قوله: (وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ المُعَامَلَةِ، بِخِلافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ به) قال في المدونة ولو لم يداينه حتى أتاه الحميل، فقال: لا تفعل، فقد بدى لي، فذلك له بخلاف قوله: (احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ) ثم رجع قبل اليمين، هذا لا ينفعه رجوعه؛ لأنه حق وجب 5. ابن يونس: والفرق بينهما أن الذي قال: احلف، إنما تدعى لحق أن المدعي يقول: أنا قد ادعيت أن لي عليه 6 كذا وكذا، وقد أحل هذا نفسه محل المدعى عليه 7، فكما لو قال المدعى عليه: احلف لي وأنا أغرم لك، لم يكن له رجوع فذلك هذا، والذي قال عامله وأنا ضامن كقول العامل نفسه: عاملني وأنا أعطيك حميلا، فكما كان لهذا أن1234
الجزء: 4 - الصفحة: 212
يرجع؛ لأنه لم يدخله في شيء، فكذلك لا يلزم من قال: عامل فلانا 8، وقيل: إن ذلك عدة، فله أن يرجع؛ إذ لا يقضى عليه بالعدة، وحكى المازري عن بعض أصحابه 9 أنه إنما يرجع إذا أطلق، وأما إذا قيد، فقال: عامله بمائة دينار، فلا رجوع له 10، قال: وأنكر غيره هذه التفرقة، وروى 11 أنه له الرجوع مطلقا، وخرج بعضهم فيها الأربعة الأقوال التي في العدة 12، وثالثها: إن كانت على سبب لزمت وإلا فلا.
ورابعها: تلزم إن دخلت في السبب وإلا فلا 13.
قوله: (إِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ) هذا شرط في المضمون، وهو أن يكون مما يمكن استيفاؤه من الضامن احترازا من الحقوق البدنية والجراح والقتل؛ إذ لا يمكن استيفاؤها من الضامن، ومثله ضمان العين.
قوله: (وَإِنْ جُهِلَ) أي: أن الضامن يصح وإن جهل المضمون؛ لأن ذلك كالهبة وهبة المجهول جائز 14، وقد تقدم أنه يصح أن يقول: داينْ فلانًا وأنا بما داينته به ضامن، وهو مجهول، ولو استغنى الشيخ بتلك عن هذه لاكتفى.
قوله: (أَوْ مَنْ لَهُ) أي: وهكذا يصح الضمان وإن جهل من له الحق وهو المضمون له، إذ لا تشترط معرفته، وكذلك لا يشترط رضاه 15، ولهذا قال: (ولو بِغَيْرِ إِذْنِهِ) أي: فيصح الضمان بغير إذنه ويلزمه ما تحمل به، لأن المقصود براءة ذمة الغريم مما عليه.
قوله: (كَأَدَائِهِ رِفْقًا لا عَنَتًا فَيردُّ كَشِرَائِهِ) أي: وكذا يجوز 16 أن يؤدي الدين عن
الجزء: 4 - الصفحة: 213
الغريم بغير إذنه إن فعله رفقا 17 بالمطلوب، قال في المدونة: وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته، أو أراد سجنه لعدمه لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إذا اشتريت دينا عليه تعنيتا لم يجز البيع ورد إن علم بها 18، وظاهرها عند ابن يونس وغيره 19 أن قصد المشتري وحده الإضرار كافٍ في فسخ المعاوضة، وكذلك قال بعض المتأخرين، وقيل 20: لا بد من علم البائع بالضرر الذي قصد المشتري، وإلا لم يفسخ، ويباع الدين على المشتري فيرتفع الضرر 21.
ابن رشد 22: وهو أظهر، وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأوِيلانِ).
قوله: (لا إِن ادُّعِيَ عَلَى غَائِبٍ فَضُمِنَ ثُمَّ أَنكَرَ، وقَالَ لمدَّع عَلَى مُنكرٍ: إِنْ لم آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأنا ضَامِنٌ وَلم يَأْتِ بِهِ، إِنْ لم يَثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيَّنةٍ) أي: فلا يلزمه ما تحمّل به إلا أن يثبت ذلك ببينة، وهذه المسائل في المدونة 23، قال فيها: ومن ادّعى على رجل حقا فأنكره، فقال له رجل: أنا به كفيل إلى غد، فإن لم آتك به غدا فأنا ضامن للمال، وسمى عدده، فإن لم يأت به في الغد فلا يلزمه شيء حتى يثبت الحق ببينة 24 فيكون حميلا بذلك، وسواء أقرّ المدعى عليه بهذا المال الآن أو أنكره إذا كان اليوم معدما.
عياض: وظاهره 25 أن إقرار المنكر بعد: (لا يلزم الكفيل به شيء إلا ببينةٍ)، وهو نص ما في
الجزء: 4 - الصفحة: 214
كتاب محمد، ومثله ما في سماع عيسى في العتبية (1)، وعليه حمل بعضهم الكتاب، واستدلَّ أيضا بقوله: (بايع فلانا فما بايعته بشيء فأنا له ضامن (2)، ثم قال: لزم الغريم، وقيل: إن إقراره كقيام البينة، وهو دليل الكتاب أيضا من قوله (3): فلم يأت به من الغد فذلك شرط ثبوت حقه ببينته، ومثله في سماع عيسى وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَلْ بِإقْرَاره؟ تَأْوِيلانِ) ثم قال في المدونة: قال ابن القاسم: وإن أنكر المدعى عليه، ثم قال للطالب: أجلني اليوم فإن لم أوفك غدا فالذي تدعيه قِبَلِي حقٌ، فهذه مخاطرة، ولا شيء عليه إن لم يأت به إلا أن يقيم عليه (4) بذلك بينة (5)، وإلى هذا أشار بقوله: (كَقَوْلِ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَجلْنِي الْيَوْمَ، فَإنْ لم أُوَفِّكَ غدًا فَالذِي تَدَّعِيهِ عَلي حَقٌّ) أي: فلا يلزمه شيء حتى يثبت حقه ببينة، وأما مسألة الغائب فأشار إليها في المدونة بقوله: ومن قال: لي على فلان ألف درهم، فقال له رجل: أنا به كفيل، فأتى فلان فأنكرها لم يلزم (6) الكفيل شيء حتى يثبت ذلك ببينة (7)، ابن المواز: لا بإقرار المطلوب الآن (8)، ولو كان إقراره بذلك قبل الحمالة لزم الحميل (9) الغرم.
(المتن)
وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى وَلَوْ مُقَوَّمًا إِنْ ثَبتَ الدَّفْعُ بِبَيّنَةٍ، وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ.
وإنْ بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ، لا عَكْسُهُ، وَعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ، وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ أَوِ الْغَرِيمِ إِن تَرَكَهُ.
وَلا يُطَالَبُ262728293031323334
الجزء: 4 - الصفحة: 215
إِنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا، أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مَلائِهِ، وَأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيّهِمَا شَاءَ وَتَقْدِيمِهِ، أَوْ إِنْ مَاتَ، كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ، وَلَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ، لا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ، وَضَمِنَهُ إِنِ اقْتَضَاهُ، لا أُرْسِلَ بِهِ.