قوله: (وَلا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرَقَّ إِنْ حَمَلَتْ بهِ بكُفْرٍ) يشير إلى قول ابن شاس: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرأة حاملًا من المسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه فالحمل سبي 1، فالضمير في (يمنعه) راجع إلى الاسترقاق، وفي (به) إلى الحمل.
قوله: (وَالْوَفَاءُ بِما فَتَحَ لَنَا به بَعْضُهُمْ) أي: وكذا يجب الوفاء لبعض العدو بالشيء الذي فتح لنا به الحصن 2 أو القلعة مثل أن يقول: أَمِّنوني على نفسي أو أولادي وعيالي أو على مالي ونفسي أو نحو ذلك على أن أفتح لكم، فإذا فعل ذلك وجب الوفاء له 3 بما دخل عليه.
قوله: (وَبِأَمَانِ الإِمَامِ مُطْلَقًا) أي: وكذا يجب الوفاء لمن أمَّنه الإمام.
يريد: أو أمير الجيش؛ لأنه قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقًا أو مقيدًا بزمان أو مكان أو صفة.
ابن بشير: ولا خلاف في ذلك بين الأمة 4، ومراده بالإطلاق أن من أمنه الإمام يجب له الوفاء في بلد ذلك السلطان وغيره، وليس لغيره من السلاطين إذا خرج إليه أن يستبيح دمه ولا استرقاقه 5 ولا غيرهما.
ابن يونس: وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إذا خرج 6 من بلادنا فهو آمن حتى يبعد من بلاد الإسلام 7.
قوله: (كَالمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ، وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ وَلِمَنْ خَرَجَ في جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الإِعَانَةُ) وهو معنى قول ابن شاس 8: ويجب على المبارز مع قرنه الوفاء
الجزء: 2 - الصفحة: 473
بشرطه، فلو أثخن المسلم وقصد تدفيفه 9 منعناه على أحد القولين، ولو خرج جماعة لإغاثته 10 لاستنجاده قتلناه معهم، وإن كان بغير إذنه لم نتعرض له 11، ولو خرج جماعة لمثلهم ففرغ 12 بعضهم من قرنه جازت إعانة من 13 ظفر لمن لم يظفر في القتل والدفع كما فعل حمزة وعلي - رضي الله عنهما - مع عبيدة بن الحارث بن المطلب 14. قوله: (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ المَصْلَحَةَ) يريد أن العدو أو أحدهم 15 إذا نزلوا بأمان على حكم من أمنهم، فإنهم يجبرون على المصير إلى حكمه الذي نزلوا عليه بشرط أن يكون عدلًا وقد عرف في ذلك المصلحة، فإن اختل شيء من ذلك نظر فيه الإمام، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا نَظَرَ الإِمَامُ) ثم 16 أشار بقوله: (كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إِقْلِيمًا) إلى أن غيره من آحاد الناس ليس له أن يؤمن العدو الكثير كأهل الإقليم، فإن فعل نظر في ذلك الإمام أيضًا فإما أمضاه أو رده بالمصلحة، نص عليه غير واحد، ونحوه في الجواهر 17. قوله: (وَإِلا فَهَلْ يجوزُ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، أَوْ يُمْضَى مِنْ مُؤَمِّنٍ مَيَّزَ 18 وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ رِقًّا أَوِ امْرَأَةً، أَوْ خَارِجًا عَلَى الإِمَامِ؟ ) هذا الاستثناء منقطع بخلاف ما قبله؛ أي: وإن لم يكن المؤمن عدلًا عارفًا بالمصلحة بل كان ممن ذكر من صبي وعدل وامرأة فهل يجوز إلى آخر كلامه 19، والمعنى أنه اختلف في تأمين المميز ومن ذكر معه هل هو جائز ابتداء أو لا؟ والأول قول مالك وابن القاسم في المدونة 20، وقال عبد الملك: الإمام مخير بين أن
الجزء: 2 - الصفحة: 474
يمضيه أو يرده (1). ابن يونس: وأصحابنا يحملون قوله على الوفاق خلافًا لعبد الوهاب (2)، قال هذا أشار بقوله: (تَأْوِيلانِ)، وحمل الباجي أيضًا قول عبد الملك على الخلاف (3). قوله: (لا ذِميًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ) أي: فإنهما لا يجوز تأمينهما؛ أما الذمي فحكى ابن الحاجب في تأمينه قولين أشهرهما أنه لا يجوز (4)، وعبر عنه بعضهم بالمشهور، وغيره بالظاهر، ومنهم من قال: هو الصحيح، والقول بالجواز نقله في النوادر عن ابن القاسم (5)، وأما الخائف (6) منهم أي (7) الخائف (8) من العدو فإنه لا يجوز تأمينه أيضًا إذا لم يراعِ في ذلك مصلحة المسلمين التي هي المقصود الأعظم في (9) التأمين؛ وإنما يراعي مصلحة نفسه لخوفه ممن أمنهم.
(المتن)
وَأُسْقِطَ الْقَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِلَفْظٍ، أَوْ إِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ، أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا، أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا، أَوْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ -لَا إِمْضَاءَهُ- أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ.
وَانْ أُخِذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ، وَقَالَ: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ، أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا، رُدَّ لِمَأمَنِهِ.
وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ، فَعَلَيهَا، وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ، فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيءٌ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ، وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتهِ لِوَارِثِهِ، كَوَدِيعَتِهِ، وَلقَاتِلِهِ إِنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَهَلْ إِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيءٌ؟ قَوْلَانِ.