قوله: (وإن اشترى أصلها فقط أخذت وإن أبرت، ورجع 3 بالمؤنة) يعنى: فإن كان المشتري إنما اشترى الأصول فقط وليس فيها ثمر، يريد: أو وفيها ثمر 4 لم يؤبر، فإن الشفيع إذا قام وقد أبرت فإنه يأخذها مع الأصول، وقاله في المدونة، قال: وعليه قيمة ما سقى وعالج 5، وهو مراده هنا بالمؤنة، محمد: ولو زادت 6 على قيمة الثمرة.
وقال أشهب: يأخذ الثمرة بقيمتها على الرجاء والخوف 7. وقال عبد الملك، وسحنون: ليس على الشفيع غير الثمن 8، لأن المبتاع أنفق على مال نفسه 9.
قوله: (وكبئر لم تقسم أرضها، وإلا فلا) يعنى: وكذلك للشريك أخذ حصة باعها شريكه من بئر بينهما 10، إذا لم تكن أرضها قد قسمت، فإن قسمت فلا شفعة له.
وفي العتبية: له ذلك.
اختلف هل هو خلاف 11 من قوله؟12
الجزء: 4 - الصفحة: 441
وإليه ذهب الباجي، وفاق 12؟ وإليه ذهب 13 سحنون، وابن لبابة، قال سحنون: ومعنى المدونة أنها بئر واحدة، ومعنى العتبية أنها آبار كثيرة.
وقال ابن لبابة: معنى المدونة 14 أنها بئر لا فناء لها، ومعنى العتبية أنها بئر لها فناء وأرض مشتركة يكون فيها القلد 15. وإلى التأويل الأول أشار بقوله: (وأولت أَيْضًا) أي: المدونة (بالمتحدة)، وأشار بقوله: (أيضا) إلى التأويل الثاني.
قوله: (لا عرض) أي: فإنه لا شفعة فيه، كالحيوان.
وحكى بعض الشافعية عن مالك: الشفعة فيها 16، وهو منكر 17.
قوله: (وكتابة) أي: وكذلك لا شفعة في الكتابة، ومعنى ذلك: أن السيد إذا باع كتابة مكاتبه لشخص، فليس للمكاتب أخذ ذلك 18 من المبتاع.
وقيل: هو أحق منه 19، وهذا ليس من الشفعة في شيء.
قوله: (ودين) 20 يريد: أن 21 الدين إذا باعه ربه لغير المديان، فليس للمديان مقال.
وقيل: هو أحق بذلك.
وظاهر المذهب: أنه لا يكون أحق، وعن مالك: أراه حسنا، ولا أرى أن يقضى به 22، وقال أشهب: يقضى به، وكذلك الكتابة 23.
قوله: (وعلو على سفل، وعكسه) قال في المدونة: ومن له علو دار ولآخر 24
الجزء: 4 - الصفحة: 442
سفلها، فلا شفعة لأحد 25 فيما باع الآخر منهما، يريد: لأن الحصة التي باعها متميزة عن حصة الآخر، ولا شركة له فيما باع الآخر، فهو شبيه بالجار.
قوله: (وزرع ولو بأرضه) قال في المدونة بعد ذكر الشفعة في الثمرة: وأما الزرع فيبيع أحدهما حصته منه بعد يبسه، فلا شفعة له 26 فيه، وهو لا يباع حتى ييبس 27، وفي باب آخر: ومن ابتاع 28 أرضًا بزرعها الأخضر ثم قام الشفيع، فإنما له الشفعة في الأرض دون الزرع بما ينوبه من الثمن، بقيمتها من قيمة الزرع على غرره يوم الصفقة 29.
قوله: (وبقل) 30 مذهبنا أن البقول لا شفعة فيها.
ابن رشد: ويتخرج فيها قول بوجوب الشفعة على القول بوجوبها في الثمرة ما لم تجذ 31.
قوله: (وعرصة) هكذا قال 32 الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في رسالته: ولا شفعة في عرصة دار قد قسمت بيوتها 33، ونحوه في المدونة.
قوله: (وممر قُسم متبوعه 34) يعني: إذا كان بين قوم دار، فاقتسموا بيوتها وأبقوا الممر -وهو الطريق التي يتوصل للبيوت منها- ليرتفقوا بذلك، فلا شفعة فيه إذا بيع، ونحوه في المدونة.
قوله: (وحيوان إلا في كحائط) قد تقدم أن الحيوان لا شفعة فيه 35، وأشار بقوله: (إلا في كحائط) إلى ما حكاه 36 عبد الحميد، وابن زرقون،
الجزء: 4 - الصفحة: 443
وغيرهما عن مالك 37: أن الحائط إذا بيع وفيه حيوان ورقيق أن الشفعة في جميع ذلك.
وعنه في مختصر ما ليس في المختصر: أن الشفعة في ذلك، وإن لم يحتج الحائط له 38.
قوله: (وإرث) قد تقدم عند قوله: (ممن تجدد ملكه اللازم 39 اختيارا)، أن الميراث لا شفعة فيه على المشهور، لأن الحصة المنتقلة 40 لم يتجدد ملك مالكها اختيارًا، وعن مالك: أن الشفعة في ذلك 41.
قوله: (وهبة بلا ثواب) أي: لا شفعة في الهبة لغير ثواب، وهكذا قال في المدونة 42، وهو المشهور.
ابن يونس، وغيره: ولمالك قول بثبوتها في ذلك 43. فأما هبة الثواب فهي بيع من البيوع، لكن لا تكون فيها الشفعة إلا بعد دفع الثواب؛ ولهذا قال هنا: (وإلا فبه بعده) أي: وإن لم تكن الهبة لغير ثواب، بل كانت للثواب، فإن في ذلك الموهوب الشفعة بعده، وقاله في المدونة 44.
قوله: (وخِيَارٍ إِلا بَعْدَ مُضِيِّهِ) أي: وهكذا لا شفعة في بيع الخيار إلا بعد مضيه، وهو مثل قوله في المدونة: ومن ابتاع شقصًا على خيار، فلا شفعة فيه حتى يتم البيع 45. ولا خلاف فيه بين ابن القاسم وأشهب، وإنما اختلفا هل الخيار الحكمي كالشرطي، أو لا؟ .
قوله: (ووَجَبَتْ لِمُشْتَرِيهِ، إِنْ بَاعَ نِصْفَيْنِ خِيَارًا ثُمَّ بَتْلا) أي: ووجبت الشفعة لمشترى الخيار، إن باع المالك نصفين أحدهما خيارًا أولًا، والثاني 46 بتلا بعده؛ ولهذا قال: (ثم بتلا)، وقوله: (فأمضى) 47، أي: بيع الخيار؛ وهو مبني على أن بيع الخيار منعقد من
الجزء: 4 - الصفحة: 444
أوله، فمشترى البتل متجدد على مشترى الخيار 48. وعلى القول أن بيع الخيار منحل؛ تكون الشفعة لمشترى البتل.
وهكذا بنى الأشياخ القولين.
وهو جار على خلاف المعهود؛ لأن 49 الأول منهما هو مذهب ابن القاسم، والمعروف من المذهب أن بيع الخيار منحل.
قال في المدونة: ومن ابتاع 50 شقصًا بيع خيار وله شفيع، فباع الشفيع شقصه قبل تمام الخيار بيع بتل فإن 51 تم بيع الخيار، فالشفعة لمبتاعه 52.
أبو الحسن، وقال أشهب: هي 53 لمبتاع البتل 54، بناء على أن بيع الخيار منعقد 55، أو 56 منحل حتى ينعقد.
وإذا فرعنا على هذا الخلاف، وعلى الخلاف في بيع الحصة المستشفع بها هل تسقط الشفعة؟ كما سيأتى أم لا 57، إذا باع أحدهما نصيبه بالخيار، ثم باع الآخر نصيبه بتلًا، ثم أمضى بيع الخيار؛ فإن المسألة يتحصل فيها أربعة أقوال:
فعلى أن بيع الخيار منعقد، وأن بيع الحصة لا يسقط الشفعة؛ فالشفعة لبائع البتل على مشترى الخيار.
وعلى أنه منحل، وأن بيع الحصة يسقط 58 الشفعة؛ فالشفعة 59 لمشتري البتل وهو قول أشهب وعلى أنه منعقد وأن بيع الحصة يسقط الشفعة لمشترى الخيار، وهو مذهب المدونة 60. وعلى أنه منحل، وأن بيع الحصة لا يسقط
الجزء: 4 - الصفحة: 445
الشفعة، فالشفعة لبائع الخيار، وهو قول، أصبغ 61 وابن المواز 62.
قوله: (وبَيْعِ فَاسِدٍ 63، إِلا أَنْ يَفُوتَ، فَبِالْقِيمَةِ) يريد: أن البيع الفاسد لا شفعة فيه؛ لأنه مفسوخ، إلا أن يفوت فإن المشتري يملكه بالقيمة، ويكون 64 فيه الشفعة حينئذ بتلك القيمة التي وجبت على المشتري يريد: إذا كان فواته 65 بغير البيع الصحيح؛ ولهذا قال: (إِلا بِبَيْعٍ صَحَّ، فَبِالثَّمَنِ فِيهِ) أي: فإن كان الفوات إنما حصل بسبب البيع الصحيح، بأن يكون المشتري 66) شراء فاسدًا قد باع الشقص بيعًا صحيحًا؛ فإن الشفيع يأخذه 67) بالثمن الوا قع في البيع الصحيح، وهو مراده بقوله: (فبالثمن فيه).
واحترز بقوله 68: (بالبيع الصحيح) من (الفاسد) فإنه لا يفيت، قال في المدونة: وإذا باعها المشتري 69 شراء فاسدًا 70 بيعًا فاسدًا، رد الأول والآخر جميعًا، إلا أن يفوت وتجب فيه القيمة فلا يرد 71.
قوله: (وتَنَازُعٍ فِي سَبْقِ مِلْكٍ) يريد: أن الشريكين إذا تنازعا في سبقية الملك، فادعى كل واحد منهما أن ملكه سابق على ملك صاحبه، وطلب كل واحد منهما 72 الشفعة بذلك؛ فإنها لا تثبت بذلك لواحد منهما 73، لكن لكل واحد تحليف الآخر، فإن حلفا أو نكلا فلا كلام, وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالشفعة للحالف؛ ولهذا قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 446
(إِلا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدُهُمَا) أي: فإن الشفعة لصاحبه الذي حلف عليه (1).
(المتن)
وَسَقَطَتْ إِنْ قَاسَمَ أَوِ اشْتَرَى، أَوْ سَاوَمَ، أَوْ سَاقَى، أَوِ اسْتَأْجَرَ؛ أَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ، أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ، أَوْ شَهْرَيْنِ، إِنْ حَضَرَ الْعَقْدَ.
وَإِلَّا سَنَةً، كَأَنْ عَلِمَ فَغَابَ، إِلَّا أَنْ يَظُنَّ الأَوْبَةَ قَبْلَهَا، فَعِيقَ.
وَحَلَفَ إِنْ بَعُدَ، وَصُدِّقَ إِنْ أَنْكَرَ عِلْمَهُ، لَا إِنْ غَابَ أَوَّلًا أَوْ أَسْقَطَ لكذب فِي الثَّمَنِ، وَحَلَفَ أَوْ فِي الْمُشْتَرَى، أَوِ فِي الْمُشْتَرِي، أَوِ انْفِرَادِهِ، أَوْ أَسْقَطَ وَصِيٌّ أَوْ أَبٌ بِلَا نَظَرٍ، وَشَفَعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ آخَرَ.
أَوْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ وَحَلَفَ وَأَقَرَّ بَائِعُهُ.
وَهِيَ عَلَى الأَنْصِبَاءِ، وَتُرِكَ لِلشَّرِيكِ حِصَّتُهُ، وَطُولِبَ بِالأَخْذِ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ لَا قَبْلَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ إِسْقَاطُهُ.