قوله: (وَلَا عَادِلٍ عَنْ قَصِيرٍ بِلا عُذْرٍ، وَلَا هَائِمٍ ولا طالب رعي 4) يريد أن من عدل عن السفر القصير لغير عذر فلا يقصر، وذلك بأن يكون الموضع الذي قصده له طريقان: إحداهما دون مسافة القصر، والأخرى فيها مسافة القصر 5 فعدل عن القصيرة لا لعذر، أما إن كان عدوله 6 لعذر 7123
الجزء: 1 - الصفحة: 463
كخوف 8 ونحوه فإنه يقصر، وأما الهائم الذي لا يعزم على مسافة معلومة 9 كالفقراء المجردين فإنهم لا يقصرون، ولمالك في المجموعة في الرعاة يتبعون الكلأ لمواشيهم 10: أنهم يتمون 11، وإلى هذا أشار بقوله: (وَطَالِبِ 12 رَعْيٍ).
قوله: (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ قَطْعَ المَسَافَةِ قَبْلَهُ) يريد أنَّ كلّ واحد من الهائم والراعي لا يقصر إلَّا إذا علم قطع المسافة قبل منتهى سفره.
يريد: وقد عزم عليه عند خروجه.
قوله: (وَلا مُنْفَصِلٍ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً إِلَّا أَنْ يَجْزِمَ 13 بِالسَّيْرِ دُونَهَا) يريد أن من برز عن البلد عازمًا على السفر 14 إلَّا أنه ينتظر رفقةً ليسافر 15 معها، فإذا 16 كان جازمًا 17 على السفر على كلّ حال سواء ساروا 18 معه أم لا فإنه يقصر، وإن 19 لَمْ يسر إلَّا بسيرهم فلا يقصر حتى يسيروا، وإن كان مترددًا فقولان، والإتمام هو الأصل 20.
قوله: (وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ) يريد أن المسافر إذا رجع إلى بلده ودخل البيوت أو قربها 21 فإنه يتم الصلاة؛ ولهذا قال 22: (وقطعه) أي: القصر 23.
الجزء: 1 - الصفحة: 464
قوله: (وَإِنْ بِرِيحٍ) يريد 24: أنه لا فرق في قطع حكم السفر بين أن يدخل البلد اختيارًا أو غلبة كما لو ردته الريح إليه.
قوله: (إِلَّا مُتَوَطِّنَ مَكَّةَ 25 رَفَضَ سُكْنَاهَا، وَرَجَعَ نَاوِيًا السَّفَرَ) هو مستثنى من قوله: (وقطعه دخولُ بلده)، وأشار بذلك إلى ما وقع لمالك في المدونة، وهو قوله فيها: ومن دخل مكة فأقام بها بضعة عشر يومًا فأوطنها 26، ، ثم أراد أن يخرج منها 27 إلى الجحفة ليعتمر ثم يعود إلى مكة 28 ويقيم بها اليوم واليومين ثم يخرج منها 29 فليتم الصلاة في يوميه 30؛ لأن مكة كانت له موطنًا 31، ثم قال: يقصر 32، قال ابن القاسم: وهو أحب إليَّ.
قوله: (وَقَطَعَهُ دُخُولُ وَطَنِهِ) هو 33 أيضًا أحد 34 مبطلات حكم 35 السفر، والفرق بينه وبين ما قبله أن الأول رجع 36 إلى محل استيطانه، وهذا رجع 37 إلى وطنه.
قوله: (أَوْ 38 مَكَانِ زَوْجَةٍ) يريد أنَّ الدخول إلى مكان الزوجة 39 يبطل حكم
الجزء: 1 - الصفحة: 465
السفر كما يبطله ما قبله، وكلامه يدلُّ على أن مكان الزوجة مغاير للوطن 40، لعطفه عليه 41، وليس كذلك بل هو وطن أيضًا.
قوله: (دَخَلَ بِهَا فَقَطْ 42) احترز بذلك 43 من غير المدخول بها فإن مكانها لا يكون وطنًا، إلَّا أن يستوطنه، نصَّ عليه ابن المواز 44.
قوله: (فَقَطْ) احترازًا من السُّرِّيَّة ونحوها.
قوله: (وَإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ) لَمْ يحكِ ابن يونس ولا غيره فيه خلافًا بخلاف الأول 45.
قوله: (وَنِيَّةُ دُخُولِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ 46 المَسَافَةُ) يعني: ومما يبطل حكم السفر أيضًا نية دخول الوطن إذا لَمْ يكن بين المسافر وبين الوطن 47 مسافة القصر فإن 48 كان بينهما مسافة القصر فلا تأثير لنية الدخول، نص عليه في المقدمات 49.
قوله: (وَنِيَّةُ إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ) هذا أيضًا مما يبطل به 50 حكم السفر وهو أن ينوي إقامة أربعة أيام بموضع وإن لَمْ يكن وطنًا له، وإنما قال: (ونية إقامة) ولم يقل (إقامة)؛ لأن الإقامة الجردة من غير نية لا أثر لها، وأشار بقوله: (صحاح) إلى أن الأيام لا يلفق بعضها إلى بعض وأنه لا يعتد بيوم الدخول إلَّا أن يكون دخل 51 قبل الفجر خلافًا لابن نافع 52 في أنه يعتد به إلى مثله 53، وقال ابن الماجشون وسحنون:
الجزء: 1 - الصفحة: 466
يقطعه نية إقامة عشرين صلاة 54.
قوله: (وَلَوْ بِخِلالِهِ) إشارة إلى الفرع السابق وهو ما إذا خرج إلى سفر طويل ناويًا أن يسير في 55 ما لا يقصر 56 فيه الصلاة ويقيم أربعة أيام ثم يسير ما بقي من المسافة فلا شك أنه يتم في مقامه، واختلف هل يتم في مسيره، وهو قول ابن القاسم، أو يقصر ويلفق بعض السير إلظ بعض، وهو قول سحنون وابن الماجشون 57؟
قوله: (إِلَّا لِعَسْكَرٍ 58 بِدَارِ الحَرْبِ) يريد أن إقامة أربعة 59 أيام تبطل حكم السفر إلَّا لعسكر 60 بدار الحرب فإنهم يقصرون وإن نووا إقامة أربعة أيام، وقاله في المدونة 61، وزاد: وإن طال مقامهم وليس دار الحرب كغيرها 62.
قوله: (أَوِ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً) هو معطوف على قوله: (ونية إقامة أربعة أيام) يريد: ومما يبطل حكم السفر العلم بالإقامة عادة 63 كما علم أن من عادة الحاج إذا نزل العقبة 64 أو دخل مكة أن يقيم أربعة أيام، فإن العلم بهذه الإقامة 65 كافٍ في الإبطال ولو لَمْ ينوِ الإقامة.
قوله: (لا 66 الإِقَامَةُ وَإِنْ تَأَخَّرَ سَفَرُهُ 67) يريد أن الإقامة المجردة لا أثر لها.
يريد:
الجزء: 1 - الصفحة: 467
ولو أقام شهرًا 68 من غير نية كمن أقام 69 بموضع لحاجة 70 يرجو قضاءها في 71 كلّ يوم، ونيته السفر من غير نية إقامة، أنه 72 يقصر ولو طال مقامه.
قوله: (وإِنْ نَوَاهَا بِصَلاةٍ شَفَعَ) يريد أن المسافر إذا دخل في صلاة سفرية 73 ثم عرضت له نية الإقامة فيها فإنه ينصرف عن ركعتين ويصيرها 74 نافلة، يريد: ثم يبتدئ صلاة 75 حضرية ونحوه في المدونة، وظاهر كلامه أنه يشفع عقد ركعة أم لا، وذكر غيره في ذلك قولين، وظاهر ما في البيان 76: أنه متى عقد ركعة شفعها بلا خلاف ويختلف إن لَمْ يعقد 77.
قوله: (وَلَمْ تُجْزِ حَضَرِيَّةً) هو ظاهر المذهب 78، وعن أشهب أنه يتمها حضرية إن عقد ركعة 79.
قوله: (وَلا سَفَرِيَّةً) يعني: أنها لا تجزئه سفرية أيضًا وهو مذهب المدونة 80، وقيل: يتمادى وتجزئه، وهو اختيار بعض 81 المتأخرين، وعن ابن الماجشون إن عقد ركعة لزمه إتمامها سفرية، وإن لَمْ يعقد أتمها المنفرد أربعًا واستخلف الإمام وأتم على إحرامه
الجزء: 1 - الصفحة: 468
أربعًا (1). قوله: (وبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ) أي: وإن نوى المسافر الإقامة بعد الصلاة أعاد في الوقت، لا بعده (2) وهو مذهب المدونة (3).
(المتن)
وَإِنِ اقْتَدَى مُقِيمٌ بِهِ فَكُلٌّ عَلَى سُنَّتِهِ، وَكُرِهَ كَعَكْسِهِ وَتَأَكَّدَ، وَتَبِعَهُ وَلَمْ يُعِدْ، وَإِنِ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إِتْمَامًا أَعَادَ بِوَقْتٍ، وَإِنْ سَهْوًا سَجَدَ، وَالأَصَحُّ إِعَادَتُهُ كَمَأْمُومِهِ بِوَقْتٍ، وَالأَرْجَحُ الضَّرُورِيُّ إنْ تَبِعَهُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ كَأَنْ قَصَرَ عَمْدًا.
وَالسَّاهِي كَأَحْكَامِ السَّهْوِ، وَكَأَنْ أَتَمَّ وَمَأْمُومُهُ بَعْدَ نِيَّةِ قَصْرٍ عَمْدًا.
وَسَهْوًا أَوْ جَهْلًا فَفِي الْوَقْتِ، وَسَبَّحَ مَأمُومُهُ وَلَا يتْبَعُهُ وَيسلِّم الْمُسَافِرُ بِسَلَامِهِ، وَأَتَمَّ غَيرُهُ بَعْدَهُ أَفْذَاذًا وَأَعَادَ فَقَطْ بِالْوَقْتِ، وَإِنْ ظَنَّهُمْ سَفَرًا فَظَهَرَ خِلَافُهُ أَعَادَ أَبَدًا، إِنْ كَانَ مُسَافِرًا كَعَكْسِهِ، وَفِي تَرْكِ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَالإِتْمَامِ تَرَدُّدٌ.
وَنُدِبَ: تَعْجِيلُ الأَوْبَةِ، وَالدُّخُولُ ضُحًى.