قوله: (فَإِنْ مَاتَ، فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيةِ الأَوَّلينَ أَوِ الْبَطْنِ الثَّانِي ترَدُّدٌ) أي: فإن مات الحالف وبقي ورثته 4 الناكلون فهل يستحقون نصيب الميت أو إنما يستحقه أهل البطن الثاني، لأن الباقي من إخوته قد نكلوا عن اليمين أولًا، ولا شيء لهم 5، تردد الأشياخ في ذلك، فمنهم من يحكي في ذلك ثلاثة أقوال، فقيل: يستحقه من بقي من البطن الأول، وقيل: يستحقه أهل البطن الثاني، وقيل: إنما يستحقه من حلف أبوه فقط 6 دون من عداه.
وجعله ابن شاس تخرجات لا نصوصًا 7، وجعلها المازري احتمالات على قواعد 8، انظر الكبير.123
الجزء: 5 - الصفحة: 168
قوله: (أو لَمْ يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي، إِلا بِإِشْهَادِهِ) هكذا حكى في المفيد عن مطرف وأن الحاكم إذا قال: ثبت عندي لفلان كذا فلا يشهد بقوله ذلك إلا من أشهده عليه 9.
قوله: (كَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَو رَآهَ يُؤَدِّيهَا) هذا تشبيه 10 راجع إلى قوله: (إِلا بِإِشْهَادِهِ) أي: إذا أشهده الحاكم 11 فإن له أن يشهد عليه، كما للشاهد أن يشهد على مثله، إذا قال له: اشهد على شهادته" 12، أو رآه يؤدي شهادته عند القاضي فإن له أن يشهد على شهادته في الموضعين معًا 13، وقال محمد: ليس له أن يشهد إذا رآه يؤديها 14، وقاله أشهب وأصبغ.
ابن يونس 15: وهو ظاهر المدونة، وقال ابن رشد: الأول أظهر، وهو قول مطرف، واختاره ابن حبيب 16، واختلف إذا سمعه يشهد غيره على شهادته هل له أن يشهد بذلك أم لا، ولا خلاف أنه لا يشهد بذلك إذا سمعه يخبر أن فلانًا أشهده بكذا، ابن رشد 17: لما علم من تساهل الناس في الأخبار 18.
قوله: (إِنْ غَابَ الأَصْلُ وهو رجل بمكان لا يلزم الأداء منه، ولا يكفي في الحدود الثلاثة الأيام أو مات أو مرض) يريد أنه يشترط في شهادة النقل شروط 19: غيبة شاهد
الجزء: 5 - الصفحة: 169
الأصل أو موته أو مرضه مرضًا يشق معه الحضور.
فـ (مات أو مرض) 20 معطوف 21 على (إن غاب)، وإنما اشترط ذلك في شهادة الأصل، لأن تأخيره مع قدرته على أداء شهادته ريبة فيها، وأما 22 المرأة فلا يشترط ذلك فيها، كما في الرجل، وإليه أشار بقوله 23: (وهُوَ رَجُلٌ) إذ يجوز النقل عنها مع حضووها 24، لأنها مطلوبة بالستر، قال مطرف: ولم أر بالمدينة امرأة قد 25 أدت، ولكن تنقل عنها وتحمل عنها الشهادة 26.
واختلف في حد الغيبة المستحقة 27 للنقل، فقيل: هي انسافة التي لا يلزم الشاهد منها الأداء كما ذكر هنا، وحكى اللخمي وابن يونس عن ابن القاسم أنه لا يكفي في 28 الحدود الثلاثة الأيام، ويجوز ذلك في غير الحدود، وإليه أشار بقوله: لا يكفي في الحدود الثلاثة الأيام 29. وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر في مثلها الصلاة أو الستين
الجزء: 5 - الصفحة: 170
ميلًا كتب القاضي إلى رجل تشهد عنده البينة، ولم يفرق بين المال والحد 30.
قوله: (ولم يطرأ فِسْقٌ، أَوْ عَدَاوَةٌ، بِخِلافِ جِنٍّ) يريد: أنه يشترط في شهادة النقل أن يكون شاهد الأصل باقيًا على الحالة التي تجوز معها الشهادة، فلو طرأ فسق أو حدثت بينلا وبين المشهود عليه عداوة قبل أداء الشهادة عنه فإنها 31 لا تجوز للفرع حينئذ قبل 32 أن يؤديها، لأن المعتبر حال الشاهد وقت الأداء.
وذكر المازري أن بعضهم أشار إلى التفرقة بين الفسق الخفي كالزنى وشرب الخمر، فيقدح بخلاف الظاهر كالقتل، فلا يقدح وإن جن الأصل والفرع بعد النقل فإنه لا يضر لأنه كالمرض 33.
قوله: (ولم يُكَذِّبْهُ أَصْلُهُ قَبْلَ الحُكْمِ) أي: ومن شرط جواز شهادة النقل ألا يكذب شاهد الأصل من نقل عنه قبل الحكم وهو متفق عليه، لأن ذلك كرجوعهم قبل الحكم.
قوله: (وإلا مضى بلا غُرْمٍ) أي: فإن كذبه بعد الحكم بالشهادة مضى ذلك ولا غرم 34 يلزم المشهود؛ لأن الحكم عن اجتهاده، ولا قطع بكذب الشهود فلا نقض وهو قول ابن القاسم 35، ومطرف، ولمالك: إن الحكم ينقض لأنه يصير مستندًا إلى غير شهادة 36، واستقرأ اللخمي من قول محمد أن الحكم يمضي ويغرم شهود الأصل موجبه.
قوله: (وَنَقَلَ عَنْ كلٍّ اثْنَانِ لَيسَ أحَدُهُمَا أصْلًا) يعني: أنه يكفي في صحة النقل،
الجزء: 5 - الصفحة: 171
يريد: فيما عدا الزنى أن يكون الناقلان اثنين يشهد كل واحد منهما على كل واحد من شاهدي الأصل بشرط ألا يكون أحدهما شاهدًا في الأصل، وإلا فيصير الحق كأنه ثبت بشاهد واحد، وهو المعروف 37، وبه قال محمد، وقال عبد الملك: لا يكفي 38 في النقل أقل من أربعة، يشهد على كل واحد من شهود 39 الأصل اثنان 40.
قوله: (وفي الزِّنَا أرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ، أوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ) أي: وأما النقل في الزنا فإنه يحتاط فيه أيضًا في الفرع كما يحتاط 41 في الأصل، وذكر أنه لا يكفي في ذلك إلا أربعة، يشهد كل منهم على الأصول الأربعة، أو يشهد على كل اثنين اثنان، فلهذا الشرط 42 لو شهد ثلاثة على ثلاثة، أو واحد على أربعة لم يتم الحكم؛ لكون الرابع لم يشهد على شهادته اثنان، وهذا هو المشهور.
وقال مطرف 43: فلا بد من ستة عشر، ينقل عن كل واحد أربعة غير الأربعة الذين نقلوا عن غيره.
وقال عبد الملك: إن شهد أربعة على كل واحد من الأربعة جاز، فإن تفرقوا فثمانية، عن كل واحد اثنان.
حكاه ابن شاس 44، وحكى غيره عنه 45: أنه يعتبر ثمانية من غير تفصيل 46. وعن مالك: أنه يكفي في ذلك اثنان كغير الزنا 47.
قوله: (ولُفِّقَ نَقْلٌ بِأصْلٍ) هكذا حكى في الجواهر عن محمد فقال: إن شهد اثنان على رؤية الزنى، ونقل اثنان عن اثنين جازت الشهادة 48.
الجزء: 5 - الصفحة: 172
(المتن)
وَجَازَت تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلَهُ، وَنَقْلُ امْرَأَتَينِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ، وإنْ قَالا: وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا سَقَطَتَا، وَنُقِضَ إِنْ ثَبَتَ كَذِبُهُنم كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أَوْجَبِه قَبْلَ الزِّنَا، لا رُجُوعُهُمْ، وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً وَلَوْ تَعَمَّدَا، وَلا يُشَارِكُهُمْ شَاهِدَا الإحْصَانِ فِي الْغُرْمِ، كَرُجُوعِ الْمُزَكِّي، وَأُدِّبَا فِي كَقَذْفٍ، وَحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا، كَرُجُوعِ أَحَدِ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَبَعْدَهُ حُدَّ الرّاجِعُ فَقَطْ، وإنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ، فَلا غُرْمَ، وَلا حَدَّ، إِلَّا أَنْ يتبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدٌ، فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَالْعَبْدُ وَغَرِمَا فَقَطْ رُبُعَ الدِّيَةِ، ثُمَّ إِنْ رَجَعَ ثَالِثٌ، حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ، وَغَرِمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ،