قوله: (وأُضْحِيةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا) احترز بالبعدية 1 مما إذا سرقت 2 قبل الذبح، فإن سارقها يقطع باتفاق، وما ذكر 3 من عدم القطع هو قول ابن حبيب 4؛ لأنها بعد الذبح لا تباع.
قيل: وهو الجاري على قول ابن القاسم في الكلب 5، وقال أشهب في الموازية: يقطع 6.
قوله: (بخِلافِ لحمِهَا مِنْ فَقِيرٍ) أي: يقطع إذا سرقه من الفقير، ولا خلاف فيه، قاله في الجواهر 7.
قوله: (تَامِّ المِلْكِ، لا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ) من شروط المسروق أيضًا أن يكون تام الملك لغير السارق، ولا شبهة له فيه، فلا يقطع الشريك في 8 مال الشركة إذا لم يحجب عنه المال، وكذلك لا يقطع الأب والأم 9 في سرقة مال ولدهما للشبهة.
الجزء: 5 - الصفحة: 369
قوله: (وإِنْ مِنْ بَيْتِ المالِ أو الْغَنيمَةِ) لم يراع أهل المذهب الشبهة التي في بيت المال للسارق، وكذلك على 10 المشهور في الغنيمة لضعفها، لاسيما مع كثرة الجيش وقلة المغنم، فأوجبوا القطع على من سرق من ذلك نصابًا.
وقال ابن الماجشون: إذا سرق فوق حقه 11 نصابًا من المغنم قطع وإلا فلا 12، وحكى عنه الحفيد الخلاف في بيت المال أيضًا 13، وكذلك حكى ابن الحاجب الخلاف في المسألتين 14.
قوله: (أوْ مَالِ شَرِكَةٍ، إِنْ حُجِبَ عَنْهُ وسَرَقَ فَوْقَ حَقهِ نِصَابا) فسر الحجب في المدونة بأن يودعا المال عند رجل أجنبي، وفي الموازية أن يكون على يد أحدهما 15، أي: على وجه الحفظ والإحراز عن الآخر، وإلا فهو كغير المحجوب 16، وقاله اللخمي، ومن الحجب أن يغلقا عليه ويجعلا المفاتيح عند غيرهما، ومعنى (فَوْقَ حَقه نِصَابًا) أن يكون الزائد فوق نصيبه في المال جميعه نصابًا، كما لو كان مجموعه اثني عشر درهما، فسرق منها تسعة فقد علمت أن نصيبه من المال ستة إذا كان بينهما نصفين، فقد أخذ فوق حقه من مجموع المال ثلاثة دراهم، وهو نصاب، وهذا هو المنصوص لمالك، وهو ظاهر المدونة 17. وقال أشهب وابن الماجشون وأصبغ: إذا سرق من جملة المال ستة دراهم قطع 18.
اللخمي: وهو أبين؛ لأنه إنما يأخذ على أن نصيبه في الستة الأخرى باقٍ، لا على أنه أخذها على وجه المقاسمة 19، فلو كان المال بأيديهما يتصرفان فيه، ثم حجب عن واحد منهما فلا قطع باتفاق، فلو سرق شيئًا لم يزد على حقه نصابًا لم يقطع.
الجزء: 5 - الصفحة: 370
قوله: (لا الجَدّ ولَوْ لأُمٍّ) أي: فإنه لا يقطع إذا سرق من مال ابن ابنه أو ابن ابنته، قال في المدونة: وكذلك الأجداد من قبل الأم والأب، وأحب إلي أن لا يقطعوا لأنهم آباء 20، وقال أشهب: يقطع الجد 21، وظاهره ولو كان من قبل الأب إذ لا شبهة له عنده.
قوله: (ولا مِنْ جَاحِدٍ، أَوْ مماطِلٍ لحقهِ) يريد: أن من كان له دين على غيره فجحده 22 إياه أو أنكر أو كان يماطله، أي: يُمَنيه 23 من ساعة إلى ساعة فإنه إذا سرق منه شيئًا من ذلك 24 فإنه لا يقطع، والأصل فيه حديث هند، وقيد بعضهم عدم القطع بكون المسروق من جنس الدين، قال: ولو سرق من غير جنسه لقطع، يريد: لا خلاف.
قوله: (مخُرْجٍ مِنْ حِرْزٍ) أي: من شرط المال المسروق أن يكون مخرجًا من حرزه، فلو نقله من جهة إلى جهة ولم يخرجه من الحرز لم يقطع بلا خلاف، ثم أشار إلى تفسير الحرز بقوله: (بِأَنْ لا يَعُدَّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا) إلا أنه لو زاد في ذلك التقييد بالعرف لكان أولى؛ لأن التضييع والحفظ أمران نسبيان 25 لا يعرفان ولا يضبطان إلا مع ذلك، فرب مكان 26 حرز بالنسبة إلى شخص دون غيره وبالنسبة إلى متاع دون متاع.
قوله: (وإن لم يخرج هو) يريد: أن السارق إذا أخرج النصاب من الحرز فإنه يقطع وإِن لم يُخْرِجْ هُو من الحرز، قال في المدونة: ولو أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجه فقد شك فيه مالك بعد أن قال يقطع، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يقطع 27، وروى عنه 28 أشهب وابن عبد الحكم القطع 29،
الجزء: 5 - الصفحة: 371
وشهره ابن الحاجب 30، واستظهره غيره؛ لكونه أخرج المال من حرزه.
قوله: (أَوِ ابْتَلَعَ دراهم 31) يريد: وكذلك كل ما لا يفسد بالابتلاع، كما لو بلع ربع دينار أو ثلاثة دراهم، ثم خرج فإنه يقطع لأنه أخرج النصاب من حرزه، فلو كان طعاما فأكله في الحرز لم يقطع ولو زادت قيمته على النصاب.
قال في المدونة: ويضمن قيمة الطعام 32، وزاد ابن يونس: ويعاقب.
قوله: (أَوِ ادَّهنَ بِما يَحْصُلُ مِنْهُ نِصَاب) أي: وكذا يقطع إذا دهن رأسه أو لحيته بما يحصل منه بعد خروجه من الحرز إذا ساوى 33 ما فيه نصاب فإن لم يساوٍ نصابًا لم يقطع، وقاله في المدونة 34.
قوله: (أَوْ أَشَارَ إِلى شَاةٍ، بِالْعَلَفِ فَخَرَجَتْ) يريد: أنه 35 لا يشترط في السرقة كون السارق يدخل إلى الحرز بل إخراج المسروق من حرزه على أي وجه كان، ولهذا لو أشار وهو خارج الحرز إلى شاة داخلة بالعلف 36 فخرجت فإنه يقطع، وكأنه دخل فأخرجها، وقاله مالك، وبه قال ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون 37، واختاره اللخمي 38 وابن رشد 39، ولمالك في العتبية أنه لا يقطع، واختاره محمد 40.
قوله: (أَوِ اللحْدَ) انظر هذا على ما عطف عليه، هل على قوله: (مُخرْجٍ مِنْ حِرْزٍ) ويكون مراده: وكذلك يقطع من أخرج نصابًا من اللحد، وهو قول الجمهور، لقول
الجزء: 5 - الصفحة: 372
عائشة -رضي الله عنها-: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا، وسواء كان في الصحراء أو قريبًا من العمران 41، وخرج بعضهم قولًا من مسألة المطامير 42 الآتية أنه لا يقطع إلا فيما قرب من العمران.
قوله: (أَوِ الخبَاء، أَوْ مَا فِيهِ) لا خلاف أن الخباء حرز لنفسه، ولما فيه فإذا سرق أو سرق ما فيه وقيمة ذلك ثلاثة 43 دراهم قطع وإلا فلا، قال في البيان: وسواء كان فيه أهله أو غابوا عنه، لأن موضعه قد صار منزلا وحرزا لمتاعه، وقال في المسافرين إذا ضربوا أخبيتهم فسرق بعضهم من بعض، فإن السارق يقطع.
ابن المواز: إلا أن يكونوا من أهل خباء واحد 44. وفي التبصرة عن ابن عبد الحكم عدم القطع، وإن لم يكونوا من أهل خباء واحد 45.
قوله: (أَوْ في حَانُوتٍ) أي: وكذا يقطع إذا سرق ما في الحانوت مما قيمته ثلاثة دراهم 46؛ لأن الحانوت حرز لما فيه، ولا إشكال في ذلك إذا كان أهله فيه، انظر الكبير.
قوله: (أَوْ فِنَائِهِما) أي: فناء الخباء وفناء الحانوت، ومن سرق منهما 47 نصابا قطع ويؤخذ من كلام اللخمي في فناء الحانوت قولان.
والقول فيه بعدم القطع لسحنون، وقال في المدونة: يقطع من سرق ما وضع في أفنية الحوانيت للبيع أو في الموقف 48 للبيع، وإن لم يكن هناك حانوت كان معه ربه أم لا، سرقه في ليل أو نهار 49، وفي الموازية في مثل القطاني يبيعونها في القفاف، ولهم حصر ويغطونها بها بليل وذلك بأفنية حوانيتهم فقام صاحبها لحاجة وتركها على حالها فإنه 50 لا قطع على
الجزء: 5 - الصفحة: 373
من سرق منها 51.
قوله: (أَوْ مَحْمَلٍ، أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ) أي: وكذا يقطع من سرق من المحمل أو من على ظهر 52 دابة ما يقطع في مثله، وقاله في المدونة 53. اللخمي: وسواء كان المحمل فيه صاحبه أم لا، إلا على قول ابن عبد الحكم، فإنه لا يقطع إلا إن كان معه صاحبه وإلا فلا 54.
قوله: (وإِنْ غِيبَ عَنْهُنَّ) يريد: أنه لا فرق في هذه المسائل بين أن يكون رب المتاع حاضرًا أو غائبا عنه، وقد تقدم ذلك.
قوله: (أَوْ بِجَرِينٍ) هذا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموطأ: "لا قطع في ثمر معلق"، فإذا آواه الجرين فالقطع فيما بلغ فيه القطع، والباء في (بجرين) للظرفية، أي: فإنه لا قطع فيه حتى يصير في الجرين، وهلا يقطع في الجرين 55 إلا إذا كان قريبًا من العمارة أو الجرين للثمر بمنزلة الأندر للقمح ونحوه أو يقطع مطلقا، قولان 56.
قوله: (أَوْ سَاحَةِ دَارٍ لأجْنَبِي، إِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ 57 كَالسفِينَةِ) المراد بساحة الدار البقعة التي بين الجدران 58 واسعة ليس فيها بناء، وهي البقعة 59 التي في وسط الدار وتسمى أيضًا العرصة، ومراده: أن من سرق من ساحة دار حجر 60 عليه في دخولها من الأجانب فإنه يقطع كما يقطع الأجنبي إذا سرق من السفينة؛ لأن ساحة الدار حرزٌ 61
الجزء: 5 - الصفحة: 374
بالنسبة إلى من منع من دخولها، وكذلك من منع من السفينة فإنه حرز بالنسبة إليه 62، وقسم في المقدمات الدور المشتركة على ستة أقسام 63، انظر الكبير.
قوله: (أَوْ خَانٍ لِلأَثْقَالِ) ابن رشد: وأما الدار المشتركة بين سكانها المباحة لجميع الناس كالفنادق التي سكن كل رجل 64 منهم على حدة وقاعتها مباحة 65 للبيع والشراء فيها، فحكم قاعتها حكم المحجبة، فمن سرق من بيوتها من الساكنين أو غيرهم، وأخذ في قاعتها قطع بلا خلاف 66. يريد: ولا قطع على من سرق من قاعتها إلا أن يكون الذي سرقه من 67 الأشياء التي توضع هناك كالدابة في مربطها المعروف لها وشبهها من الأحمال الثقال، ومعنى الأثقال، أي: أن الخان يكون حرزًا للأثقال دون غيرها، فلا يقطع من سرق منه الأشياء الخفيفة بخلاف الثقيلة.
قوله: (أَوْ زَوْجٍ فِيما حجر عنه) يريد: أن الزوجة إذا سرقت من مال زوجها الذي حجر عنها أو سرق الزوج من مال زوجته كذلك فإنهما يقطعان، وحكم أمة الزوجة حكمها، وكذلك حكم عبد الزوج حكم الزوج 68 في السرقة من مالها.
قال في المدونة: وتقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها من غير بيتها الذي تسكنه، وكذلك إن سرقت خادمها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهم أو سرقت خادم الزوج من مال المرأة من بيت قد حجرته 69، وذكر ابن رشد في كل مسألة من هذه قولين: القطع وعدمه 70.
قوله: (أَوْ مَوْقِفِ دَابَّةٍ لِبَيْعٍ أوْ غَيره) قال في المدونة: ومن سرق شاة أوقفها ربها في
الجزء: 5 - الصفحة: 375
سوق الغنم لبيع وهي مربوطة أو غير مربوطة فعليه القطع 71، وقال فيها أيضًا: وكذلك لو كان لها 72 مرابط معروفة في السكة فسرقها رجل من ذلك الموضع، قطع؛ لأن ذلك حرزها، ومن احتلها 73 من مرابطها المعروفة فأخذها قطع 74.
قوله: (أَوْ قَبْرٍ، أَوْ بَحْرٍ لمنْ رُمِيَ بِهِ لِكَفَنٍ) يريد: أن القبر حرز لكفن الميت، وكذلك البحر لمن مات على ظهره في مركب فكفن ورمي فيه، فقوله (لِكَفَنٍ) راجع إلى المسألتين معًا، وانظر إعادته مسألة القبر مع ما قدمه من قوله: (أو اللَّحْدَ).
قوله: (أوْ سَفِينَةٍ بِمَرْسَاةٍ) هذا الكلام بالنسبة إلى سرقة السفينة نفسها، وظاهره سواء كان معها 75 أحد أم لا، ولا فرق بين أن تكون بالمرساة أو على قربة 76 تصلح 77 للمرساة.
قوله: (أَوْ كُل شَيْءٍ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ) وكذلك يقطع من سرق شيئا بحضرة صاحبه 78 وإنما ذكر هذه الكلية تنبيها على أن صاحب المتاع لا فرق بين أن يكون نائما أو يقظانا، كان المسروق فوقه أو تحته أو في كمه أو جيبه ونحوه، أو هو بإزائه وهو يحرسه.
قوله: (أَوْ مطمر قَرُبَ) يريد: أن المطمر وهو الشيء الذي يكون فيه 79 القمح ونحوه من الطعام، تارة يكون قريبًا من العمارة، وتارة يكون بعيدًا، فإن القطع على من سرق من القريب فقط، وظاهره على أي حال كان البعيد.
ابن القاسم: أما ما كان في الفلات وقد أسلمه صاحبه وأخفاه فلا أرى فيه قطعًا 80، فانظر مفهومه إذا لم يسلمه ولم يخفه لم يسقط القطع، وفيه نظر، ثم قال: وأما ما كان بحضرة أهله معروفًا فعلى من
الجزء: 5 - الصفحة: 376
سرق ما قيمته ثلاثة دراهم القطع (1).
قوله: (أَوْ قِطَارٍ وَنَحْوِهِ) المراد بالقطار الإبل المربوطة بعضها مع بعض فمن سرق منها قطع، وظاهره سواء كان معها ربها أم لا، كانت سائرة أو نازلة (2)، وليس من شرط القطع (3) أن تكون مربوطة.
قال مالك في الموازية: وإذا سيقت الإبل غير مقطورة فمن سرق منها قطع، والمقطورة أبين، وكذلك الزوامل، وكذلك الإبل (4) والدواب إذا سيقت إلى المرعى وهو مراده بنحوه.
(المتن)
أَوْ أَزَالَ بَابَ الْمَسْجِدِ، أَوْ سَقْفَهُ، أَوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ، أَوْ حُصْرَه، أَوْ بُسُطَهُ إِنْ تُرِكَتْ بِهِ، أَوْ حَمَّامٍ إِنْ دَخَلَ لِلسَّرِقَةِ، أَوْ نَقَبَ أَوْ تَسَوَّرَ، أَوْ بِحَارِسٍ لَم يَأْذَنْ لَهُ فِي تَقْلِيبٍ.
وَصُدِّقَ مُدَّعِي الْخَطَإِ، أَوْ حَمَلَ عَبدًا لَم يُمَيِّزْ، أَوْ خَدَعَه، أَوْ أَخْرَجَهُ فِي ذِي الإِذْنِ الْعَامِّ لِمَحَلِّهِ، لا إِذْنٍ خَاصٍّ كَضَيفٍ مِمَّا حُجِرَ عَنه وَلَوْ خَرَجَ بِهِ مِنْ جَمِيعِهِ، وَلا إِنْ نَقَلَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ، وَلَا فِيمَا عَلَى صَبِي أَوْ مَعَهُ، وَلَا عَلَى دَاخِلٍ تَنَاوَلَ مِنْهُ الْخَارِجُ، وَلَا إِنِ اخْتَلَسَ، أَوْ كَابَرَ، أَوْ هَرَبَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي الْحِرزِ، أَوْ لِيَأتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَ دَابَّةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ، أَوْ ثَوْبًا بَعْضُهُ بِالطَّرِيقِ، أَوْ ثَمَرَ مُعَلقٍ إِلا بِغَلْقٍ فَقَوْلَانِ.