قوله: (وَلَمْ يُمْكِنِ الخَلاصُ بِدُونِهِ) يريد أن ما ذكره من رجوع الفادي بالمثل أو القيمة مقيد بما إذا لم يمكن 1 خلاص الأسير بدون ما وقع 2 في فدائه، أما إذا أمكن فداؤه بأقل من ذلك فلا يلزمه إلا الأقل، وكذا لو أمكن خلاصه بغير شيء، فلا شيء عليه.
قوله: (إِلا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إِنْ عَرَفَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، إِلا أَنْ يَأْمُرَهُ بِه وَيَلْتَزِمَهُ) أي: فإن كان الأسير محرمًا للفادي أو زوجًا فلا رجوع له عليه 3 إن عرفه حين الفداء، أو كان ممن يعتق عليه، إلا أن يقول الأسير له: افدني بكذا وأنا أدفع لك ذلك، فإنَّه يرجع عليه.
ابن حبيب: ولا رجوع لأحد الزوجين على الآخر إلا أن يفديه بأمره أو وهو غير عالم به؛ فإنَّه يرجع بذلك عليه في ملائه وعدمه، قاله ابن القاسم، وعن مالك: أن سبيل القريب سبيل الزوجين كان ممن يعتق عليه أم لا، فإن فداه وهو يعرفه فلا رجوع له عليه مطلقًا 4، وإن كان 5 لا يعرفه رجع عليه إن كان ممن لا 6 يعتق عليه وإلا فلا رجوع له عليه 7، وإن فداه بأمره رجع مطلقًا 8.
الجزء: 2 - الصفحة: 519
ابن يونس: فصار 9 ذلك على ثلاثة أوجه: إن فداه وهو يعرفه فلا رجوع مطلقًا، وإن أمره بذلك رجع مطلقًا، وإن فداه وهو لا يعرفه فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه ممن لا يعتق عليه وهو على الزوجين 10. وكلامه في الوجه الأول يخالف ما هنا فتأمله.
قوله: (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الْعَدَدِ، إِنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) يريد أن الأسير إن كان بيده مال وعليه دين لغير الفادي، فإن الفادي يُقَدَّم على غيره من أرباب الديون، وأما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فلا إشكال فيه؛ لأنه دفع ذلك في مقابلة رقبته وفيما في يده 11، وأما بالنسبة إلى ماله ببلد الإِسلام فهو أيضًا أولى به عند عبد الملك وسحنون، وقال محمَّد: هو أسوة الغرماء 12.
قوله: (عَلَى الْعَدَدِ، إِنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) هو متعلق بقوله: (رجع)، وبه أشار إلى قول سحنون: ومن فدى خمسين أسيرًا بألف دينار وفيهم 13 ذو القدرة وغيره والملي والمعدِم، فإن كان العدو قد عرفوا ذا القدرة منهم وشحوا عليهم فليقسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن كان العدو قد جهلوا ذلك فذلك الفداء 14 على عددهم بالسوية 15، ففاعل (جهلوا) ضمير يعود على المشركين، وضمير الجمع من قوله (قدرهم) 16 يعود على الأسارى.
قوله: (وَالْقَوْلُ لِلأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ) أي: في الفداء إن قال: فديتني بغير شيء أو بعضه؛ أي: إن قال: فديتني بكذا، وقال الفادي: بل بكذا، لشيء غيره أو أكثر منه،
الجزء: 2 - الصفحة: 520
قال في العتبية عن ابن القاسم: وسواء أشبه قول الأسير أم لا 17.
ابن يونس: يريد مع يمينه 18.
ابن رشد: وليس هذا على أصولهم في مراعاة دعوى الأشبه في التداعي لاتفاقهما أنه فداه بذلك بخلاف ما إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنَّه فداه فأنكر 19، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا 20 في مبلغ 21 الفدية أن القول قول الأسير 22 إذا أتى بما يشبه، وإلا فالقول قول الفادي إن أتى بما يشبه، وإلا حلفا جميعًا ولزمه ما فُدِيَ به مثله من ذلك المكان، وكذا لو نكلا جميعًا، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قوله وإن لم يشبه؛ لأنَّ صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله.
انتهى بالمعنى 23. وروي عن ابن القاسم أن القول للأسير إن أشبه سواء أخرجه من بلد الحرب أم لا.
ابن حبيب: وقيل: إن أقر الأسير بأنّه فداه واختلفا في قدر الفداء صدق ويكون 24 كالرهن في يده، وهو خلاف قول مالك.
وعن سحنون: أن القول للفادي إن كان الأسير بيده 25.
ابن عبد السلام: والذي يظهر من هذا النقل أنَّه إن لم يكن في يده 26 فالقول للأسير 27 وإلا فقولان، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ) لكن لا تحسن 28 المبالغة حينئذٍ، فتأمله.
الجزء: 2 - الصفحة: 521
قوله: (وَجَازَ بِالأَسْرَى المُقَاتِلَةِ) أي: ويجوز الفداء بأسرى العدو المقاتلة 29 لما ورد أنَّه - عليه السلام - فدى أسيرين من المسلمين بمشرك 30، وهو قول أصبغ في العتبية 31، وقيل: لا يجوز.
قوله: (وَبِالخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) أي: وكذلك يجوز الفداء بالخمر والخنزير، وهو قول سحنون في كتاب ابنه وأحد قولي ابن القاسم، وله قول بالمنع، وهو مذهب أشهب 32، واستحسن اللخمي قول سحنون واستظهره ابن عبد السلام، ولهذا قال: (عَلَى الأَحْسَنِ).
قوله: (وَلا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) أي: ولا يرجع بالخمر والخنزير على المسلم المفدي، وظاهره ولو كان الفادي ذميًّا، وليس كذلك بل نقل ابن يونس عن سحنون أنَّه يرجع بقيمة الخمر والخنزير 33.
قوله: (وَفِي الخَيْلِ وَآلَةِ الحَرْبِ قَوْلانِ) مذهب ابن القاسم منع المفاداة بها؛ خلافًا لأشهب وعبد الملك وسحنون 34.
الجزء: 2 - الصفحة: 522