قوله: (وإنْ جِلْدَ مَيْتَةِ لَمْ يُدْبَغْ أَوْ كَلْبًا وَلَوْ قتَلَهُ تَعَدِّيًا) يشير إلى قوله في المدونة عن ابن القاسم: ومن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فعليه إن أتلفه قيمته ما بلغت كما لا يباع 1 كلب ماشية أو زرع أو ضرع وعلي قاتله قيمته ما بلغت أي ولو قتله تعديا 2، وروى أبو 3 الفرج البغدادي عن مالك أنه لا شيء 4 في جلد الميتة، وقال إسماعيل إلا أن يكون لمجوسي 5.
قوله: (وَخيِّرَ فِي الأَجْنَبِيِّ) يريد: أن الأجنبي إذا أتلف المغصوب فإن ربه يخير بين أن يأخذ القيمة من الجاني يوم 6 الجناية وبين أخذ الغاصب بذلك يوم الغصب بخلاف ما إذا كان الجاني هو الغاصب نفسه فإن المغصوب منه ليس له إلا قيمته يوم الغصب 7 وهو قول ابن القاسم وأشهب 8، وعن ابن القاسم أيضًا أن 9 له أخذه بالقيمة يوم القتل 10 كالأجنبي.
قوله: (فَإنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الجْانِيَ) أي: فإن اختار المغصوب منه اتباع الغاصب
الجزء: 4 - الصفحة: 389
وتبعه 11 وأخذ منه القيمة فإنه له حينئذ أن يتبع الجاني بقيمة المغصوب يوم الجناية إذا تساوت القيمتان، فإن اختلفتا فما أشار إليه بقوله: (فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزائِدُ مِنَ الْغَاصِبِ فَقَطْ) هذا كقول غير واحد من الأشياخ أن المغصوب منه إذا أخذ من الجاني القيمة يوم الجناية وكانت أقل من القيمة يوم الغصب فإنه يرجع على الغاصب بذلك الزائد، وإن أخذ القيمة أولًا من الغاصب فليس له رجوع على الجاني، يريد: ولا على 12 الغاصب وهو المشهور، وهو قول ابن المواز 13 وتأوله بعضهم على قول ابن القاسم في المدونة 14، وظاهر ما حكاه محمد عن أشهب أنه يرجع بالزائد على الغاصب إن كان قد أخذ القيمة أولًا من الجاني وعلي الجاني 15 إن كان قد أخذها أولًا من الغاصب، وظاهر كلام سحنون أنه 16 لا يرجع مطلقًا 17. قوله: (وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ) قال ابن القاسم في المدونة: ومن غصب خشبة أو حجرًا فبنى عليها 18 فلربها 19 أخذها وهدم البناء 20. أبو محمد: والهدم على الغاصب، قيل: وليس للمغصوب منه أخذها إذا كان في ذلك خراب بنيان الغاصب، لأن الذي يدخل عليه في خراب بنيانه أعظم مما يدخل عليه فيها إذا عملها تابوتا، فإذا كان لا يأخذها بذلك فأحرى ألا يأخذها بهذا، وحكي 21 هذا القول 22 ابن حارث عن أشهب.
الجزء: 4 - الصفحة: 390
قوله: (وَغَلَّةُ مستعمل) أي: وله 23 غلة ما استعمل 24، واحترز به 25 مما إذا عطل 26 ولم يستعمل ولا استغل 27 كالدار يغلقها والدابة يحبسها والأرض يبورها فإنه لا شيء عليه عند ابن القاسم 28، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم 29 وأصبغ وابن حبيب: يضمن 30، وصوبه بعض 31 الأشياخ أن عليه غلة المستعمل والمعطل 32، وما ذكره من أن المستغل والمستعمل 33 يضمن دون ما عطل 34 هو المشهور، وقيل: يضمن غلة الرباع والغنم والبقر والإبل دون العبيد والدواب، وهو مذهب المدونة في باب الغصب، وعن مالك عدم الضمان مطلقًا، وعنه أيضًا من رواية أبي الفرج: إن تولى استخدام الرقيق واستعمال الدواب بنفسه لم يضمن بخلاف ما أكراه من غيره، وللأشياخ في تحصيل المذهب في هذه المسألة طرق انظرها في الكبير.
قوله: (وَصَيْدُ عَبْدٍ، وَجَارحٍ) يريد: أن من غصب عبدًا أو جارحًا فاصطاد 35 به صيدًا فإنه يكون لرب العبد أو الجارح ولا خلاف في ذلك فيما صاده العبد، واختلف في الجوارح كالبازي والكلب على قولين: الأول: أنه كالعبد والثاني: أنه للغاصب إلحاقًا للجوارح بآلات الصيد التي لا تصرف لها كالشباك والسيوف والحبال 36 والرماح،
الجزء: 4 - الصفحة: 391
ويكون على الغاصب فيها أجرة 37 المثل فيما انتفع به، ولا خلاف أن ما صاده بآلة كالشبكة، وما ذكر بعدها يكون له، وعليه الأجرة، وألحقوا بذلك الفرس إذا غصبه واصطاد عليه.
قوله: (وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ) يريد أن من غصب أرضًا فبناها دارًا أو نحوها ثم استغلها أو سكنها 38 فإن لربها أن يأخذ منه كراءها 39 قوله: (كَمَرْكَبٍ نخر) اختلف إذا غصب مركبًا نخرا 40 فأصلحه واغتله فقال أشهب وأصبغ: يكون للمالك كراء ذلك الأصل، وما زاد فللغاصب.
اللخمي: وهو أبين 41، وقال محمد: جميع الغلة للمغصوب منه، وله أخذ ذلك مصلحًا 42 ولا شيء عليه إلا قيمة ما لو نزعه كانت 43 له قيمة، ورأى 44 أن ما أخرجه من قَلْفَطَةٍ 45 أو زِفْتٍ أن 46 لربها أخذه، وإليه أشار بقوله: (وَأَخَذَ مَا لا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ) واحترز بذلك من 47 مثل الصواري والقلوع والحبال ونحوها، فإن الغاصب يأخذها، فإن كان ذلك بموضع لا غناء له عنه، إذ لا يجد صاريًا ولا حبالًا إلا بهذا 48، أو يجد ذلك 49 بموضع لا ينال حمله إليه إلا بمشقة ومؤنة عظيمة، وهو مما لا بد منه مما يجري به 50 المركب حتى يرده إلى موضعه 51، فربه مخير
الجزء: 4 - الصفحة: 392
بين أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيف كان أو يسلمه إليه.
قوله: (وله 52 صيد شبكة) أي للغاصب 53 وعليه لربها أجرة ما انتفع به وهو مما لا خلاف فيه كالسيف والرمح والحبل ونحوه 54 قوله: (وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ) يريد: أن الغاصب إذا حُكم عليه بالغلة كان له أن يطلب بما أنفق على المغصوب كمؤنة العبد وكسوته وعلف الدابة وسقي الأرض وعلاجها 55 ونحوه مما لا بد للمغصوب منه فيحاسب المالك بذلك ويسقطه 56 من الغلة، فإن زادت النفقة لى الغلة لم يرجع على المالك بشيء، ولهذا قال في الغلة أي 57: إنما تكون النفقة في الغلة لا في غيرها، وقاله في المدونة، وقاله ابن القاسم في كتاب محمد، ثم رجع عنه، وقال: لا شيء للغاصب، واختاره محمد 58، والأول أظهر.
قوله: (وَهَلْ إِنْ أَعْطَاهُ 59 فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءَ فَبِهِ 60؟ أَوْ بِالأَكثَرِ مِنْهُ وَمِنَ الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف فيمن أتلف لرجل سلعة وقفت على ثمن دفعه فيها غير واحد، هل يلزمه ذلك الثمن أو القيمة، أو الأكثر من الثمن والقيمة 61 تردد في ذلك الأشياخ، ففي العتبية عن مالك من رواية ابن القاسم أنه يضمن الثمن ولا ينظر إلى القيمة، وقال سحنون: يضمن القيمة، وقال عيسى: يضمن الأكثر من الثمن 62 أو القيمة 63،
الجزء: 4 - الصفحة: 393
وجعله في البيان تفسيرًا لقول مالك، قال: وهو كذا (1) منصوص لمالك، وليس فيه عنده إلا قولان (2)، وهي عند غيره ثلاثة أقوال على ظاهرها.
(المتن)
فَإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ، وَمَعَهُ أَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ، لا إِنْ هَزِلَتْ جَارِيةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ، أَوْ دَلَّ لِصًّا، أَوْ أعَادَ مَصُوغًا عَلَى حَالِهِ، وَعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ، كَكَسْرِهِ، أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتِ الذَّاتُ أَوْ أكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً، أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ، أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ،