قوله: (فَإنْ عَجِزَ عُوِّضَ الأَدْنَى) أي: فإن عجز ثمن ما لا يهدى عن قيمة بدنة أو بقرة عوض أَدنى الهدي وهو شاة يشتريها من مكة أو غيرها فإن لم يبلغ ثمن شاة، فقال مالك في المدونة 2: يبعثه إلى خزنة الكعبة يُنفَق عليها 3، وإلى هذا أشار بقوله: (ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إِنْ احْتَاجَت) أي: في مصالحها إن احتاجت 4، وقال ابن القاسم: أحب إليَّ أن يتصدق به حيث شاء 5، وقال 6 أصبغ: يتصدق به على فقراء الحرم.
اللخمي: ولو قيل يشارك به في هدي لكان له وجه 7، والخزنة: جمع خازن؛ وهم أمناء الكعبة 8.
قوله: (وَإِلا تُصُدِّقَ بِهِ) أي: وإن لم تحتج له الكعبة تصدق به، وقاله في كتاب محمد 9.
قوله: (وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لأَنَّهُ وِلايَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ) هكذا قال في المدونة 10 وليس هو من النذرفي شيء، وإنما ذكره استطرادًا، ولعله1
الجزء: 2 - الصفحة: 428
جواب عن سؤال 11 مقدر كأن قائلًا قال: هل يجوز دفع ذلك إلى غيرهم ينفقه على الكعبة؟ فقال: أعظم مالك ذلك أو يكون معناه أنه استعظم أن يشرك في خدمة الكعبة والقيام بمصالحها غيرهم، ثم استدل بأن ذلك ولاية منه عليه السلام إذ دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة، وقال: "هي لكم يا بني عبد الدار خالدة 12 لا ينزعها 13 من أيديكم إلا ظالم" 14.
قوله: (وَالْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلاةٍ) أي: وكذلك يلزم المشي إلى مسجد مكة لمن نذره ولو لصلاة، قال في الإكمال: من قال لله عليَّ صلاة في أحدها -أي: المساجد الثلاثة- وهو في بلد غير بلادها فعليه إتيانها، وإن قال ماشيًا فلا يلزمه المشي إلا في حرم مكة خاصة، وأما المسجدان الآخران 15 فالمشهور عندنا أنه لا يلزمه المشي إليهما ويأتيهما راكبًا.
وقال ابن وهب: بل يأتيهما ماشيًا.
وقال القاضي إسماعيل: إن 16 من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة لا للحج لم يكن عليه المشي وليركب إن شاء 17.
قوله: (وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) يريد أن من كان بمكة ونذر المشي إليها أنه يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة، ولا خلاف فيه بين مالك وابن القاسم 18 إذا كان في المسجد، وأما إذا كان خارجًا عنه فقال ابن القاسم: الحكم كذلك، وقال مالك: يمشي من موضعه إلى البيت في غير حج ولا عمرة 19. وكلامه هنا جارٍ على مذهب ابن القاسم؛
الجزء: 2 - الصفحة: 429
أجزاه 20 إذ لم يفرق بين المسجد وغيره.
قوله: (كَمَكَّةَ، أَوِ الْبَيْتِ، أَوْ جُزْئِهِ لا غير) هو تشبيه في حكم اللزوم 21؛ أي: وكذلك من نذر المشي 22 إلى مكة أو البيت أو إلى شيء من أجزاء البيت كـ "بابه" أو "ركنه" أو "شاذروانه" فإنه يلزمه، وقاله في المدونة 23، ثم قال فيها: وأما غير ذلك كعرفة ونحوها فلا 24؛ أي: فلا يلزمه ذلك، وإليه أشار بقوله: (لَا غَيْرُ).
قال في التنبيهات: مذهبه في هذه المسألة إلزامه 25 اليمين إن قال بيت الله أو الكعبة أو المسجد الحرام أو مكة، أو ذكر شيئًا من أجزاء البيت فقط دون ما عدا ذلك إلا أن ينوي حجًّا أو عمرة، وهو تأويل جمهور الشيوخ، ومقتضى ما في الواضحة: أنه لا يلزمه في الحطيم والحجر وزمزم 26، وعن أصبغ قول آخر: أنه يلزمة بكل ما سمى مما هو داخل مكة كالصفا والمروة وأبي قبيس وقعيقعان 27. وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمى الحرم أو ما هو 28 فيه، ولا يلزمه ما خرج عنه ما عدا عرفات 29.
قوله: (إِنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا) هو استثناء من قوله: (لا غير)؛ يريد أن من قال: عليَّ المشي إلى موضع كذا، وليس من المواضع التي تقدم أنه 30 يلزمه المشي إليها، فلا يلزم بذلك إلا أن ينوي أحد النسكين من 31 الحج أو العمرة فإنه يتعين عليه الإتيان إليه ماشيًا ويدخل محرمًا بما نوى، وقد تقدم أنه تأويل الجمهور على المدونة.
الجزء: 2 - الصفحة: 430
قوله: (مِنْ حَيْثُ نَوَى) هذا مما لا خلاف فيه إن كانت له نية، وإن لم تكن له نية ففي النذر (1) من حيث نذر باتفاق، وفي اليمين من حيث حلف، فقوله: (من حيث نوى) أي: في الصورتين؛ أي: وكذا من حيث نذر في النذر.
قوله: (وَإِلا فمن حيث (2) حَلَفَ) أي: وإن لم تكن له نية فمن حيث حلف، وهو المشهور ومذهب المدونة (3) وقيل: يمشي من حيث حنث (4).
قوله: (أَوْ مِثْلِهِ إِنْ حَنَثَ بِهِ) أي: فإن كان مكان الحنث غير مكان الحلف إلا أنه مثله في المسافة فإنه يمشي من حيث حنث، قاله اللخمي (5).
وإن كان أقرب بالشيء اليسير فقيل: لا يجزئه، وقال أبو الفرج: يهدي هديًا ويجزئه، وإن بَعُد ما بين الموضعين لم يجزئه (6)، إلا أن يكون ممن لا يستطيع مشي جميع الطريق فيمشي من موضعه ويهدي (7).
(المتن)
وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اعْتِيدَ وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلِحَاجَةٍ كَطَرِيق قُرْبَى اعْتِيدَتْ، وَبَحْرًا اضْطُرَّ لَهُ، لَا اعْتِيدَ عَلَى الأَرْجَحِ، لِتَمَامِ الإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا، وَرَجَعَ وَأَهْدَى إِنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافتِهِ، أَوِ الْمَنَاسِكَ وَالإِفَاضَةَ نَحْوُ الْمِصْرِيِ قَابِلًا فَيَمْشِي مَا رَكِبَ.
فِي مِثْل الْمُعَيَّنِ، وِإلَّا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ إِنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ، وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ كَأَنْ قَلَّ وَلَوْ قَادِرًا كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ، وَكَعَامٍ عُيِّنَ وَلْيَقْضِهِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ وَكَإِفْرِيقِيّ، وَكَإِنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عُقْبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ.