قوله: (لا بِفَاسِدٍ) أي: وأمَّا من تزوجت تزويجًا فاسدًا ودخل بها الزوج وأزال بكارتها ثمَّ فسخ نكاحها أو طلقها الزوج، أو مات عنها، فليس للأب عليها ولاية إجبار إذا بلغت.
قوله: (وَإِنْ سَفِيهَةً) لأنه لا يلزم من ولاية المال والنظر فيه ولاية النكاح، فحكم السفيهة وغيرها في ذلك سواء وهو المعروف، وحكى المتيطي قولًا بأنّه يجبرها 1.
قوله: (وَبِكْرًا رَشَدَتْ) هو معطوف على قوله: (لا بفاسد) أي: وكذلك لا يجبر الأب بكرًا رشدتْ، وشهره المتيطي 2، وقيل: له الجبر، وصوبه ابن عبد البر 3.
قوله: (أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً) اختلف في من أقامت ببيتها 4 مدة ثمَّ فارقها قبل المسيس، هل يرتفع عنها إجبار الأب أم لا؟ ومذهب المدونة أنَّه يرتفع إن طالت المدة وشهدت مشاهد النساء، قال: وأرى السنة طولًا 5، وهو مثل قول الشيخ هنا إلا أنَّه اشترط في المدونة مع ذلك 6 أن تكون شهدت مشاهد النساء، ورأي عبد الوهاب في
الجزء: 2 - الصفحة: 549
ذلك أن الطول إنما يتحدد بالعرف 7. ابن عبد السلام: والأصل الرجوع إلى العرف، وانظر قوله: (وأَنْكَرَتْ) ما معناه 8.
قوله: (وَجَبَرَ وَصِيٌّ) أي: وصي الأب.
يريد: إن 9 وصى وصيه بالنكاح فيتنزل منزلة الأب في الإجبار على النكاح.
قوله: (أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ) أي: أمره بالنكاح وهو كقول صاحب الرسالة: ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها 10.
قوله: (أَوْ عَيَّنَ الزَّوْجَ) أي 11 قال له 12: زَوِّجْها من فلان، وقاله اللخمي 13.
قوله: (وَإِلا فَخِلافٌ) أي: وإن لم يعين الأب الزوج ولا أمر الوصي بالإنكاح 14 ففي جبر الوصي لها وعدم جبره خلاف، حكاه اللخمي 15 وغيره.
قوله: (وَهُوَ فِي الثَّيِّبِ وَلِيٌّ) أي 16: كأحد الأولياء وهو مذهب المدونة 17، انظر الكلام على حكم نكاح الوصي 18 في الشرح 19 الكبير.
قوله: (وَصَحَّ: إِنْ مُتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي بِمَرَضٍ) أي: وصحَّ النكاحُ إذا قال الأبُ في مرضه: إن متُّ فقد زوجتُ ابنتي فلانة من فلانٍ أو من ابنِ أخي ونحو ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 550
أصبغ: وهو مجمع على إجازته، وهو من وصايا المسلمين 20. وقيد سحنون ذلك بما إذا قبل الزوج النكاح 21 بالقرب 22، وقال ابن بشير: مذهب المدونة 23 الصحة مطلقًا 24، وإلى هذا الاختلاف 25 أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ قَبِلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (ثُمَّ لا جَبْرَ فَالْبَالِغُ) أي: ثمَّ لا جبر لغير الأب والسيد والوصي من الأولياء فلا يزوجون إلا البالغ خاصة بكرًا كانت أو ثيبًا بإذنها، ولو كانت سفيهة، ومعنى (فالبالغ) أي: فولاية غير 26 هؤلاء الثلاثة مقصورة على البالغ لا تتعداها 27 إلا لمن ذكر في قوله: (إِلا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا، وَشُووِرَ 28 الْقَاضِي) وقد اختلف في تزويج اليتيمة قبل البلوغ، فالرواية المشهورة منع ذلك، وعبر عنه بعضهم بالأصح وبعضهم بالأظهر.
عبد الوهاب: وهو الذي نفتي به، وإليه رجع مالك 29. وفي كتاب محمَّد جوازه 30 برضاها إن بلغت عشر سنين وهي ذات حاجة تتكفف الناس 31. اللخمي: وهو أحسن 32، وقال ابن عبد الحكم 33: رجع مالك إلى الرواية الأوّلى، وحكى ابن الجلاب الروايتين، وزاد أخرى: أنَّه جائز ولها الخيار في الإمضاء والفسخ إذا بلغت 34. ابن بشير: لم يختلف المتأخرون أنها تزوج إن خيف عليها
الجزء: 2 - الصفحة: 551
الفساد 35. ابن عبد السلام: وهو الذي عليه العمل ببلادنا اليوم 36 بزيادة بلوغها عشر سنين ومشاورة القاضي 37.
قوله: (وَإِلا صَحَّ، إِنْ دَخَلَ وَطَالَ) أي: وإن زوجت ولم يخف عليها الفساد 38 أو قبل بلوغها عشر سنين ولم يشاور القاضي في تزويجها صحَّ النكاح؛ أي: مضى إن دخل وطال وهو المشهور، قاله المتيطي 39. وروى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أنَّه يفسخ وإن ولدت الأولاد 40. وفي البيان: عن ابن القاسم أنَّه لا يفسخ 41، وظاهره دخل بها أم لا، وقيل: تخير إذا بلغت ما لم يطل الأمر بعد الدخول.
قوله: (وَقُدِّمَ ابْنٌ، فَابْنُهُ) يريد أن المقدم من أولياء الثيّب 42 الابن، وهو المشهور، قاله ابن بشير 43، وقيل: الأب مقدم عليه، وهما روايتان منشؤهما 44 النظر إلى قوة التعصيب، وهي للابن في الميراث والولاء، والنظر إلى العطف والحنان والأنساب وذلك للأب، وابن الابن بمنزلة أبيه في عدمه، ولهذا قال: (فابنه) فقدمه على الأب، وعلى الرواية الأخرى يقدم الأب عليه.
قوله: (فَأَبٌ) أي 45: فإن لم يكن ولد ولا ولد ابن فالأب مقدم على غيره.
قوله: (فَأَخٌ، فَابْنُهُ) أي: فإن لم يكن أب فالأخ مقدم 46 ثمَّ 47 ابن الأخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 552
قوله: (فَجَدٌّ) هذا هو المشهور، وقال المغيرة: يقدم الجدُّ وأبوه وإن علا 48 على الأخ وابنه 49. وعن 50 مالك: أن للأخ أن يزوج الثيّب مع وجود الأب 51.
اللخمي: وهو قول مرغوب عنه 52، والمعروف من قوله: أنَّه إن عقد الأخ مضى 53 لا أن له ذلك ابتداء 54.
قوله: (فَعَمٌّ فَابْنُهُ) أي 55: فإن لم يكن أحد 56 ممن تقدَّم ذكرهم فالعم، فإن لم يكن فابنه.
قوله: (وَقُدِّمَ الشَّقِيقُ عَلَى الأَصَحِّ) يريد أنَّ الشقيق من الأخ وابنه والعم وابنه مقدم على غير الشقيق على أصح القولين 57، والخلاف منصوص في الأخوين، ففي المدونة من رواية عليٍّ: هما سواء 58، ولمالك وابن القاسم وغيرهما في كتاب ابن حبيب أن الشقيق أولى.
اللخمي: ويجري في أبنائهما وفي العمين أحدهما شقيق والآخر لأب وفي أبنائهما نحو 59 ذلك، واختار تقديم الشقيق ابن القاسم وسحنون وغيرهما من أصحاب مالك المصريين والمدنيين قياسًا على الإرث والولاء، ولهذا جزم سحنون بعدم صحته في 60 الرواية الأخرى 61. ولهذا قال: على الأصح.
اللخمي: وتقديم
الجزء: 2 - الصفحة: 553
الشقيق أحسن 62. وإليه أشار بقوله: (وَعَلَى المُخْتَارِ 63 وهو معطوف على الأصح؛ أي: على الأصح والمختار.
قوله: (فَمَوْلًى) أي: فإن لم يكن ثَم ولي نسب انتقل الحكم في ذلك إلى المولى.
يريد: الأعلى، وهو من له العتاقة.
قوله: (ثُمَّ هَلِ الأَسْفَلُ وَبِهِ فُسِّرَتْ أَوْ لا؟ ) أي 64: ثمَّ هل المولى الأسفل وهو العتيق تكون له ولاية على الذي أعتقه 65؟ وبه فسرت.
أي 66: المدونة 67.
ابن عبد السلام: وجميع الشراح فسروا ما وقع لمالك من ذلك في النكاح الأوّل منها بأنّه أحد الأولياء، ولم يذهب واحدٌ منهم إلى أنَّه لا ولاية له 68. قال: والصحيح أن له حقًّا في الولاية، وقيل: لا ولاية له، وهو معنى قوله: (أو لا)، والقولان في الجواهر 69 هو غيرها 70.
قوله: (وَصُحِّحَ، فَكَافِلٌ) أي: وصحح النكاح بولاية كافل 71، قال في المدونة: ذلك جائز، ومن أنظر لها 72 منه 73.
عياض: يريد بعد 74 بلوغها ورضاها.
وفي الواضحة: ذلك بعد موت أبيها وغيبة
الجزء: 2 - الصفحة: 554
أهلها، وعليه حمل الشيوخ مسألة المدونة، فليس له تزويج في حياة الأب، وذهب ابن العطار (1) وابن زرب إلى أن له ذلك في حياة الأب إذا كان الأب غائبًا برضاها (2). واختلف في قدر (3) الكفالة التي يستحق بها الكافل تزويج المكفولة، فلبعض الموثقين: عشر سنين.
وقال أبو الحسن: وعندي أنَّه لا حدَّ لذلك إلا ما يرى أنَّه يوجب الحنان (4) والشفقة مثل ما للولي أو يقرب، وعن أبي محمَّد صالح: أن أقله أربعة أعوام (5) وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ كَفَلَ عَشْرًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ مَا يُشْفِقُ؟ تَرَدُّدٌ) وأشار بقوله: (وَظَاهِرُهَا شَرْطُ الدَّنَاءَةِ) إلى (6) أن ظاهر المدونة أنَّه لا ولاية للكفيل (7) على الشريفة، بل صحة ولايته مشروطة بالدنية (8)، وقيل: له ذلك مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا.
(المتن)
فَحَاكِمٌ، فَوِلايَةُ عَامَّةِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّ بِهَا فِي دَنِيئَةٍ مَعَ خَاصٍّ لَمْ يُجْبِرْ، كَشَرِيفَةٍ دَخَلَ وَطَالَ، وَإِنْ قَرُبَ فَلِلأَقْرَبِ أَوِ الْحَاكِمِ إِنْ غَابَ الرَّدُّ، وَفِي تَحَتُّمِهِ إِنْ طَالَ قَبْلَهُ تَأْوِيلانِ، وَبِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إِنْ لَمْ يُجْبِرْ، وَلَمْ يَجُزْ كَأَحَدِ الْمُعْتِقَيْنِ، وَرِضَا الْبِكْرِ صَمْتٌ كَتَفْوِيضِهَا.
وَنُدِبَ إِعْلامُهَا بِهِ، وَلا يُقْبَلُ دَعْوَى جَهْلِهِ فِي تَأْوِيلِ الأَكْثَرِ، وَإِنْ مَنَعَتْ أَوْ نَفَرَتْ لَمْ تُزَوَّجْ؛ لَا إِنْ ضَحِكَتْ، أَوْ بَكَتْ.
وَالثَّيِّبُ تُعْرِبُ، كَبِكْرٍ رشدَتْ، أَوْ عُضِلَتْ، أَوْ زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ، أَوْ بِرِقٍّ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ يَتِيمَةٍ أَوِ افْتِيتَ عَلَيْهَا، وَصَحَّ إِنْ قَرُبَ رِضَاهَا بِالْبَلَدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدِ.
وَإِنْ أَجَازَ مُجْبِرٌ فِي ابْنٍ وَأَخٍ وَجَدٍّ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ بِبَيِّنَةٍ جَازَ.
وَهَلْ إِنْ قَرُبَ؟ تَأْوِيلانِ.