(الاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ) هذا كقوله 1 في الرسالة 2: والاعتكاف من نوافل الخير 3، وهو المشهور، وقاله في المقدمات 4 وأخذت الكراهة مما رواه ابن نافع عن مالك: ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف عليه الصلاة والسلام حتى قُبِض وهم أتبع الناس لأموره وآثاره، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه عليه الصلاة والسلام وفعله 5، والمشهور عن مالك الأول 6. قوله: (وَصِحَّتُهُ لِمُسْلِمٍ مُميِّزٍ) أي: وصحة الاعتكاف ثابتة أو حاصلة لمسلم مميز، فاحترز بالمسلم عن الكافر؛ إذ لا يصح اعتكافه شرعًا؛ لأنه طاعة، والإيمان شرط في صحة 7 كل طاعة 8،
الجزء: 2 - الصفحة: 3
واحترز بالمميز؛ لأن غيره لا 9 يعقل القربة فلا تصح منه.
قوله: (بِمُطْلَقِ صَوْمٍ) هذا هو المشهور، وقال ابن لبابة: يجوز بغير صوم 10، ومراده بالمطلق أنه ليس من شرط الصوم المشترط في الاعتكاف أن يكون مقصودًا له، بل يجوز بأي صوم كان؛ سواء كان 11 مقصودًا له أم لا؛ لاعتكافه عليه الصلاة والسلام في رمضان.
قوله: (وَلَوْ نَذْرًا) أي: ولو كان الاعتكاف منذورًا لا يتعين له أيضًا صوم يخصه، بل يجوز فعله في رمضان وفي غيره، وهو قول مالك، وقال عبد الملك وسحنون: لا بد من صوم يخصه فلا يجزئ 12 في رمضان 13.
قوله: (وَمَسْجِدٍ) أي: وصحته أيضًا بمسجد؛ إذ هو معطوف على قوله: (بمطلق صوم 14)، والمشهور ما ذكر أنه لا يصح إلا في المساجد خلافًا لابن لبابة.
قوله: (إِلَّا لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ) أي: فلا يكون إلا في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، وأخرج بقوله: (لمن فرضه الجمعة) المرأة والعبد ومن هو على ثلاثة أميال فصاعدًا من الجامع، فإنه لا يشترط في حقهم ذلك.
قوله: (وَتَجِبُ بِهِ) احترازًا مما إذا نذر زمانًا لا تأخذه فيه الجمعة 15 فإنه يعتكف في أي مسجد شاء، وروي عن مالك: أنه لا يكون إلا في الجامع 16.
قوله: (فِالجامِعُ) أي: فلا يجوز إلا فيه، فالباء في (به) بمعنى مع، نحو اشتريت العبد بماله، والضمير المجرور بها عائد على الاعتكاف، والمعنى: إلا لمن فرضه الجمعة ونوى اعتكافًا تجب معه الجمعة، أي: قبل انقضاء زمنه فلا يعتكف إلا في الجامع الذي تقام
الجزء: 2 - الصفحة: 4
فيه الخطبة، وهو المشهور، وقيل: يكره في غيره.
قوله: (مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الجمُعَةُ) أي: فيجوز أن يعتكف في رحابه بخلاف سطحه على الأشهر، وبخلاف بيت قناديله وبيت الخطابة وبيت 17 السقاية للتحجير.
قوله: (وإلا خَرَجَ) أي: فإن اعتكف أمدًا تأخذه فيه الجمعة وكان في غير الجامع فإنه يخرج إلى الجمعة 18.
قوله: (وَبَطَلَ) أي: إن خرج وهو المشهور، وروى ابن الجهم: يخرج ولا يبطل 19، وقال عبد الملك: إن دخل على ذلك ابتداء خرج 20 وبطل وإلا فلا، كمن نوى أيامًا لا تأخذه فيها الجمعة، ثم خرج لمرض ثم يعد زواله 21 إلى المسجد فأتت عليه الجمعة في ذلك، هكذا قال ابن زرقون 22. وحكى عنه 23 اللخمي 24، وصاحب الكافي الصحة 25 مطلقًا 26.
قوله: (كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ) أي: فإنه يخرج ليعودهما، ويبطل اعتكافه.
قوله: (لا جَنَازَتِهِما مَعًا) أي: فلا يخرج لجنازتهما معًا، ونقل الجزولي قولًا أنه يخرج، والأول هو 27 الأصح 28؛ لأن حقهما معًا قد سقط، ومفهومه أنه لو مات أحدهما والآخر حي فإنه يؤمر بالخروج لما يخشى من عقوق الحي وغضبه عليه، وذلك واضح.
قوله: (وَكَشَهَادَةٍ) أي: فإنه لا يخرج فإن خرج بطل اعتكافه، وقاله اللخمي 29
الجزء: 2 - الصفحة: 5
وغيره.
قوله 30: (وإنْ وَجَبَتْ) إشارة إلى أن الاعتكاف يبطل بخروجه لأداء الشهادة ولو تعينت عليه.
قوله: (وَلْتُؤَدَّ بِالمسْجِدِ، أوْ تُنْقَلْ عَنْهُ) هكذا قال مالك في العتبية 31.
قوله: (وَكَرِدَّةٍ) أي: فإنها تبطل الاعتكاف 32، وقاله في الجواهر 33.
قوله: (وَكَمُبْطِلِ صَوْمَهُ) يريد كالحيض والوطء عامدًا أو ناسيًا أو مغلوبًا 34، وكالأكل والشرب نهارًا 35 متعمدًا، وقاله كله في المدونة 36.
قوله: (وَكَسُكْرِهِ لَيْلًا) يريد: وإن صحا قبل طلوع 37 الفجر، وقاله مالك 38 في المدونة 39، وظاهره: كان من سكر حرام أو من شيء كان 40 أصله مباحًا، ونحا بعضهم إلى أنه من حرام 41.
قوله: (وَفي إِلحاقِ الْكَبَائر بِهِ تَأوِيلان) أي: في 42 بطلان الاعتكاف 43 بها، ولا إشكال أن الكبائر المبطلة للصوم كالزنا واللواط وشرب الخمر نهارًا مبطلة للاعتكاف؛ لبطلان شرطه، وأما الكبائر التي لا تبطله كالكذب والزور والقذف والسرقة والغصب
الجزء: 2 - الصفحة: 6
والخديعة والغش وغيرها من الكبائر فلا 44، فأجراها البغداديون مجرى السكر ليلًا، نقله عياض.
وحكى اللخمي 45 عن ابن القصار أنه قال: إن 46 السب والغيبة ليس بمنصوص عليهما هل يبطله 47 أم لا 48.
وحكى ابن شاس عن المغاربة أن الكبائر 49 التي 50 لا تبطل الصوم ولا تبطل الاعتكاف 51.
قوله: (وَبِعَدَمِ وَطْءٍ، وَقُبْلَةِ شَهْوَةٍ، وَلمسٍ، وَمُبَاشَرَةٍ 52) هذا معطوف على قوله: (وصحته بمطلق صوم) أي: وبعدم وطء 53 إلى آخر ما ذكر 54، قال في المدونة: وإن جامع في ليل أو نهار ناسيًا أو قبَّل أو باشر أولمس فسد اعتكافه وابتدأه 55.
أبو الحسن الصغير: يريد إذا وجد اللذة أو قصدها ولم يجدها، واحترز بقبلة 56 شهوة مما إذا قبل صغيرة لا تشتهى أو امرأته لوداع ونحوه، ولم يقصد لذة ولا وجدها.
قوله: (وَإِنْ لِحائضٍ 57) يريد: أو مريض 58، وهو مذهب المدونة والرسالة
الجزء: 2 - الصفحة: 7
وغيرهما 59.
قوله: (نَاسِيَةٍ) أي: لا فرق في ذلك 60 بين أن تكون عالمة بالاعتكاف حين القبلة والمباشرة ونحوهما 61 أو ناسية 62.
قوله: (وإنْ أَذِنَ لِعَبْدٍ أَوِ امْرَأَةٍ فِي نَذْرٍ فَلا مَنع كَغَيرهِ، إِنْ دَخَلا) يريد: أن من أذن لعبده أو لامرأته في نذر الاعتكاف فنذراه، ليس له منعهما من الدخول فيه ولا المنع إن دخلا فيه، وكذلك إذا أذن لهما في فعل الاعتكاف نفسه فدخلا فيه 63 فليس له أيضًا قطعه عليهما إذا دخلا فيه، واختلف هل له الرجوع فيه 64 قبل دخولهما فيه أم لا؟ على قولين.
قوله: (وَأَتمَّتْ مَا سَبَقَ مِنْهُ، أَوْ عِدَّةٍ) يريد: أن المرأة إذا طلقها الزوج أو مات عنها وهي معتكفة فإنها لا تخرج إلى العدة حتى تكمل اعتكافها ثم تتم ما بقي من عدتها، فإن سبقت العدة الاعتكاف بأن طلقت أو توفي عنها زوجها 65 قبل الدخول فيه تمادت على عدتها 66 وليس 67 لها اعتكاف حتى تحل، وهكذا قال في المدونة فيهما 68، والحاصل أنه ينظر إلى السابق منهما فيراعى، وحكم الإحرام أيضًا حكم الاعتكاف فيراعى أيضًا السابق منه ومن العدة، فإن خالفت فدخلت في الإحرام بعد الطلاق أو الموت؛ فقال أبو الحسن الصغير: تنفذ في الإحرام وهي عاصية بخلاف المعتكفة فإنها لا تنفذ إذا أحرمت 69 وتبقى على اعتكافها 70، وإلى هذا 71 أشار بقوله: (إِلا أَنْ تُحْرِمَ، وإنْ بِعِدَّةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 8
مَوْتٍ فينْفُذُ (1)، وَيَبْطُلُ) أي: ينفذ الاعتكاف ويبطل الإحرام.
قوله: (وَإِنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا، فعَلَيْهِ إِنْ عَتَقَ) هكذا قال في المدونة، قال فيها: وإن نذر عبد عكوفًا (2) فمنعه سيده كان ذلك عليه إن عتق (3). يريد: إذا كان النذر مضمونًا، وأما الأيام المعينة فلا شيء عليه إن منعه الاعتكاف فيها.
(المتن)
وَلا يُمْنَعُ مُكَاتَبٌ يَسِيرَهُ، وَلَزِمَ يَوْمٌ إِنْ نَذَرَ لَيْلَةً، لا بَعْضَ يَوْمٍ.
وَتَتَابُعُهُ فِي مُطْلَقِهِ، وَمَنْوِيُّهُ حِينَ دُخُولِهِ كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ، لا النَّهَارِ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ، وَلا يَلْزَمُ فِيهِ حِينئذٍ صَوْمٌ، وَفِي يَوْمِ دُخُولِهِ تَأوِيلانِ، وإتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَذْرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا، وَالْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ فَقَطْ لِنَاذِرِ عُكوفًا بِهَا، وَإِلَّا فَبِمَوْضِعِهِ.