(الْغَصْبُ: أَخْذُ مَالٍ، قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلا حِرَابَةٍ 1) قوله: (أخذ مال) كالجنس، (وقهرًا 2) فصل 3 يخرج به ما لا 4 يؤخذ لا على سبيل 5 القهر كأخذ الشخص متاعه من مودع أو غيره، وأخذ المشتري المبيع من بائعه، وأخذ البائع الثمن منه، وأخذه ماله من وكيله ونحو ذلك، واحترز بقوله: (تَعَدِّيًا) مما يستخلصه الشخص من ماله الذي في يد الغاصب أو متعدو 6 ما يأخذه الإمام من الزكاة من الممتنع من إخراجها، ولما كانت هذه القيود كلها تشمل 7 الحرابة وتنطبق 8 عليها، قال (بِلا حِرَابَةِ) ليخرجها.
قوله: (وَأُدِّبَ مُمَيِّزٌ) يريد: بعد أخذ ما غصبه إن كان باقيًا بيده قال في المقدمات: وإن كان الغاصب صغيرًا لم يبلغ الحلم سقط عنه الأدب الواجب لحق الله تعالى، وقيل: إن الإمام يؤدبه كما يؤدب الصغير في المكتب 9. ولم يحك في البالغ خلافًا أن الإمام يؤدبه ويسجنه بحسب اجتهاده.
قوله: (كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ) أي: كمدعي الغصب على رجل صالح، فإنه يؤدب،
الجزء: 4 - الصفحة: 380
ومراده بالصالح الذي لا يتهم، وهكذا نص عليه ابن القاسم في المدونة 10.
قوله: (وَفي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلانِ) أي: فإن كان المدعي عليه الغصب مجهول الحال فاختلف هل يلزم باليمين أنه ما غصبه أم لا، وهو الظاهر، وقاله أشهب 11.
قوله: (وَضَمِنَ بِالاسْتِيلاءِ) أي: وضمن الغاصب المميز 12 أي: إما 13 بالمباشرة كالقتل والأكل والإحراق ونحو ذلك، أو بإثبات اليد العادية كالنقل 14 في الحيوان والعروض ووضع اليد على الدور والأرضين، ولا خلاف في ذلك عندنا.
قوله: (وَإِلا فتَرَدُّدٌ) أي: وإن لم يحصل شيء من ذلك فتردد الأشياخ في الضمان هل يجب أم لا 15؟
قوله: (كَأنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا) قال في النوادر عن مالك فيمن غصب عبدًا فمات من ساعته بغير تباعد فهو ضامن له حين أخذه بغير حق تعديًا، ومثله الدابة والدار تنهدم قبل سكناها من ساعة الغصب 16، ومثل هذا ما إذا قتل العبد شخصًا فاقتص له منه وهو معنى قوله: (أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا).
قوله: (أَوْ رَكِبَ) أي: ركب الدابة بعد أن غصبها فعطبت فإنه يضمنها ولو بأمر من الله تعالى.
قوله: (أَوْ ذَبَحَ) أي: غصب شاة أو بعيرًا أو نحو ذلك فذبحه ولا إشكال في تضمينه.
قوله: (أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً) وإنما ضمنه هنا لأنه حالة الجحود متعدٍّ، وقد تقدم ذلك في باب الوديعة.
قوله: (أَوْ أَكَلَ بِلا عِلْمٍ) كما إذا غصب إنسان طعامًا ثم أضاف شخصًا فقدم له
الجزء: 4 - الصفحة: 381
ذلك الطعام فأكله عند الغاصب فإن الآكل يضمنه.
قوله: (أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ) أي: وهكذا يضمن من أكره غيره على إتلاف مال غيره، وقال سحنون: إن شاء أخذ به الآمر أو المأمور (1)، ونحوه لابن دينار.
قوله: (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا) أي: وكذلك يضمن من حفر بئرًا تعديًا (2) إما في ملك غيره أو في طريق المسلمين أو قصد الإهلاك لشخص، ونبه بالتعدي على أنه لو حفرها في ملكه لمصلحة (3) أنه لا شيء عليه فيما تلف فيها.
قوله: (وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي) يريد: أن المردي وهو الذي يدفع من وقف على حافة البئر فيها يقدم على الحافر لأن المباشر عندنا يقدم على المتسبب وليس المسبب (4) هنا قويًّا حتى يضمنا معًا (5) كالإكراه، ولهذا إذا قوي السبب تعادلا وتساويا في الضمان، كما إذا حفرها لشخص معين فوقف له (6) على شفيرها فرداه آخر، وإليه أشار بقوله: (إِلا لمُعَيَّن (7) فَسِيَّانِ) أي: في الضمان.
(المتن)
أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ ليلا فَأَبَقَ أَوْ عَلَى غَيرِ عَاقِلٍ، إِلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبّهِ، أَوْ حِرزًا الْمِثْلِيٍّ، وَلَوْ بِغَلاءٍ بِمِثْلِهِ وَصَبَرَ لِوُجُودِهِ، وَلِبَلَدِهِ وَلَوْ صَاحَبَهُ، وَمُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ وَلا رَدَّ لَهُ، كَإجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ، وَقَالَ: أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ، كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ، وَطِينٍ لُبِنَ، وَقَمْحٍ طُحِنَ، وَبَذْرٍ زُرعَ، وَبَيْضٍ أُفْرِخَ، لا مَا بَاضَ إِنْ حَضَنَ، وَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، وَإِنْ تَخَلَّلَ خُيّرَ، كَتَخَلُّلِهَا لِذِمّيٍّ، وَتَعَيَّنَ لِغَيرِهِ، وَإِنْ غصب، كَغَزْلٍ وَحَلْيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ،