قوله: (ولَوِ ادَّعَاهَا رَجُلانِ فَأَنْكَرَتْهُما أَوْ إِحْدَاهُمَا وأَقَامَ كُلٌّ الْبَيِّنَةَ فُسِخَا كَالْوَليَّيْنِ).
قوله: (ادَّعَاهَا رَجُلانِ) أي: ادعى كلّ منهما أنه تزوجها، وأنها 1 في عصمته فأنكرتهما معًا 2، أو أنكرت واحدًا فقط، وأقام كلّ واحد منهما بينة عادلة على صدق دعواه، فإن النِّكَاحين يفسخان بطلقة، مالك في الموازية: ولا أنظر إلى أعدل البينتين 3، محمد: وهذا عندي إذا أنكرتهما معًا، أما إذا أقرت بواحد فأحب إليَّ أن تكون امرأته 4، وقال سحنون: يقضى بالأعدل من البينتين 5، بعض الشيوخ: وهذا كله إذا استويا في التأريخ 6؛ فأما إذا أرخت إحدى البينتين دون الأخرى فإنه يقضى بالتي أرخت، ابن الهندي: فإن أرخت إحداهما بالشهر والأخرى باليوم من ذلك الشهر قضي باليوم؛ إلَّا أن تقطع التي أرخت بالشهر أن النِّكَاح كان قبل ذلك اليوم 7.
قوله: (وَفِي التَّوْرِيثِ بِإِقْرَارِ الزَّوْجَيْنِ غَيْرِ الطَّارِئَيْنِ والإِقْرَارِ بِوَارِثٍ ولَيْسَ ثَمَّ وَارِثٌ ثَابِتٌ خِلافٌ) يريد أن أهل المذهب اختلفوا في الزوجين البلديين 8 وهما المراد بغير الطارئين إذا أقرا بالنِّكَاح هل يثبت بينهما توارث أو لا؟ وظاهر حكاية اللخمي عن محمد ثبوت التوارث 9، وقال ابن عبد السلام: والأقرب عدمه، وكذلك اختلفوا إذا أقر المريضء 10 بوارث كابن العم والأخ أو نحوهما، ولم يعلم له وارث ثابت النسب، ابن رشد 11:
الجزء: 3 - الصفحة: 74
والقبول 12 جار 13 على قول ابن القاسم؛ لأنه بمال لكن لا يثبت بذلك نسبه، وعلى أصل 14 أشهب: لا يرث؛ لأن الإرث فرع ثبوت النسب 15.
قوله: (بِخِلافِ الطَّارِئَيْنِ) أي: فإنهما يتوارثان بلا خلاف؛ لأنهما 16 يقران على الزوجية.
قوله: (وَإِقْرَارِ أَبَوَيْ غَيْرِ الْبَالِغَيْنِ 17) أي: وهكذا يثبت الميراث إذا أقر أبو 18 الصبي وأبو الصبية بثبوت النِّكَاح بينهما؛ إذ لا تهمة عليهما في ذلك، ولأنهما قادران على إنشاء ما أقرا به الآن، ثم أشار بقوله.
(وَقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُكِ، فَقَالَتْ: بَلَي، أَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ قَالَ: اخْتَلَعْتِ مِنِّي، أَوْ أَنَا مِنْكِ مُظَاهِر، أَوْ حَرَامٌ، أَوْ بَائِنٌ، في جَوَابِ طَلِّقْنِي) إلى أن النِّكَاح يثبت بذلك، وعلى هذا فقوله هنا معطوف على قوله في صدر الفصل إذا تنازعا في الزوجية ثبت النِّكَاح 19 ببينة، أي 20 وبقوله تزوجتك وما بعده، ويصح أن يكون معطوفًا على قوله وإقرا ر أبوي غير البالغين مقبول 21، أي: وكذلك قول 22 الزوج تزوجتك إلَّا آخره، ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا، والمعنى: وبقول الرجل قد تزوجتك فتقول المرأة 23: بك.
يحصل به الإقرار بالزوجية، ثم كذلك بقية المعطوفات، فأما قولها في جوابه 24 بلى فهو إقرار لغة وعرفًا من كلّ واحد منهما بالزوجية، وأما قولها
الجزء: 3 - الصفحة: 75
"طلقني: أو "خالعني" 25 في جواب قوله: 26 تزوجتك فهو أيضًا كذلك؛ لأن المرأة لا تطلب ذلك من غير زوج، وقوله: أو قال 27: اختلعت مني يعني: جوابًا لقول المرأة قد تزوجتني، وإنما كان إقرارًا؛ لأن الاختلاع لا يكون إلَّا عن زوجة.
قوله: (أَوْ أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ بَائِنٌ فِي جَوَابِ طَلِّقْنِي) أي: وكذلك يحصل الإقرار من الرجل بأحد هذه الألفاظ الثلاثة إذا قالت له 28 المرأة طلقني، ولا خلاف عندنا في ذلك.
قوله: (لا إِنْ لَمْ يُجِبْ) أي: فإن ذلك لا يكون إقرارًا إذا لَمْ يترتب على عدم الإجابة في مثل هذا حكم 29.
قوله: (أَوْ أَنْتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمي) يريد من غير سؤال تقدم من المرأة؛ لأن ذلك يصدق على الأجنبية وغيرها، وقاله ابن سحنون 30.
قوله: (أَوْ أَقَرَّ فَأَنكرَتْ ثُمَّ قَالَتْ نَعَمْ فَأَنْكرَ) أي: وكذلك لا يكون مثل 31 هذا إقرارا منهما بالزوجية؛ لعدم اشتراكهما في زمان السؤال والجواب؛ لأن إنكارها أولًا مكذب لدعوى الرجل، وقولها بعد ذلك نعم، وإن كان تصديقًا فهو كابتداء الدعوى منها عليه بالزوجية، وقد عقب هو 32 ذلك بإنكاره فلم يتفقا على زمان واحد يصدق كلّ منهما فيه صاحبه، بل صار كلّ من ادعى منهما الزوجية كذبه الآخر، والنِّكَاح لا يثبت بمجرد الدعوى.
قوله: (وفِي قَدْرِ الْمَهْرِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ جِنْسِهِ حَلَفَا وفُسِخَ) أي: فإن وقع تنازعهما في أحد هذه الأمور الثلاثة بأن قالت المرأة صداقي 33 مائة، وقال هو خمسون أو
الجزء: 3 - الصفحة: 76
قالت (1): أصدقتني (2) عبدًا تركيًا، وقال هو: بل حبشيًا، أو قالت: تزوجني بعشرين دينارًا، وقال هو: بل بمائة درهم، ونحو ذلك فإنهما يتحالفان ويفسخ النِّكَاح، يريد إذا كان قبل البناء ولم يحصل موت، ولا طلاق، ويدل عليه ما يقوله بعد هذا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر ثبت النِّكَاح، ولزم الناكل ما حلف عليه صاحبه، ولا خلاف فيه إلَّا ما أشار إليه (3) بعضهم أن هذا يجري على اختلاف المتبايعين، وهذا إذا كانت المرأة مالكة أمر نفسها، وإلا فوليها الذي عقد نكاحها أو وصيها وكذلك في الزوج.
(المتن)
وَالرُّجُوعُ لِلأَشْبَهِ.
وَانْفِسَاخُ النِّكَاحِ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ، وَغَيْرُهُ كَالْبَيعِ، إِلَّا بَعْدَ بِنَاءٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ مَوْتٍ فَقَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَلَوِ ادَّعَى تَفْوِيضًا عِنْدَ مُعْتَادِتهِ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، ورد الْمثل فِي جِنْسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَوْقَ قِيمَةِ مَا ادَّعَتْ أَوْ دُونَ دَعْوَاهُ، وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَا كَلَامَ لِسَفِيهَةٍ.
وَلَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى صَدَاقَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ لَزِمَا، وَقُدِّرَ طَلَاقٌ بَيْنَهُمَا، وَكُلِّفَتْ بَيَانَ أَنَّهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ، وإنْ قَالَ: أَصَدَقْتُكِ أَبَاكِ، فَقَالَتْ: أُمِّي، حَلَفَا وَعَتَقَ الأَبُ، وَإِنْ حَلَفَتْ دُونَهُ عَتَقَا، وَوَلَاؤُهُمَا لَهَا، وَفِي قَبْضِ مَا حَلَّ، فَقَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلُهَا، وَبَعْدَهُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ فِيهِمَا، عَبْدُ الْوَهَابِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِكِتَابٍ، وَإِسْمَاعِيلُ: بِأَنْ لَا يتَأخَّرَ عَنِ الْبِنَاءِ عُرْفًا.