قوله: (وخَرَجَتِ الْمُخَدَّرَةُ) أي: المستترة في بيتها، والخدر الستر للجارية في ناحية123
الجزء: 5 - الصفحة: 210
البيت، أو الهودج 4، قاله الجوهري، ويريد أنها تخرج في ما لَهُ بَالٌ كربع دينار فصاعدا، ويدل عليه قوله بعده، وتحلف في أقل ببيتها، والمشهور ما ذكر، وهو قول مطرف وعبد الملك، وعن ابن القاسم أيضا: لا تخرج إلا في المال الكثير الذي لَهُ بَالٌ، قال اللخمي: كالدينار فصاعدا.
قوله: (فِيما ادَّعَتْ، أَوِ ادُّعِيَ عَلَيْهَا) يريد: انه لا فرق في ذلك بين أن تكون هي صاحبة حق أو مطلوبة بحق.
قوله: (إِلا التِي لا تَخْرُجُ نَهَارًا، وَإِنْ مُسْتَوْلَدَةَ قَلِيلًا) واختلف الأشياخ في التي لا تخرج نهارا، فقال الأندلسيون تخرج ليلا، كما قال هنا، قالوا: وإن امتنعت حكم عليها بحكم النكول، وقال ابن كنانة وغيره: تحلف في بيتها والمدونة محتملة للقولين، وهذا فيما تطلب به، وتجب عليها، وأما فيما تستحق به حقها، فقال ابن كنانة: تخرج إلى موضع اليمين، ولم يذكر 5 في ذلك خلافا، وحكم أم الولد في خروجها وعدمه في اليمين الواجبة عليها حكم المخدرة، ولهذا قال في المدونة: وأم الولد مثل الحرة في ذلك، وقال بعضهم هي كالرجل في الخروج واليمين 6.
قوله: (وَتُحَلَّفُ فِي أَقَل بِبَيْتهَا) أي: وإن كان الحق الذي توجه على المراة اليمين بسببه أقل من ربع دينار، فإنها تحلف في بيتها.
قوله: (وَإِنِ ادَّعَى قَضَاءً عَلَى مَيِّتٍ يَحْلِفْ إِلا مَنْ يُظَن بِهِ الْعِلْمُ مِنْ وَرَثَتِهِ) يريد: أن من مات وله دين على غيره وطلب الورثة ذلك ممن هو عليه فادعي أنه قضاه للميت وأن الورثة عالمون بذلك فإنه يحلف من البالغين منهم من يظن بهم العلم كقريب القرابة المخالط له، وأما البعيد فلا يحلف كالصغير، ابن عبد السلام: وهو المذهب، ويحلف القريب 7 البالغ على نفي العلم فيقول ما علمت أنه قضاه شيئا، ولا يكلف البت، ثم يقضي لجميعهم.
قوله: (وحَلَفَ في نَقصٍ بَتًّا، وغِشٍّ عِلْمًا) يريد: أن من دفع لشخص دراهم أو دنانير
الجزء: 5 - الصفحة: 211
فوجدها ناقصة أو مغشوشة فإنه يحلف في نفي النقص على البت، فيقول والله ما أعطيته إلا تماما 8، لأن النقص يمكن فيه حصول العلم، وأما نفي الغش فيحلف على نفي العلم، فيقول: ما أعطيته إلا جيادا في علمي، وقيل: هذا في غير الصيرفي، وأما الصيرفي 9 فيحلف على البت مطلقا.
قوله: (وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ كَخَطِّ أبِيهِ، أَوْ قَرِينة) يريد: أن الحالف على البت يكتفي في الإقدام على ذلك بالظن القوي كاعتماده على خطه أو خط أبيه أو قرينة من نكول 10 خصمه، ونحو ذلك، وقيل: لا بد من اعتماده في ذلك على العلم، ولا يكفي الظن، والقولان في ذلك لمالك.
قوله: (وَيمِينُ الْمَطْلُوبِ مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا، ولا شَيْءٌ مِنْهُ) أي: كما إذا ادعى عليه بعشرة فأنكرها فإنه يحلف ما له عندي عشرة، ولا شيء منها.
قوله: (ونَفَى سَبَبًا، إِنْ عُيِّن وغيرَهُ) يريد: كما إذا قال أسلفته العشرة، فيقول في يمينه ما له عندي عشرة من سلف ولا غيره، فقوله: (وغَيْرَهُ) معطوف على سبب، فيكون معمولا لقوله: (ونَفَى سَبَبًا) أي: أن الحالف ينفي السبب الذي يذكره الطالب مع غيره، ونص عليه أشهب وسحنون 11. الباجي: والقياس الاكتفاء بما له عندي عشرة من سلف، أشهب: ولو لم يقل وغيره لم يجز اليمين، وقال مالك: يقبل ما له عندي حق وهو قول عبد الملك، ثم رجع مالك إلى القول الأول الذي ذكره الشيخ، وهو المشهور.
قوله: (فَإِنْ قَضى نَوَى سَلَفًا يَجِبُ رَدُّهُ) تفريع على المشهور المرجوع إليه من أنه لا بد من ذكره السبب في الشيء 12، أي: فإن قضى الدين الذي كان عليه من السلف وأنكره القابض، وأراد تحليفه أنه ما تسلف منه شيئا 13، فإنه يحلف ما تسلف منه شيئًا 14، ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 212
الحارث عن أحمد بن زياد عن محمد بن إبراهيم بن عبدوس: ينوي سلفًا يجب رده، ويبرأ من الإثم في ذلك 15.
قوله: (وَإِنْ قَالَ وَقْفٌ، أَوْ لِوَلَدِي لَمْ يُمْنَعْ مُدَّعٍ مِنْ بَيِّنتِهِ) يريد: أن من ادعى شيئا معينا بيد غيره فأجاب من هو بيده 16 بأنه وقف أو بأنه لولدي، فإن ذلك لا يمنع المدعي من إقامة البينة، ويقال له: أقم البينة، فإن هذا لا ينازعك فتكون المنازعة بين المدعي وبين ناظر الوقف أو بينه وبين الولد إن كان كبيرا أو والده 17 إن كان صغيرا.
قوله: (وَإِنْ قَالَ لِفُلانٍ، فَإِنْ حَضَرَ ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، وَإِنْ نكَلَ حَلَفَ المدعَى عليه وَغَرِمَ المقر قيمة مَا فَوَّتَهُ عليه 18) أي فإن قال المدعى عليه المدعَى فيه 19 ليس هو لي بل هو لفلان، فإن حضر فلان ادعي عليه فإن حلف فللمدعي أن يحلف المقر هو وهو الذي بيده ذلك أنه ما أقر إلا بالحق، فإن حلف فلا كلام وإن نكل حلف المدعي وغرم المقر قيمة ما فوته عليه 20 يريد: إن كان مقوما وإلا غرم له مثله.
قوله: (أَوْ غَابَ لَزِمَتهُ اليَمِينُ أَوْ بَيِّنَةٌ) هذا قسيم قوله: (فَإِنْ حَضَرَ) أي: وإن غاب يريد غيبة بعيدة لزم المقر اليمين أن فلانا الغائب أودعه ذلك أو رهنه إياه أو قامت البينة على ذلك، وقاله أشهب، ومن الناس من قال: لا يمين عليه إذا لم يقل رهنه عندي أو وهبه لي، إذ لا يحلف أحد لإثبات ملك غيره، ونص عليه 21 بعض الشيوخ، فإن نكل حلف المدعي وأخذه حتى يقدم الغائب فيخاصمه، وإلى هذا أشار بقوله: (وَانْتَقَلَتِ الْحُكُومَةُ لَهُ).
قوله: (فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِلا يَمِينٍ) أي: المقر أخذه، أي: المدعي بلا يمين، وهو ظاهر
الجزء: 5 - الصفحة: 213
قوله: (وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ) أي: فإن قدم المقر له فصدق المقر أخذ ذلك، ابن سحنون: من ادعى دارا بيد غيره، فقال: هي لفلان الغائب، فإن حلف بقيت بيده، وإن نكل سلمها للمدعي (1) بلا يمين حتى يقدم الغائب فيأخذها بإقرار من كانت بيده.
المازري: فإن جاء المقر له (2) وكذب المقر فهل يكون ذلك لبيت المال، لأنه كمال لا مالك له، المازري، وهو ظاهر الرواية عندنا، أو يسلم (3) لمدعيه كما أخذ من السلابة (4) إذ لا منازع (5) له حينئذ فيه (6)، وقيل: يضرب الإمام عن ذلك، ويبقي بيد حائزه.
قوله: (وَإِنِ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، أَوْ كَالْجُمُعَةِ يَعْلَمُهَا لَمْ تُسْمَعْ) يريد (7): أن الطالب إذا كانت له بينة حاضرة بالبلد أو قريبة الغيبة كالجمعة، وهو عالم بها، وأراد أن يستحلف المطلوب فليس له بعد يمينه قيام بينة، ولا تسمع، فإن لم يعلم بها سمعت.
سحنون: وهو مصدق في نفي العلم مع يمينه، وقال أشهب: له القيام بها مطلقا علم بها أو لا، قربت أو بعدت، غابت أو حضرت (8)، وصححه ابن القصار وغيره، لقول عمر -رضي الله عنه-: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة.
(المتن)
وإنْ نكلَ فِي مَالٍ وَحَقِّهِ اسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إِنْ حَقَّقَ ويمين تهمة بمجرد النكول، وَلْيُبَيِّنِ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ، وَلا يُمَكَّنُ مِنْهَا إِنْ نكلَ، بِخِلافِ مُدَّعٍ الْتَزَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ، وَإِنْ رُدَّتْ على مُدَّعٍ وَسَكَتَ زَمَنًا فَلَهُ الْحَلِفُ.
وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِي غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ، ثُمَّ ادَّعَى سَاكِتٌ حَاضِرٌ بِلا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَلا ببينة، إِلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ، كشَرِيكٍ أَجْنَبِيٍ حَازَ فِيهَا؛ إِنْ هَدَمَ وَبَنَى.
وَفِي الشَّرِيكِ2223242526272829
الجزء: 5 - الصفحة: 214
الْقَرِيبِ مَعَهُمَا قَوْلانِ، لا بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ إِلَّا بِهِبَةٍ، إِلَّا أَنْ يَطُولَ مَعَهُمَا مَا تَهْلِكُ الْبَيِّنَاتُ، وَيَنْقَطِعُ بِهِ الْعِلْمُ، وَإنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيرِهَا فِي الأَجْنَبِي فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ، وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرْضٍ.