12345678 الجزء: 4 - الصفحة: 221
قوله: (وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ، المُعْسِرَ أوِ المُوسِرَ، إِن سَكت أَوْ لم يَعلَمْ، إِنْ حلف 9 أنه لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا وَإِنْ أَنكَرَ حَلَفَ أنّه لم يُسْقِطْه وَلَزِمَهُ) هكذا حمل في البيان هذه المسألة، وفيه تقديم وتأخير واختصار فيه، وإذا أخّر الطالب الغريم فلا يخلو إما أن يكون مليا أو معدما، فإن كان معدما فلا كلام للحميل باتفاق، وإن كان مليا فلا يخلو من ثلاثة أوجه.
الأول: أن يعلم فسكت حتى يحل الأجل، فالحمالة فيه لازمة، وقاله في المدونة 10، ويدخله الخلاف المعلوم في السكوت، هل هو كالإقرار أم لا.
والثاني: ألا يعلم حتى يحل الأجل الذي أنظره إليه، فإن صاحب الحق يحلف أنه ما أخّره ليبرئ الحميل من حمالته، فإن نكل عن اليمين سقطت الحمالة.
والثالث: أن يعلم فينكر فلا يلزمه تأخير الطلب، ويقال له: إما أن تسقط الكفالة وإلا فاحلف أنك ما أخّرته إلا على أن يبقى الكفيل على كفالته، فإن حلف لم يلزمه التأخير، وإن نكل لزمه، والكفالة ثابتة 11 على كل حال، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة 12، وإن كان قد سكت فيها عن اليمين، وقال غيره في المدونة 13: أنها 14 ساقطة على كل حال، وقيل: أنها لازمة بكل حال 15.
قوله: (وَتَأخرُ غَرِيمِهِ بِتَأْخِيرهِ، إِلا أنْ يَحْلِفَ) يريد: أن الطالب إذا أخّر الحميل بعد حلول الدين فذلك تأخير للغريم إلا أن يحلف ما كان ذلك تأخيرا للغريم، وقاله في المدونة، ثم قال: ويكون له طلبه، فإن نكل لزمه تأخيره.
قوله: (وَبَطَلَ، إِنْ فَسَدَ مُتَحَمَّلٌ بِهِ) يريد: أن الضمان يفسد لفساد 16 الدين، وهو المراد بالمتحمل به، كما إذا أعطاه دينارا بدينارين إلى شهر أو دراهم بدنانير إلى شهر أو
الجزء: 4 - الصفحة: 222
بالعكس، ويتحمل له رجل بذلك، وذهب ابن القاسم في المدونة والعتبية إلى البطلان كما قال، ورواه عن مالك 17، وبه قال ابن عبد الحكم ونحوه في الموازية 18، ومذهب الغير في المدونة الصحة 19، وبه قال سحنون في نوازله أن الحمالة لازمة للحميل على كل حال، ولو فسد البيع، وقيل: إن الحميل يلزمه ذلك فيما دفع الطالب إن علم بالفساد وإلا فلا، مثاله أن يعطي دينارا في دينارين، ويتحمل الضامن بذلك مع علمه فعليه الدينار الذي دفع الطالب 20 فقط، وإن لم يعلم فلا شيء عليه.
قوله: (أو فَسَدَتْ بِكَجُعْلٍ 21 وإن مِنْ غير رَبهِ 22 كَمَدِينهِ 23) أي: وهكذا يبطل الضمان إذا فسدت الحمالة مثل أن يأخذ الضامن جعلا على ذلك، وسواء كان من رب المال أو من المدين أو غيرهما، وقال ابن القاسم ومطرف وعبد الملك وابن وهب وأصبغ: إن علم بذلك الطالب سقطت الحمالة وإلا رد الجعل والحمالة تامة 24، واختلف في رب الدين يعطي المديان شيئا على إن أعطاه حميلا بدينه 25 فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وعن أشهب أنه لا يصح، وعنه أيضا كراهته 26.
قوله: (وإن بِضَمانِ مَضْمُونهِ) أي: ولأجل أن الضمان بجعل ممتنع 27 امتنع أن يضمنه مضمونه 28؛ لأن كل واحد منهما ضمن صاحبه بجعل وهو ضمان صاحبه له.
الجزء: 4 - الصفحة: 223
قوله: (إِلا في اشْتِرَاء شَيْءٍ بَيْنَهُما) أي: أن هذه المسألة 29 وإن كان ظاهرها الضمان بجعل فإنها جائزة، وهو المنصوص لعمل الماضين، وهو مقيد بما إذا استويا في مقدار الضمان مثل أن يشتريا سلعة بمائة 30 بينهما بالسوية، ويضمن كل منهما الآخر 31 فيما عليه، أما لو كان على أحدهما الثلثان، وعلى الآخر الثلث وضمن كل منهما الآخر بما 32 عليه لم يجز إلا أن يتحمل صاحب الثلث بمقدار ما تحمل به الآخر، ذكره في النكت.
قوله: (أَوْ بَيْعِهِ) كما إذا باعا سلعة على أن كل واحد منهما ضامن للآخر في ذلك، وقد حكى ابن كنانة منعه.
ابن رشد وغيره: والصحيح خلافه، وقد أجاز في السلم الثاني أن يسلم إلى رجلين على أن كل واحد منهما حميل بالآخر 33، ومنع في البيوع الفاسدة أن يبيع الرجلان سلعتهما لرجل على أن كل واحد منهما حميل بالآخر 34، وجعله بعضهم خلاف قول ابن رشد، والصواب خلافه 35.
قوله: (كَقَرْضِهِما على الأَصَحِّ) أي: وكذا يجوز أن يقترضا 36 شيئا من رجل على أن يكون كل واحد منهما ضامنا لصاحبه، وإليه ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار وابن عبد السلام، وهو الأصح عندي، وذهب ابن الفخّار إلى عدم جوازه 37.
قوله: (فَإنْ تَعَدَّدَ حُمَلاءُ اتُّبعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ) معناه أن يتحمل رجلان فأكثر بما على رجل، يريد: وليس بعضهم حميلا عن بعض يبينه ما بعده، ولا إشكال أن كل واحد لا يطالب إلا بمقدار ما تحمل به من الدين عند تعذر الأخذ من الغريم.
الجزء: 4 - الصفحة: 224
قوله: (إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ) أي: إلا أن يشترط في أصل عقد (1) الكفالة أن بعضهم حميل عن بعض، فحينئذ يكون له إن غاب أحدهم (2) أو أعدم أن يأخذ من وجده (3) مليا بجميع حقه، قال في المدونة: وإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ما عليه؛ إذ لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به (4) وملائه، ولو شرط أيهم شئت أخذت بحقي، ولم يقل بعضهم كفيل ببعض، فله أخذ أحدهم بجميع الحق، وإن كانوا حضورا أملياء، ثم لا رجوع للغارم على أصحابه بشيء إذ لم يؤدِّ بالحمالة عنهم ولكن عن الغريم (5). قوله: (كَتَرَتُّبِهِمْ) يشير به إلى ما رواه ابن وهب في المدونة عن مالك فيمن كتب حقه على رجلين واشترط أن يأخذ حيهما عن ميتهما أو مليهما عن معدمهما، ثم قال: فذلك كحمالة أحدهما على الآخر (6).
(المتن)
وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُل مَا على الْمَلْقِى، ثُمَّ سَاوَاهُ، فَإنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُم أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ، ثمَّ إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ، فَإنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وإنْ لَقِيَ الثالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَبِمِثْلِهَا، ثم بِاثْنَي عَشَرَ وَنصفٍ، وَبِسِتَّةٍ وَرُبُع.
وَهَلْ لا يَرجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحَقُّ على غَيْرِهِمْ أَوْ لا وَعَلَيْهِ الأكثَرُ؟ تأوِيلانِ.
وَصَحَّ بِالْوَجْهِ.