قوله: (وفي الاختيار لا يلزمه شيء) أي: فإن اشترى أحدهما على أن يختاره منهما ثم مضت مدة الخيار، فإنه لا يلزمه شيء منهما.
ابن يونس 1: وسواء كانا بيد البائع أو بيد المبتاع إذ بمضي أمد 2 الخيار ينقطع خياره إذ لم 3 يقع البيع على ثوب معين فيلزمه، وعلى إيجاب أحدهما فيكون شريكًا.
ولما فرغ من الكلام على خيار التروي شرع في الكلام على خيار النقيصة؛ وهو: أن يجد المشتري بالسلعة نقصًا يخالف ما التزمه البائع شرطًا أو عرفًا في زمان ضمانه؛ وإليه أشار بقوله: (ورد بعدم مشروط فيه غرض)؛ أي فإن ابتاع 4 سلعة واشترط فيها شرطًا فيه غرض؛ يريد سواء كان فيه مالية أم لا، فلم يوجد فيها ما اشترط، فإنه يخيَّر في ردها والتمسك بها.
قوله: (كثيب ليمين فيجدها بكرًا) أي: كما إذا ابتاع أمة على أنها ثيب، فيجدها بكرًا ويقول على يمين؛ أي: لا أطأ بكرًا، وقد ذكر الأصحاب في هذه المسألة ونحوها روايتين.
ابن رشد: والصحيح أن له الرد 5؛ عملًا بالشرط.
قال في البيان: وإذا نادى الذي يبيع الجارية في الميراث أنها عذراء أو غير ذلك ثم توجد بخلافه، فإن 6 له الرد؛
الجزء: 3 - الصفحة: 598
وإليه أشار بقوله: (وإن بمناداة) ابن شاس 7: فإن شرط ما لا غرض فيه ولا مالية ألغي الشرط ولم يثبت له خيار وإليه أشار بقوله: 8 (لا إن انتفى) 9 أي الغرض؛ يريد: مع المالية.
قوله: (وبما العادة السلامة منه) يريد: أن له الرد أيضًا إذا وجد في المبيع نقصًا تقضي العادة بالسلامة منه؛ أي إن كان النقص في الثمن فقط؛ كما إذا وجد العبد آبقًا أو في المبيع 10 فقط 11 كالخصاء في العبد، أو في التصرف كالعسر والتخنث، أو خوفًا في العاقبة؛ كجذام الأبوين.
قوله: (كعور وقطع وخصاء) قد تقدم هذا؛ قال في المدونة: ومن اشترى أمة فوجدها مستحاضة فهو عيب ترد به 12. وإليه أشار بقوله: (واستحاضة).
محمد: هو عيب في الفارهة والوخش.
قال 13: وهذا إذا ثبت أنها كانت عند البائع مستحاضة؛ لأنه مما يحدث؛ فأما إذا وضعت للاستبراء فحاضت ثم استمرت مستحاضة فهو من المشتري ولا رد له، وقاله أشهب 14.
قوله: (ورفع حيضة استبراء): أي فإن اشترى أمة ممن تحيضر فوضعت للاستبراء فلم تحض، فإن ذلك عيب يثبت الخيار في الرد والإمساك.
قال ابن القاسم في المدونة: إلا أنها لا ترد في ارتفاعه بأيام يسيرة؛ لأن الحيض يتقدم ويتأخر بالأيام اليسيرة حتى يطول ذلك، فيكون ضررًا في منع المبتاع من الوطء والسفر بها، فترد ولا يحد 15 مالك شهرًا ولا شهرين 16. وفي الموازية عن مالك: بالشهرين يثبت له الرد، وقال أشهب:
الجزء: 3 - الصفحة: 599
لا ترد بالشهر والشهرين حتى يطول أمرها 17. قال: وإن مضى لها ثلاثة أشهر نظرها القوابل، فإن لم يكن بها حمل حل للمشتري وطؤها.
قوله: (وعسر) أي ومما هو عيب ترد به العسر في الرقيق.
الشيخ: والعسر في الرقيق بفتح العين والسين المهملتين 18. والأعسر: هو الذي يعمل بشماله دون يمينه.
قوله: (وزنا وشرب) الزنا وشرب الخمر عيب عند مالك في العبد والجارية وخشًا أو عليًا 19.
قوله: (وبخر) المتيطي: وسواء كان في الفم أو الفرج وقال غيره: هو عيب في الفرج في الرائعة فقط 20.
قوله: (وزعر) أي إذا اشترى أمة فوجدها زعراء العانة لا شعر لها أو عليها شعر قليل، فإن له ردها.
قال في المدونة 21: وكذلك الزعراء في غير العانة إذا لم ينبت فهو عيب 22. محمد: يريد بذلك في ساقها وجسدها 23. ابن حبيب: وهو مما يتقى عاقبته 24 من الداء السوء.
قوله: (وزيادة سن) يريد أن الأمة أو العبد إذا وجد لهما سن زائدة فإنها عيب يرد به.
ابن حبيب: وسواء كانا رفيعين أو وَخشين 25 وضيعين 26.
قوله: (وظفر) أي وكذلك يكون الظفر في العين عيبًا، ومثله الفص 27 في سواد العين وهو واضح.
والظفر بفتحتين: جلدة تغشي العين من الجانب الذي يلي الأنف
الجزء: 3 - الصفحة: 600
على بياض العين إلى سوادها 28.
قوله: (عجر وبجر) وأصل العجر: العقد الناتئة في العصب، والبجر: العقد الناتئة في البطن، وقيل: قوله: وعجر وبجر: أي عجر تعظيم البطن، وبجر هو خروج السرة ونحوها 29.
قوله: (ووالدين أو ولد) 30: يريد أن المشتري إذا وجد للعبد أو للأمة والدين أو ولدًا، فإن له الرد بذلك؛ لأن قوة الألفة لهم والتحنن 31 إليهم يبعث على الإباق نحوهم وإيثارهم بما في يده من القوة وغيره، ولا رد له في غير هؤلاء من الأقارب، ولهذا قال: (لا جد ولا أخ) أي فلا يكون وجود واحد 32 منهما عيبًا يثبت الرد، وكذلك الأعمام وبنوهم وبنو الأخوة.
ابن شاس: ومال بعض المتأخرين إلي إلحاق الجد للأم بالأم.
قلت: وكذلك الجدة للأم لأنه يأوي إليهما 33، وجعل في المدونة الزوج للأمة والزوجة 34 للعبد كالوالدين.
ابن يونس: وإن مات من ذكرنا من زوج أو زوجة أو ولد أو من كان من الأبوين قبل الرد فلا رد له، قاله: مالك.
ابن حبيب: إلا أن تكون أمة رائعة فالزوج لها، وإن مات عيب للمبتاع الرد به 35.
قوله: (وجذام أب) ليس المراد خصوصية الأب بل جميع الآباء كذلك لما يتقي من معاقبته في النسل؛ إذ قد يكون فسادًا في النطفة، فيتعدى في النسل، وهذا هو المشهور.
وقال ابن كنانة: ليس بعيب، ورواه داود بن جعفر عن مالك.
وقال محمد بن دينار: لا يكون عيبًا إلا إذا قال أهل العلم أنه مرض يعم الأقارب حتى لا يخطيء أحدًا 36؛
الجزء: 3 - الصفحة: 601
فحينئذ يرد به، وإن كان ربما أصاب أو لم يصب فلا رد به 37.
قوله: (أو جنونه 38 بطبع لا بمس جن) يريد أيضا أن الجنون من العيوب المثبتة للرد.
ابن شاس: وذلك إذا وجد من فساد طبع، وأما إذا كان من مس الجان فلا يرد به؛ إذ لا يخشى التعدي في النسل 39.
قوله: (وسقوط سنين وفي الرائعة الواحدة) يريد أن سقوط السنين عيب يثبت به الرد في العبد والجارية، وإن سقوط السن الواحدة لا يكون عيبًا إلا في الأمة الرائعة فقط.
وهي الجميلة بالراء والعين المهملتين، والياء المثناة من تحت، وظاهر كلامه سواء كان سقوط السن الواحدة ينقص من ثمن الرائعة أم لا.
وفي الموازية 40 لا يكون عيبًا إلا إذا نقص من ثمنها.
وفي الواضحة أن سقوط الواحدة عيب في الرائعة مطلقًا، وليس عيبًا في الدنية ولا في العبد إلا في مقدم الفم 41.
قوله: (وشيب بها فقط وإن قل) أي في الرائعة، وهذا الذي ذكره هو ظاهر المدونة 42.
وقال ابن عبد الحكم: ليس بعيب، ومثله لمالك في الواضحة.
وقال أشهب: ترد بالكثير لا بالقليل 43 إلا أن يعلمه البائع ويكتمه فيرد به وإن قل.
وقال 44 ابن المواز: وكل هذا في الشابة ونبه بقوله: (فقط) على أن ذلك لا يكون عيبًا إلا في الرائعة 45، وهو ظاهر في الصغيرة 46، وأما الكبيرة 47 فظاهر المدونة أنه ليس بعيب، وقيل: عيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 602
قوله: (وجعودته وصهوبته) يريد أن جعودة شعر الأمة وهو كونه غير مرجل، وصهوبته: وهو كونه يضرب إلى حمرة، عيب يبيح ردها، وظاهره سواء كانت رائعة أو وخشًا، وقيل: إنما ذلك في الرائعة.
قوله: (وكونه ولد زنى ولو وخشًا) يريد أن المبتاع إذ ااطلع على أن العبد أو الأمة ولد زنا فإن له ردهما ولو كان من وخش الرقيق.
وقيل: ليس له ذلك، وقيل: له ذلك في غير الوخش 48، وحكى هذه الأقوال الثلاثة ابن رشد، وظاهر ما حكاه ابن حبيب 49 عن مالك: أنه يفرق في الوخش بين الذكر والأنثى.
قوله: (وبول في فراش في وقت ينكر) يريد أن المبتاع إذا وجد الأمة تبول في الفراش في الوقت الذي إذا بلغه الصغير لا يبول فيه غالبًا، فإن له ردها بذلك وحكم العبد كذلك.
ابن حبيب: وسواء بلغه 50 في هذا الوقت أو بعد ما كبرت، وعلى البائع أن لجت وإن انقطع؛ إذ لا يؤمن عوده.
وقال: وليس للمبتاع ردها حتى يبين أنها كانت تبول عند البائع فيردها، لأنه مما يحدث في ليلة فأكثر وإليه أشار بقوله: (إن ثبت عند البائع).
ابن حبيب: وإن لم تكن له بينة حلف البائع على علمه، ولا يحلف بدعوى المبتاع 51 حتى توضع بيد امرأة أو رجل فيذكر أن ذلك كان فيه 52. وهذا معنى قوله: (وإلا حلف إن أقرت عند غيره) أي وضعت عند غيره.
قال في المدونة: ويُرد العبد إن وجد مخنثًا، وكذلك الأمة المذكرة إذا اشتهرت بذلك 53، وإليه أشار بقوله: (وتخنث عبد وفحولة أمة إن اشتهرت) واختلف الأشياخ هل كلامه في المدونة محمول على الفعل نفسه كما إذا وجد العبد مؤنثا يؤتى أو وجدت الأمة مذكرة فحلة 54 كما يفعله شرار
الجزء: 3 - الصفحة: 603
النساء، وإليه ذهب عبد الحق وغيره من الصقليين (1). وكذلك (2) فسره ابن حبيب (3) عن مالك في الواضحة، أو هو محمول على التشبه في الأخلاق وتأنيث كلام العبد وتذكير كلام الأنثى، وإليه ذهب أبو محمد، وهذا معنى قوله: (هل هو الفعل أو التشبه؟ تأويلان).
(المتن)
وَغَلَفِ ذَكَرٍ.
وَأُنْثَى مُوَلَّدٍ، أَوْ طَوِيلِ الإِقَامَةِ، وَخَتْنِ مَجْلُوبِهِمَا، كَبَيْعٍ بِعُهْدَةٍ مَا اشْتَرَاهُ بِبَرَاءَ؛ ، وَكَرَهَصٍ، وَعَثَرٍ، وَحَرَنٍ، وَعَدَمِ حَمْل مُعْتَادٍ، لا ضَبْطٍ وَثُيُوبَةٍ، إِلَّا فِيمَنْ لا يُفْتَضُّ مِثْلُهَا، وَعَدَمِ فُحْشِ ضِيقِ قُبُلٍ، وَكَوْنِهَا زَلَّاءَ، وَكَي لَمْ يُنَقصْ، وَتُهْمَةٍ بِسَرِقَةٍ حُبِسَ فِيهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ، وَمَا لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا بتغيير: كَسُوسِ الْخَشَبِ، وَالْجَوْزِ، وَمُرِّ قِثَّاءٍ، وَلا قِيمَةَ، وَرُدَّ الْبَيضُ، وَعَيب قَلَّ بِدَارٍ، وَفِي قَدْرِهِ تَرَدُّدٌ، وَرَجَعَ بقيمة: كَصَدع جِدَارٍ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وجهتها، أَوْ بِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ: أو ملح بِئْرِهَا بِمَحِلِّ الْحَلاوَةِ، وَإِنْ قَالَتْ: أَنَا مُسْتَوْلَدَةٌ لَمْ تَحْرُمْ، لَكِنَّهُ عَيْبٌ، إِنْ رَضِيَ بِهِ بَيَّنَ.