قوله: (وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ) هو لسحنون، قال: ومن قتل من نُهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ هرم فإن قتله في دار الحرب قبل أن 2 يصير مغنمًا؛ فليستغفر الله ولا شيء عليه، وإن قتله بعد أن صار مغنمًا 3 فعليه قيمته، يجعل ذلك الإمام في المغنم 4، وهو مراده بقوله: (وإن حيزوا) أي: صاروا بيد المسلمين، وأما قوله: (كمن لم تبلغه دعوة) فيريد به 5 أن من قَتَل من لم تبلغه الدعوة قبل أن يدعوه للإسلام والجزية أنه لا شيء عليه إلا الاستغفار، وعن بعض البغداديين: أن المقتول إن ثبت أنه متمسك بكتابه أو أمر نبيه على حسب ما اقتضاه كتابه ولم يعلم ببعثة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أن على قاتله الدية.
قوله: (وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ) هو مفرع على القول بعدم قتلهما؛ أي: وإذا قلنا بعدم القتل فهما حران ولا يسترقان، ولم يحكِ اللخمي في الراهب خلافًا، وحكي عن سحنون في الراهبة أنها تسترق، وعن مالك خلافه كما هنا، وفي كلامه هذا 6 تنبيه على أن الراهبة حرة 7 لا تقتل أيضًا كالراهب؛ لأنها إذا لم تسترق فلا تقتل 8.
قوله: (بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ) هو متعلق بقوله: (قتلوا).
يريد أن الكفار يقتلون بكل نوع1
الجزء: 2 - الصفحة: 456
من أنواع الحرب كقطع الماء عنهم وإرساله عليهم، ورمي بالمجانيق، وضرب بالسيف، وطعن بالرمح وشبهه من آلة القتال، فقوله: (وآلة) معطوف على قوله: (بقطع ماء) أي: يقتلون بقطع ماء وآلة، وحكى ابن حبيب 9 عن مالك أنه لا يجوز قتلهم بقطع الماء عنهم ولا رميهم بالمجانيق 10.
قوله: (وَبِنَارٍ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَإِنْ بِسُفُنٍ وَبِالْحِصْنِ) لا خلاف في جواز قتلهم بالنار إذا لم يمكن غيرها وخيف منهم 11 وليس معهم مسلم، فأمَّا إذا لم يخف منهم وقدر 12 عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقتلون بها، وعن مالك جوازه 13، والأول أظهر، لقوله عليه السلام "لا يعذِّب بالنار إلا الله تعالى" 14.
ابن زرقون: والخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، فأما إذا كان العدو في سفينة ونحن كذلك 15 "فلا خلاف في جواز رميهم بالنار وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنا إن لم نرمهم بها رمونا بها، وعلى هذا فقوله: (وإن بسفن) ليس من أماكن المبالغة، نعم لو قال: وإن بحصن حسن ذلك، واحترز بقوله: (ولم يكن فيهم مسلم) مما إذا كان في الحصن مسلم، فإنه لا يحرق 16 قولًا واحدًا.
حكاه ابن يونس 17.
قوله: (بِغَيْرِ حَرْقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرّيَّةٍ) يريد ان ما تقدم من جواز قتلهم بالنار وبالماء إنما هو إذا لم يخف على ذريتهم من ذلك، فإن خيف عليهم من ذلك 18 تركوا.
يريد: ما
الجزء: 2 - الصفحة: 457
لم يخف على المسلمين كما قال بعد ذلك، وحكى صاحب البيان 19 وابن زرقون إذا كان معهم النساء والصبيان في الحصن أربعة أقوال:
الأول 20: لابن القاسم: أنهم لا يحرقون ولا يغرقون ولا يرموا بالمجانيق 21، ولأصبغ جواز ذلك، ولابن حبيب جواز ما عدا التحريق، ومذهب المدونة أنهم لا 22 يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون.
ابن رشد وابن زرقون: وهذا ما لم يكن في الحصن أسرى مسلمون وإلا فلا يرمون بالنار ولا يغرقون 23، واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم 24 بالمجانيق، فلابن القاسم وأشهب الجوا ز 25 خلافًا لابن حبيب، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين، ولا ترمى سفنهم بالنار إن كان معهم مسلمون أو ذرية عند ابن القاسم خلافًا لأشهب 26، وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإلا رموا، وعند 27 اللخمي: إن كان العدو طالبين ولم يقدر عليهم إلا بالنار جاز ذلك قولًا واحدًا 28، ويختلف إن كانوا مطلوبين فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يجوز رميهم بها أم لا 29؟
قوله: (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا، إِلا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ التُّرْسُ، إِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ المُسْلِمِينَ) المراد بالترس هنا أن يجعل الكفار المسلمين بين أيديهم يتقوا بهم من ضرب المسلمين 30 كالتُّرس، وهذا الذي ذكره قريب منه قوله في الجواهر: وإذا تترسوا
الجزء: 2 - الصفحة: 458
بالنساء والذرية تركناهم إلا أن يخاف من تركهم على المسلمين فنقاتلهم وإن اتقوا بهم، ولو تترس كافر بمسلم لم يقصد التُّرس وإن خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلمين (1) لا يباح بالخوف على النفس، فإن تترسوا في الصف ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر وخيف استئصال قاعدة الإسلام وجمهور المسلمين وأهل القوة منهم- وجب الدفع وسقط مراعاة أمر الترس (2).
[في ما يحرم في الجهاد]
(المتن)
وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إِلَّا لِخِدْمَةٍ، وَإرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ، وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضهِمْ، كَمَرْأَةٍ إِلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ، وَفِرَارٌ؛ إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، إِلَّا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ إِنْ خِيفَ.
وَالْمُثْلَةُ.
وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ، وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْغُلُولُ.
وَأُدِّبَ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ.
وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا، وَحِزَامًا، وَإِبْرَةً، وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا: كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ، وَرَدَّ الْفَضْلَ إِنْ كَثُرَ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ،