قوله: (فإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيرهِ وَغَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ) يريد: أن المغصوب منه إذا وجد غاصب المقوم في غير محل الغصب وليس معه ذلك المقوم فإن له تضمينه قيمته وهذا مما لا خلاف فيه وله أن يصبر حتى يأخذه في محل الغصب 3 كالمثلي ويطلب حينئذ الغاصب إلى 4 الخروج معه أو مع وكيله ليقبض منه ذلك.
5
قوله: (وَمَعَهُ أَخْذَهُ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ) أي: فإن وجد الغاصب في غير محل الغصب لكن وجد معه ذلك المغصوب المقوم فإنه يأخذه بالشرط المذكور، وحكي في هذه المسألة في المقدمات ثلاثة أقوال: أحدها: أن النقل 6 فوت فيخير المالك بين أخذ متاعه أو يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب 7 وهو قول أصبغ 8، وحكاه ابن يونس12
الجزء: 4 - الصفحة: 394
والباجي عن أشهب 9، وهو اختيار محمد، إلا أنه قيده بما بَعُد عن محل الغصب، ابن رشد 10: والقول الثاني: أن ذلك ليس بفوت فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ متاعه وهو قول سحنون 11، والثالث: الفرق بين الحيوان والعروض، فتفوت العروض 12 فيكون المغصوب منه بالخيار بين الأخذ أو تضمين القيمة يوم الغصب في البلد الذي غصبها فيه، ولا يفوت الحيوان فيأخذه حيث وجده 13، وليس له أن يضمن الغاصب قيمته 14، قال: وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى كراء عليه 15، كالدواب 16 والوحش من الرقيق، وأما الرقيق 17 الذي يحتاج إلى كراء عليه 18 من بلد إلى بلد فحكمه حكم العروض 19، وإلى هذا التقييد أشار بقوله هنا بما ذكر، وحكي ابن الحاجب عن ابن القاسم أنه في الحيوان يلزمه أخذه، وفي غيره يخير بين أخذه وبين قيمته في موضعه 20، وهكذا هو في ابن يونس 21، وقال ابن عبد السلام: إنما هو رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك في المجموعة 22، وظاهره أنه قول رابع، وحكى ابن زرقون عن ابن القاسم أن نقل الحيوان والعروض فوت يوجب له قيمة ذلك حيث وجده 23.
الجزء: 4 - الصفحة: 395
قوله: (لا إِنْ هَزِلَتْ جَارَيةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْد صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ) أي: فليس للمالك غير ذلك.
قوله: (ثُمَّ عَادَ) قيد في المسألتين، أي 24: غصب الجارية فهزلت عنده، ثم عادت لهيئتها والعبد نسي الصنعة ثم عاد إليها، ونبه بهذا على أنه لا فرق بين التغير الحسي والمعنوي.
قوله: (أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ) أي: فلا يكون لمالكه غيره، وأحرى إذا زادت قيمته بذلك، وقاله في الجواهر، قال: وإن خصاه فنقص ضمن النقص 25.
قوله: (أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ) يريد: أن من جلس على ثوب غيره في الصلاة فقام صاحب الثوب؛ فانقطع الثوب فإن الجالس لا شيء عليه، ولا بد للناس من هذا في مصلاهم ومجالسهم، وقاله عبد الملك وأصبغ.
قوله: (أَوْ دَلَّ لِصًّا) أي: دله على مال غيره فأخذه فإن الدال لا شيء عليه، ونقله أبو محمد عن بعضهم، قال: وقال بعض متأخري أصحابنا يضمن 26.
قوله: (أَوْ أَعَادَ مَصُوغًا عَلَى حَالِهِ) يريد: أن من غصب حليًا فكسره، ثم رده على حاله الأول فإنه لا ضمان عليه، وقاله ابن القاسم وأشهب، وقال محمد: يضمن القيمة لأنه بمجرد كسره ضمنه، وهو الظاهر 27.
قوله: (وَعَلى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ) أي: وإن أعاده على غير حالته الأولى فعليه قيمته.
قوله: (كَكَسْرِهِ) ظاهره أن الغاصب يأخذ ذلك الحلي الذي كسره ويغرم قيمته لربه وهو الذي رجع إليه في الخلخالين إذا كسرهما وكان أولًا يقول: إنما عليه ما نقصت الصياغة 28، وقال في باب الغصب والرهن: عليه 29 قيمة الصياغة 30، يريد: لأن 31
الجزء: 4 - الصفحة: 396
الصياغة 32 كسلعة 33 مضافة إلى عين 34 الذهب والفضة، وجعل أبو عمران قيمة الصياغة وما نقصته الصياغة سواء، وإنما يعني بذلك ما بين قيمتهما صحيحين.
ابن عبد السلام 35: ويحتمل أن يكون المراد بما نقصه، ما نقصه 36 فساد الصياغة من قيمة الجميع مصوغًا، وهو ظاهر كلامه، فيكون في المسألة ثلاثة أقوال 37.
قوله: (أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فتَلِفَتِ الذات 38) (معطوف على قوله: "لا إن هزلت" أي فإنه) 39 أي فلا شيء عليه في تلك الذات، وإنما يضمن المنفعة التي استولى عليها 40 كما إذا 41 غصب منفعة دار أو حانوت فسكنه ثم انهدم فإنما عليه كراؤه، لأنه الذي تعدى عليه.
قوله: (أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً) أي: فإن الغاصب لا شيء عليه لأنه متسبب وربه 42 مباشر، والمباشر مقدم.
وقوله: (ضِيَافَةً) أي: أن الغاصب قدم الطعام المغصوب لربه فأكله عنده على سبيل الضيافة، يريد: وسواء علم مالكه أنه طعام أم لا.
قوله: (أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ) أي: فإن غصب سلعة 43 فنقص سوقها عنده لم يضمن لربها شيئًا ويأخذ سلعته فقط، وهذا هو المشهور، وروى أنه كنقص الدار 44 يخير ربها
الجزء: 4 - الصفحة: 397
بين أخذها أو أخذ قيمتها، ورجحه ابن يونس وغيره.
قوله: (أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ) أي: وكذا (1) لا ضمان على من غصب دابته فسافر عليها ثم رجع بها من سفره على حالها لم تتغير، وسواء كان السفر قريبًا أو بعيدًا وهو المشهور، وقيل: يخير ربها بين أخذها أو (2) أخذ قيمتها، وكذلك حكم السارق.
(المتن)
وَلَهُ فِي تَعَدِّي كَمُسْتَأْجِرٍ، كِرَاءُ الزَّائِدِ إِنْ سَلِمَتْ، وَإلَّا خُيِّرَ فِيهِ وَفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ وَإِنْ تَعَيَّبَ، وَإِنْ قَلَّ كَكَسْرِ نَهْدَيْهَا أَوْ جَنَى هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ فِيهِ، كَصَبْغِهِ فِي قِيمَتِهِ وَأَخْذِ ثَوْبِهِ، وَدَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ، أَوْ فِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ، وَدَفْعِ قِيمَةِ نُقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يتَوَلَّهَا.
وَمَنْفَعَةَ الْبُضْعِ وَالْحُرِّ بِالتَّفْوِيتِ، كَحُرٍّ بَاعَهُ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ، وَغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ.