويصح الضمان عن الميت والمفلس، ولا خلاف في ذلك إن كان الميت موسرًا، واختلف إذا كان معسرًا، فذهب الجمهور إلى صحته، ولزومه إن وقع.
قوله: (وَالضَّامِنِ) أي: وكذا يصح عن الضامن بما ضمنه، قال في المدونة: ومن
الجزء: 4 - الصفحة: 209
أخذ من الكفيل كفيلا لزمه ما لزم الكفيل 13.
قوله: (وَالْمؤَجَّلِ حَالًا، إِنْ كَانَ ممَّا يُعَجَّلُ) أي: وكذا يصح أن يضمن المؤجل حالا إذا كان الحق مما يجوز له تعجيله، وهكذا قيد ابن يونس به المدونة، قال 14: وأما إذا كان عرضا أو حيوانا من بيع فلا يجوز؛ لأن فيه حُطَّ عَنِّي الضمان وأَزِيدك تَوَثُّقا 15، فإن كان الدين عينا أو عرضا من قرض جاز، وإن كان من بيع وكان قصد الغريم بتعجيله منفعة الطالب جاز، وإن أراد إسقاط الضمان عن نفسه؛ لم يجز.
قوله: (وَعَكْسُهُ إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ) أي: وهكذا يصح أن يضمن المال 16 الحال مؤجلا، أي: يضمنه بشرط تأجيله، وذكر اللخمي أن ذلك يصح بشرط أن يكون الغريم موسرا 17 كما قال هنا ليسلما من سلف جر منفعة، بخلاف ما إذا كان معسرا كما سيذكره.
قوله: (أَوْ لَمْ يُوسِرْ في الأَجَلِ) أي: وهكذا يصح ضمان الحال مؤجلا إذا كان من هو عليه لا يوسر في الأجل، وإنما يوسر بعد انقضائه، ولا خلاف فيه، فلو كان يوسر قبل انقضاء الأجل لم يصح، وقاله ابن القاسم 18؛ لأن الزمن الذي تأخّر عن يساره يعد فيه صاحب الحق مسلفا؛ لأنه أخر ما عجل، وانتفع بالحميل الذي أخذه عن غريمه 19، وذهب أشهب إلى جوازه 20.
قوله: (وَبِالمُوسَرِ أَوِ المُعْسَرِ لا بالجْمِيعِ) يريد: أن الغريم إذا كان موسرا بالبعض دون البعض فإنه يصح الضمان عنه بأحدهما فقط، ولا يصح أن يضمنه بالمجموع، مثاله لو كان عليه مائتا درهم وهو موسر بمائة فضمنه بإحدى المائتين لا غير، أي لا
الجزء: 4 - الصفحة: 210
بالجموع؛ لأن فيه السلف بزيادة إذ تأخيره بالمائة الموسر بها سلف، وانتفع بالضامن في المائة المعسر بها، وقاله اللخمي 21 وصاحب البيان.
قوله: (بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ إِلَيْه) أي: وصح الضمان من أهل التبرع بسبب دين لازم أو آيل للزوم، يريد: وسواء كان معلومًا أو مجهولًا.
قوله: (لا كِتَابةٍ) أي: لأنها ليست بدين لازم؛ لأن المكاتب لو عجز عنها صار رقّا، والضامن إذا لم يلزم الأصل بشيء لم يسقط 22 عنه الضمان، وهذا هو المعروف، ولابن عبد الحكم: لا بأس بالضمان في الكتابة 23.
قوله: (بَلْ كَجُعْلٍ) لما ذكر إن التحمل بالكتابة لا يصح؛ لأنها دين غير لازم 24 خَشِي أن يعتقد بأن التحمل بالجعل كذلك لكونه غير 25 لازم في الحال على المشهور 26 فثص على أن حكمه حكم الدين اللازم 27، ولأنه وإن لم يكن لازما الآن فهو آيل إلى اللزوم، وعلى هذا فتقدير كلامه أولا وآخرا، وصح الضمان إن كان المضمون دينا لازما أو آيلا إلى اللزوم كجعل لا كتابة، ولو قدم قوله: (كَجُعْلٍ) على قوله: (لا كتابة)، وحذف حرف الإضراب لكان أخصر وأحسن، وممن يقول بصحة 28 الضمان في الجعل المازري، كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير، فقال: هذا تصح الحمالة به أيضا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم الحميل ما تحمل به، وإن لم يأتِ به سقطت الحمالة 29.
قوله: (وداين فلانا ولزم فيما ثبت) يريد أن الحمالة إنما تصح أيضا إذا قال داين فلانا
الجزء: 4 - الصفحة: 211
فما داينته به أو بائعه (1) فأنا ضامن له، قال في المدونة: ويلزمه إذا ثبت مبلغه، وقال غيره: إنما يلزمه من ذلك ما يشبه أن يداين به المحمول عنه (2)، وجعله ابن يونس وابن رشد تفسيرا (3)، وقال المازري: وهو الأظهر، ومن الأشياخ من جعله خلافا، وإليه أشار بقوله (4): (وَهَلْ يقيدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ؟ تَأْوِيلانِ).
(المتن)
وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ، بِخِلافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِن بِهِ، إِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِن ضَامِنِهِ، وَإِنْ جُهِلَ، أَوْ مَنْ لَهُ، وَلو بغَيرِ إِذْنِهِ كَأَدَائِهِ رِفْقًا لا عَنَتًا فَيُرَدُّ كَشِرَائِهِ، وَهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأوِيلانِ.
لا إِنِ ادُّعِيَ على غَائِبٍ فَضَمِنَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَقَالَ لِمُدَّعٍ على مُنْكِرٍ: إِنْ لَمْ آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِن وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، إِنْ لَمْ يُثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيّنَةٍ، وَهَلْ بِإِقْرَارِهِ؟ تَأوِيلانِ.
كقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَفِّكَ غَدًا فَالَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ،