قوله: (وهَلْ هِيَ مَا لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَماوِيٍّ وجَيْشِ أَوْ وَسَارِقٍ خِلافٌ) يعني أنه اختلف في الجائحة هل هي ما لا يستطاع دفعه كالآفات السماوية، والجيش الذي لا يمكن دفعه لو علم به.
وهو مذهب ابن القاسم عند الباجي.
وعليه 1 فلا يكون السارق جائحة؛ لأنها يستطاع دفعه لو علم به 2. الباجي: وهذا كقوله 3 في الموازية وعليه أكثر الأشياخ وشهره ابن عبد السلام وقال 4 ابن أبي زيد عن ابن القاسم في الموازية أنه 5 جائحة وعليه فتكون الآفات السماوية والجيش جائحة 6، ونبه بقوله: (أَو وَسَارِقٍ) إلى أن القول الثاني يوافق الأول على أن الآفات السماوية والجيش جائحة، وإنما الخلاف في السارق.
قوله: (وتَعْيِيبُها كَذَلِكَ) يريد أن الثمرة إذا تعيبت بريح أو غبار ونحوه قبل انتهاء طيبها فنقصت قيمتها لأجل ذلك فإن حكمها كما تقدم على المشهور خلافًا لعبد الملك وغيره 7.
قوله: (وتُوضَعُ مِنَ الْعَطَشِ وَإِنْ قَلَّتْ) أي إذا انقطع عن الثمرة ماء السماء، أو انقطع عنها عين سقيها فهلكت فإنه يوضع قليل ما هلك وكثيره وهكذا قال في المدونة وعلله بأنها بيعت 8 على حياتها 9 من الماء 10 أي: أن سقيها على بائعها فأشبهت ما فيه
الجزء: 4 - الصفحة: 20
حق توفية ولا فرق بين البقل وغيره ولا خلاف فيما ذكر.
قوله: (كَالْبُقُولِ والزَّعْفَرَانِ والرِّيْحَانِ والْقرْطِ وَوَرَقِ التُّوتِ) أي كالبقول في وضع جائحتها وإن قلت وهذا هو المشهور.
وقيل: ليس فيها جائحة مطلقًا وإن كثرت، قاله ابن الجلاب 11.
وعن 12 مالك أنها كالثمار، يفرق بين الثلث فيوضع فيه وإن زاد، وبين ما قصر عنه فلا يوضع 13، وهذه الأقوال حكاها ابن يونس وغيره، وألحق سحنون وغيره الزعفران، والريحان، والقرط 14 والقصب بالبقول 15، في وضع جائحتها 16 وكذا عن 17 ابن القاسم في ورق التوت، وقال ابن حبيب: هو كالثمار 18.
قوله: (ومُغَيَّبِ الأَصْلِ كَالجْزَرِ) يريد أن الجائحة توضع وإن قلت في مغيب الأصل كالجزر، واللفت، والبصل، والبقل والفجل، والكراث، ونحو ذلك.
وقاله في المدونة 19 وقال 20 ابن القاسم في العتبية أن الفجل والاسفنارية 21 لا جائحة فيهما حتى تبلغ الثلث 22.
قوله: (ولَزِمَ الْمُشْتَرِي بِاقِيهَا وإِنْ قَلَّ) يريد أن السالم من الجائحة وإن كان قليلًا فإنه يلزم المشتري بما يخصه 23 من الثمن.
الجزء: 4 - الصفحة: 21
قوله: (وَإِنْ اشْتَرَى أَجْنَاسًا فَأُجِيحَ بَعْضُهَاء وُضِعَتْ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُه 24 ثُلثَ الجْمِيعِ، وأجِيحَ مِنْهُ ثُلُثُ مَكيلَتِهِ) يويد با لأجناس التين والتمر، والعنب، والرمان، والتفاح والخوخ 25 ونحوه، فإن اشترى منها جنسين فأكثر في صفقة؛ فأجيح منها جنس واحد أو بعضه، فإن جائحته توضع بشرطين: أن يكون المصاب قد بلغ ثلث جميع الثمن 26 الذي وقع به البيع أولًا 27، وأن يكون قدر ثلث مكيلته.
فإن فقد أحد هذين الشرطين فلا جائحة؛ ونسب الباجي وغيره هذا القول لابن القاسم 28، ونسبه ابن يونس لابن المواز ولمالك من رواية ابن حبيب أن المعتبر كل جنس على حدته بما يخصه من الثمن 29، ولأشهب أن المعتبر ثلث الجميع، فإن بلغ المجاح ثلث الثمن فأكثر وضع من غير التفات إلى قدر الجائحة من الثمن 30 ولا فرق بين كون هذه الأجناس في حائط أو حائطين فأكثر لكن 31، شملته الصفقة الواحدة 32.
ابن رشد: وسواء أجيح بعض حائط أو حائط 33 أو بعض حائط وحائط أو من كل حائط بعضه 34.
قوله: (وَإِنْ تَنَاهَتِ الثَّمَرَةُ، فَلا جَائِحَةَ كَالْقَصَبِ الْحلْوِ، ويَابِسِ الْحَبِّ) أي فإن بيعت الثمرة بعد أن تناهت فلا جائحة فيها ونحوه في المدونة، قال: وهكذا إن ابتاعها بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 22
إمكان 35 الجذاذ واليبس 36. وقال أيضًا: ولا يوضع في القصب الحلو جائحة؛ إذ لا يجوز بيعه حتى يطيب ويمكن قطعه 37. قال سحنون: وقد قال ابن القاسم توضع جائحة 38، واختلف قوله فيه في كتاب محمد 39. قال في المدونة: وكل ما لا يباع إلا بعد يبسه من الحبوب من قمح، أو شعير، أو قِطنية وشبهها، أو سمسم، أو حب فجل الزيت فلا جائحة في ذلك 40. قوله: (وخُيِّرَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ بَيْنَ سَقْي الْجَمِيعِ أو 41 تَرْكِهِ، إِنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ) يريد أن من أخذ نخلًا مساقاة فلما عمل أصابت الثمرةَ جائحةُ، فأسقطت ثلثها فأكثر، فإنه يخير بين سقي جميع الحائض أو ترك جميعه وقاله في المدونة 42. ابن يونس: عن محمد وهذا إذا كانت الجائحة شائعة، وأما إن كانت في ناحية منه فلا سقي عليه فيها 43. ويسقي السالم وحده ما لم يكن السالم حد الثلث فدون 44، وأبقى عبد الحميد 45 المدونة على ظاهرها وأنه لا فرق بين أن يكون المجاح مشاعًا أم لا؟ قال في المدونة: وإن أجيح دون 46 الثلث لم يوضع عنه سقي شيء من الحائط كله 47 ولزمه عمل الحائط كله 48.
الجزء: 4 - الصفحة: 23
قوله: (ومُسْتَثْنى كَيْلٍ مِنَ الثَّمَرَةِ ... إلى آخره) يريد أن من باع ثمرة على أصولها واستثنى منها كيلًا معلومًا فأجيحت الثمرة بما ينقص قدرها الثلث فأكثر، وهو معنى قوله: (تجاح بما يوضع).
قوله: (يَضَعُ (1) عَنِ مُشْتَرِيه بِقَدْرِهِ) هذا مما لا خلاف فيه.
وقوله: (بقدره) أي فإن نقصت الثمرة الثلث وضع عنه ثلث الثمن، وإن نقصت النصف وضع عنه نصف الثمن وعلى هذا.
واختلف هل ينقص من العدد الذي استثناه البائع تلك النسبة التي نقصت للمشتري أم لا (2)، فإن كانت الجائحة الثلث أدى المشتري (3) ثلثي الثمن، وأخذهما البائع مع ثلثي الأرادب.
أو يأخذ البائع أرادبه كاملة مع ثلثي الثمن.
في ذلك روايتان: الأول": رواية ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم، وبهذا أخذ أصبغ، وصوبها ابن المواز وقال بها أقول.
والثانية: رواية ابن وهب عن مالك (4).
فصل [في أحكام اختلاف المتبايعين]
(المتن)
فَصْلٌ إِنِ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، أَوْ نَوْعِهِ، حَلَفَا وَفُسِخِ، وَرَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا.
وَفِي قَدْرِهِ؛ كَمَثْمُونِهِ، أَوْ قَدْرِ أَجَلٍ، أوْ رَهْنٍ، أوْ حَمِيلٍ، حَلَفَا وَفُسِخَ، إِنْ حُكِمَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَتَنَاكُلِهِمَا، وَصُدِّقَ مُشْتَرٍ ادَّعَى الأَشْبَهَ، وَحَلَفَ إِنْ فَاتَ، وَمِنْهُ تَجَاهُلُ الثَّمَنِ، وَإِنْ مِنْ وَارِثٍ، وبُدِّي الْبَائِعُ، وَحَلَفَ عَلَى نَفْي دَعْوَى الآخر مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي انْتِهَاءِ الأَجَلِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الَتَّقَضِّي، وَفِي قَبْضِ الثمَنِ أَوِ السِّلْعَهِ فَالأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا إِلَّا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ أَوْ بَقْلى بَانَ بِهِ وَلَوْ كَثُرَ، وَإِلَّا فَلا، إِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الأَخْذِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُقْبَلُ الدَّفْعُ؟ أوْ فِيمَا هُوَ الشَّأْنُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ.