قوله: (ويُقْتَلُ الجمِيعُ بِوَاحِدٍ) لا خلاف فيه عندنا 5 بشرط أن يجتمعوا على قتله،1234
الجزء: 5 - الصفحة: 231
وقاله في المدونة 6 وغيرها، وفي الجواهر: إذا اجتمع جماعة على رجل يضربونه فقطع رجل يده، وفقأ آخر عينه، وجَدَع آخر أنفه، وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله فمات؛ قتلوا به كلهم 7.
قوله: (وَالْمُتَمَالِئُونَ) أي: وكذلك يقتل المتمالئون على قتل واحد لقول عمر -رضي الله عنه-: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به 8.
قوله: (وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ) أي: وإن لم يضربه كل واحد منهم إلا بسوط؛ أي 9: بشرط أن يقصدوا جميعًا إلى قتله على هذا الوجه 10، وإلا فليس السوط الأول وما يقارب منه 11 مما يكون عليه القتل غالبًا فينبغي أن يقتل به الآخر، ومن قصد إلى قتله ممن تقدمه.
قوله: (وَالْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُباشِرِ، كَمُكْرِهٍ ومُكْرَهٍ) المتسبب هو الآمر، والمباشر هو المأمور، والمكرَه هو الفاعل 12، فيقتلان معًا: المكْرِهُ لتسببه والمكْرَه لمباشرته، والمراد بالمكرَه هنا: من كان عليه خوف في مخالفة الأمر، وإلا فالقصاص على المباشر وحده.
قوله: (وَكَأَبٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ أمَرَ صَبِيًّا صَغِيرًا، أَوْ سَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا) أي: فيقتل الآمر في المسائل الثلاث، وهو قول ابن القاسم 13، سواء كان العبد كبيرًا أو صغيرًا فصيحًا أو عجميًّا 14، وهو مراده بالإطلاق.
وقال ابن وهب: لا يقتل الآمر في جميع ذلك، بل يضرب 15 ضربًا، ويقتل
الجزء: 5 - الصفحة: 232
العبد 16؛ أي: الكبير.
وحكى ابن شعبان أن السيد يقتل دون العبد.
وروى ابن وهب 17 عن مالك أنه يقتل العبد إن كان فصيحًا، وإن كان أعجميًّا قتل السيد وحده، وقال أصبغ: يقتلان معًا كان العبد فصيحًا أم لا 18، واحترز بالصغير في مأمور الأب والمعلم من الكبير فإنه يقتل وحده دون الآمر.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ) لأنه قادر على عدم القتل، ابن القاسم وأشهب: ويضرب الآمر مائة 19 ويحبس سنة 20.
قوله: (وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِي الْقِصَاصُ، إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ) يريد: أن الكبير العاقل إذا اشترك مع صبي في قتل شخص، فإنه يقتل به وحده.
وقال في المدونة: إذا كانا متعمدين 21، وقيده اللخمي وابن يونس بما إذا تعاقدا 22 على ذلك، ولذلك قال هنا: (إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ).
اللخمي: وإن لم يتمالآ 23 على قتله وتعمد كل واحد رميه، ولم يعلم بالآخر، لم يقتل الرجل لإمكان أن تكون رمية الصبي هي القاتلة 24، انظر الكبير.
قوله: (لَا شَرِيكِ مُخْطِئٍ، ومَجْنُونٍ) أي: فإنه لا يقتل وتكون عليه نصف الدية، وحكى عبد الوهاب أنه يقتل 25، والأول قول ابن القاسم في شريك المخطئ؛ إذ لا يدرى 26 من أيهما مات 27، وقال أشهب: يقتل، واختاره محمد 28. اللخمي: قول ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 233
القاسم أحسن؛ لئلا يقتل الرجل بالشك، إلا أن يدعي الأولياء أن ضربة أحدهما هي القاتلة فيقسمون عليها، فإن أقسموا على ضربة الرجل -أي: العامد- قتلوه 29.
قوله: (وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ، وجَارحِ نَفْسِهِ، وحَرْبيٍّ، وَمَرَضٍ بَعْدَ الجْرحِ، أَوْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ قَوْلَانِ) أي: القولان معًا لابن القاسم: أحدهما أن الأولياء يقسمون على المتعمد ويقتلونه، والآخر أن عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة، ويضرب مائة ويحبس سنة 30، والأحسن منهما عدم القتل، ومعنى (وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ) أن من جرح إنسانًا ثم حصل للمجروح مرض ثم مات منه، ولا يدرى أمات من الجرح أم من المرض؛ فإنه يختلف فيه على القولين، وقد قال مالك: إذا مرض المجروح، ثم مات فليقسموا 31 لمات من ضربه في الخطأ والعمد 32.
قوله: (وَإِنْ تَصَادَمَا أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدا فَماتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ) ومراده بالإطلاق سواء كانا فارسين أو ماشيين أو مختلفين 33، وسواء كانا بصيرين أو ضريرين أو مختلفين 34 و (قَصْدًا) مصدر؛ أي: اصطدامًا مقصودًا 35 أو تجاذبًا مقصودًا، أو مصدر في موضع الحال، أو منصوب بفعل دل عليه المذكور؛ أي: يجذب أحدهما الآخر قصدًا، وإنما يتصور القود إذا مات أحدهما دون الآخر.
قوله: (وَحُمِلا عَلَيْهِ) أي: حملا 36 على القصد إذا لم يعلم هل كانا قادرين على صرف 37 فرسيهما أم لا، وهو ظاهر، أما إذا جمح فرساهما وعلم أنهما غير قادرين على
الجزء: 5 - الصفحة: 234
صرفهما 38؛ فلا ضمان كما سيذكره.
قوله: (عَكْسُ السَّفِينَتَينِ) أي: فإذا جهل أمر أصحاب السفينتين 39 في اختيار الصرف وعدمه حملوا على غير الاختيار، والفرق أن جري السفينتين بالريح وليس من عملهم بخلاف الفارسين قال أشهب: في السفينتين 40 إذا علم أن ذلك من أمر غَلَبهم وليس 41 من أمر أحد نواتية 42؛ فلا شيء عليهم، وإن لم يعلم فذلك على عواقلهم 43.
قوله: (إِلَّا بِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) يعني: أن ما قدمه من الفرق بين الفارسين والسفينتين إنما هو إذا لم يتحقق العجز عن الصرف 44 فيهما، أما إذا علم العجز حقيقة فيهما وعدم القدرة، فإن الحكم مستوٍ في المسألتين في عدم الضمان.
قوله: (لَا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ) يريد: أن النوَّاتِيَّة إذا كانوا قادرين على صرف السفينة، إلا أنهم يخافون الغرق فلم يصرفوها حتى صدموا سفينة غيرهم فكسروها وهلك ما فيها من آدمي أو غيره فإنهم يضمنون؛ إذ ليس لهم أن يصونوا 45 أنفسهم بإهلاك غيرهم.
قوله: (أَوْ ظُلْمَةٍ) يريد: أن اصطدامهم لو كان لأجل ظلمة؛ فإنه لا يسقط عنهم الضمان، كالمصطدمين في البر في ظلمة، ويحتمل أن يريد أن 46 خوف الظلمة يشارك خوف الغرق فيما تقدم؛ لأن الدخول في الظلمة ربما نشأ منه 47 ما هو أضر من الغرق، والمسألة منقولة على الوجه الأول.
قوله: (وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ) هو راجع إلى قوله: (قَصْدًا) أي: وإن لم يقصدا ذلك ولا تعمداه، بل كانا معًا مخطئين فإن على عاقلة كل
الجزء: 5 - الصفحة: 235
واحد منهما دية الآخر، وقلنا مخطئين، لأن أحدهما لو كان متعمدًا دون الآخر فإن عليه القصاص إذا مات صاحبه دونه، وإن مات هو دون المخطئ فعلى عاقلة المخطئ ديته.
قوله: (وَفَرَسُهُ) أي: فرس كل واحد منهما في مال الآخر.
وأشار بقوله: (كَثَمَنِ الْعَيْدِ) إلى مسألة اصطدام الحر مع العبد، ومراده بالثمن القيمة، قال مالك في المدونة وكتاب محمد: إذا اصطدم الحر والعبد فماتا معًا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاومان (1)، فإن كان ثمن الغلام أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد الغلام في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على سيد العبد (2) من ذلك شيء (3)، وقال أشهب (4): إلا أن يكون للعبد مال فيكون بقية العقل في ماله (5).
(المتن)
وَإنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ؛ فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ وَإِلَّا قُدِّمَ الأَقْوَى، وَلا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ، أَوْ إِسْلامٍ وَضَمِنَ وَقْتَ الإِصَابَةِ، وَالْمَوْتِ.
وَالْجُرْحُ كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ، وَالْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ؛ إِلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا.
وَإِنْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتٌ بِلا تَمَالُؤٍ فَمِنْ كُلٍّ، كَفِعْلِهِ، وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ، أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ، وَإِنْ كَإِبْرَةٍ وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ، وَحَارِصَةٍ شَقَّتِ الْجِلْدَ، وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَتِ اللَّحْمَ، وَمُتَلاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ، وَمِلْطَاةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَجِرَاحِ الْجَسَدِ، وَإِنْ مُنَقِّلَة بِالْمِسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ، كَطَبيبٍ زَادَ عَمْدًا، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وَبِالْعَكْسِ، وَعَيْنِ أعْمَى، وَلِسَانِ أَبْكَمَ.