قوله: (وَلا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ) يريد: أن المفتي لا تقبل شهادته على المستفتي فيما ينوى فيه، قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا سأله عن أمر ينوى فيه، ولو أقر به عند الحاكم أو قامت عليه به بينة حكم عليه به، فيفتيه، فإنه لا شيء عليه، لأنه لا يشهد بذلك، ولو طلب بالشهادة، ابن المواز: ولو شهد لم يقبل 1، قال: وأما ما أقر به عند الفقيه من طلاق واحد أو عتق أو حق لأحد من الناس 2، ثم أنكر فليشهد عليه إذا كان ليس له رجوع عنه 3، وقال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم مثله 4، وإليه أشار بقوله: (وإِلا رَفَعَ).
قوله: (ولا إِنْ شَهِدَ باسْتِحْقَاقٍ، وقَالَ أَنَا بِعْتُهُ لَهُ) أي: وكذا لا تقبل شهادته له باستحقاق دابة أو أرض أَو دار أو نحو ذلك لرجل إذا قال مع ذلك: أنا بعته له، لأنه يتهم في ذلك، والواو من قوله: (وقَالَ أَنَا بِعْتُهُ لَهُ) واو الحال، أي: ولا تجوز شهادته له في حال ذكره ذلك.
قوله: (ولا إِنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الأَدَاءِ) أي: وكذا لا تقبل شهادة الشاهد إذا حدث
الجزء: 5 - الصفحة: 132
فسقه بعد أدائها، يعني: أنها ترد؛ لأنَّ ظهور الفسق الآن يؤذن بأنه فاسق حين الأداء 5، وسواء كان مما يستتر به كالزنى وشرب الخمر والسرقة أو لا كالجرح والقتل، قاله ابن القاسم ومطرف وأصبغ، وقال ابن الماجشون: إلا بنحو الجراح والقتل فلا ترد 6.
قوله: (بِخِلافِ تُهمَةِ جَرٍّ، ودَفْعٍ وعَدَاوَةٍ) أي: فإن حدوث مثل ذلك بعد الأداء لا يبطل الشهادة، وقاله أصبغ فيمن شهد لامرأة، وأثبتها القاضي ولم يحكم لها 7 حتى تزوجها الشاهد أنه يحكم بشهادته 8، وهذا إذا لم يعلم له سبب؛ كما إذا قامت عليه بينة أنه كان خطب المرأة قبل الأداء، ونحو ذلك.
قوله: (وَلا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) أي: على عالم آخر وكذا غيرهما، وقد قال ابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ، وغيرهما من العلماء، وعلل ذلك بأنهم أشد الناس تحاسدًا وتباغضًا، وقاله سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه 9.
قوله: (وَلا إِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمَّالِ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلافِ الْخُلَفَاءِ) لأن أخذه منهم وأكله عندهم مما يزري به ويحط من 10 قدره، ويؤدي إلى إسقاط مروءته، وأما أخذه من الخلفاء، وأكله عندهم فإنه لا يبطل شهادته.
قوله: (ولا إِنْ تَعَصَّبَ كَالرشْوَةِ، وتَلْقِينِ خَصْمٍ) التعصب هو: الحمل والحيف.
والرشوة هو: الجعل الذي يأخذه على ما لا ينبغي له.
وتلقين الخصم هو: أن يعلمه ما يستعين به على غريمه 11 ويظهر به عليه.
قوله: (وَلَعِبٍ بِنَيْرُوزٍ) أي: لأن ذلك من فعل الجاهلية، ولأنه مما يحط من مقدار الشخص 12 لا سيما إذا لعب مع الأرذال ونحوهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 133
قوله: (وَمَطْلٍ) يريد: إذا كان مليًّا؛ لأنَّ مطله حينئذ ظلم كما في الحديث 13، فلا تقبل شهادته.
قوله: (وحَلِفٍ بِطَلاقٍ وعِتْقِ) لقوله عليه الصلاة والسلام: "الطلاق والعتاق من أيمان الفساق 14، فسماه فاسقًا 15.
قوله: (وبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلاثًا بِلا عُذْرٍ) هكذا نقل 16 سحنون واحترز بقوله: (بِلا عُذْرٍ) مما إذا كان لعذر فإنه لا يقدح في شهادته.
قوله: (وتِجَارَةٍ لأَرْضِ حَرْبٍ) ابن يونس: قال سحنون: ومن ركب البحر إلى أرض الروم لطلب الدنيا، فهي جرحة في شهادته 17، ونهي عن التجارة إلى بلاد السودان 18. وقال غيره من القرويين: ليست التجارة إليها جرحة فيه.
وقال أبو إسحاق 19: إن خرج إليها عالمًا أن أحكام الشرك تجري عليه فهي جرحة، وإن جهل هذا القدر وظن أنه لا جرح عليه في ذلك فإنه يعذر ولا تكون ذلك جرحة فيه.
قوله: (وبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مَعَ وَلَدِ شِرِّيبٍ) أي: دار مغصوبة، وإنما لم تجز شهادته؛ لكونه في كل وقت مخاطبًا بردها إلى ربها فهو متمادٍ على مخالفة المأمور، وكذلك سكناه مع ولد شريب، أي: يكثر من شرب الخمر؛ لأن سكوته على ذلك مع القدرة على إزالته دليل على عدم مروءته.
قوله: (وبِوَطْءِ مَنْ لا تُوطَأُ) قال سحنون: إذا اشترى أمة فوطئها قبل أن يستبرئها فذلك جرحة وترد شهادته، وعليه الأدب إذا كان لا يجهل مكروه ذلك، وكذلك لو وطئ صغيرة لم تحض قبل أن يستبرئها إذا كان مثلها يُوطأ 20، وكذلك إذا وطئ من لا
الجزء: 5 - الصفحة: 134
توطأ لمانع شرعي كالحيض والنفاس وغير ذلك 21 من الموانع الشرعية.
قوله: (وبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلاةِ) أي: لأن ذلك يؤذن بعدم اعتنائه 22 بها، واستخفافه بقدرها، وهو مخل بالمروءة التي هي من عمود 23 الدين.
قال ابن كنانة: ومن لا يقيم صلبه من الركوع والسجود فلا تقبل شهادته إذا فعله من غير سهو ولا عذر ولو في 24 نافلة 25.
قوله: (وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنَ الْمَسْجِدِ) يريد: إذا لم يجهل حكم ذلك، وأما لو جهل عدم جوازه فلا، وقاله سحنون 26.
قوله: (وعَدَمِ إِحْكَامِ الْوُضُوءِ والْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ، لِمَنْ لَزِمَتْهُ) قال في النوادر عن ابن كنانة: لا تقبل شهادة من لم يحكم الوضوء والصلاة 27. وقال سحنون: وفي الكثير المال القوي على الحج إذا لم يحج فهي جرحة في شهادته 28. وكذلك إذا كان لا يعرف الزكاة في كم تجب من المال 29 من مائتي درهم، ولا من عشرين دينارًا إذا كان ممن تلزمه الزكاة، وعن مطرف من عرف بتضييع الوضوء والزكاة فلا تقبل شهادته ولا يعذر في ذلك بجهل، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ 30.
قوله: (وبَيْعِ نَرْدٍ، وطُنْبُورٍ) هكذا نقل ابن أبي زيد عن سحنون، قال في كتاب ابنه، ولا تجوز شهادة من يبيع النرد والمزامير والعيدان والطنابير ونحو ذلك 31.
الجزء: 5 - الصفحة: 135
قوله: (واسْتِحْلافِ أَبِيهِ) ابن القاسم في العتبية: ولا يعذر بالجهالة 32 في ذلك.
أصبغ عنه: وكذلك جده 33. وفي الشهادة من نوازل سحنون، قال أصبغ عن ابن القاسم: من استحلف أباه في حق له عليه سقطت شهادته، وإن جهل أنه عقوق 34.
ابن سهل 35. قوله: (وقُدِحَ فِي الْمُتوَسِّطِ بِكُلٍّ) 36 يريد أن الشاهد إذا شهد بشيء، وأعذر الحاكم إلى المشهود عليه في الشاهد، فإنه يسمع في المتوسط القدح بكل قادح من تجريح وعداوة وقرابة 37.
قوله: (وفي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ وقَرَابَةٍ) أي: وأما العدل المبرز فإنه يسمع فيه القدح بالقرابة والعداوة، وهذا هو المعروف، وعن مالك لا يباح القدح بعداوة ولا قرابة ولا غيرهما 38، واستبعدها ابن رشد 39.
قوله: (وإِنْ بِدُونِهِ) أي: وإن كان القدح ممن هو دون الشاهد في العدالة، وبه صرح في البيان 40.
قوله: (كَغَيْرهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ) أي: وكذا يقبل القدح في المبرز أيضًا بغير العداوة والقرابة، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون، واختاره اللخمي، وعن أصبغ عدم = له، ولأن بيع آلة اللهو حرام أو مكروه، ولا يعذر في ذلك بالجهل، وكذلك لا تقبل شهادة من ترك الجمعة ثلاثًا، ورواه مطرف عنه، وقال به، وكذلك المرة الواحدة)، وانظر: النوادر والزيادات: 8/ 293.
الجزء: 5 - الصفحة: 136
قبوله، وعن ابن عبد الحكم أن المجرح إن كان مثل الشاهد أو أعدل قُبِل وإلا فلا (1).
(المتن)
وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ، بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَنِّ بِلَا حَدٍّ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ ولَمْ يُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ، إِلَّا الصِّبْيَانَ، لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ، فِي جُرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ.
وَالشَاهِدُ حُرٌّ، مُمَيّزٌ، ذَكَرٌ تَعَدَّدَ، لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيب، وَلَا خِلافَ بَيْنَهُمْ، وَفُرْقَةَ إِلَّا أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ.
وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ.