قوله: (ومنع منه بيع حاكم ووارث رقيقًا فقط بين أنه وارث) الضمير المجرور راجع إلى خيار النقيصة، والمنصوب راجع إلى المبيع، وفاعل (بين) ضمير يعود إلى الوارث ونحوه، والمعنى أن بيع الحاكم لغيره؛ وبيع الوارث 1 يمنع من خيار المبتاع؛ لأنه بيع براءة وإن لم يشترطاهما، وقاله في المدونة واحترز بقوله: (رقيقًا فقط) من غيره فإنه لا يمنع من ذلك على المشهور 2.
واحترز بقوله: (بين) مما إذا باعا ولم يبينا 3 فإنه لا يمنع من الرد.
قوله: (وخير مشتر ظنه غيرهما) أي فإن اشترى ذلك وهو يظن أن البائع غير الحاكم، أو بأنه غير وارث فإنه يخير في رد ما ابتاعه أو حبسه بلا عهدة وهو مذهب المدونة 4.
وقال ابن حبيب: ليس له رد 5.
وقوله: (وتبرؤ غيرهما فيه مما لم يعلم إن طالت إقامته) أي: ومما يمنع من خيار المبتاع تبرؤ غير الحاكم، والوارث في الرقيق من عيب لا يعلم به بشرط أن تكون إقامته قد طالت عنده، واختصاص ذلك بالرقيق هو مذهب المدونة كما نبه عليه ونحوه في الموازية، وشهره ابن عبد الحكم 6 وقيل: إن بيع البراءة مختص بالمفلسين ببيع الحاكم عليهم الرقيق، وفي الموطأ اختصاصه بالرقيق والحيوان.
وفي الموازية: أيضًا يختص بالتافه من الثياب والحيوان 7.
الجزء: 3 - الصفحة: 612
وفي الواضحة: يعم كل شيء حيوانًا أو غيره 8.
وفيها أيضًا: يختص بما طالت إقامته عند البائع واختبره، والذي رجع إليه في المدونة أنه لا يفيد 9 مطلقًا، وعن ابن حبيب أن ذلك يكون في الرقيق وغيره من الحيوان، والعروض في بيع الطوع 10 دون بيع الحاكم والوارث 11، وقيل: ولا يصح بشرط بل يوجبه الحكم في بيع الحاكم وأهل الميراث وذهب ابن أبي زيد وغيره إلى أنه لا يختلف في بيع الحاكم أنه بيع براءة، واحترز بقوله: (إن طالت إقامته) مما إذا ابتاع عبدًا مثلًا؛ فباعه بفور ذلك وشرط البراءة، فإنه لا يفيده على المشهور وهو مذهب المدونة، والواضحة، والموازية.
خلافًا لعبد الملك 12.
قوله: (وإِذا عَلِمَهُ بَيَّن أَنهُ بِهِ ووَصَفَهُ وأَرَاهُ لَهُ ولَمْ يُجْمِلْهُ) يريد ان البائع يجب عليه إذا علم عيبًا بالمبيع أن يبين للمشتري 13 أنه به، ويصفه بفي هو عليه ويريه ولا يجمله له، كقوله: هو سارق فيوجد ينقب وهو آبق، فيوجد قد أبق من مصر إلي المدينة.
ويحتمل أن يريد بالإجمال أن يذكر ذلك العيب مع غيره وهو الظاهر.
قال في المدونة: وإن تبرأ إليه من عيوب بعضها فيه وبعضها ليست فيه لم تنفعه البراءة وللمبتاع الرد بما سمي له ولم يره إياه 14.
قوله: (وزَوَالُهُ إِلا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ) أي: ومما يمنع خيار المشتري زوال العيب الذي ظهر بالمبيع إذا زال على وجه تؤمن معه العودة عادة، فأما إن لم يتحقق زواله فلا يمنع تخييره، وقاله ابن القاسم، ولهذا قال: (إلا محتمل العود)، وذلك كاحتمال عودة البول في الفراش.
وقال أشهب: إذا انقطع سنين كثيرة فليس بعيب وإن كانت يسيرة فهو عيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 613
الباجي: ويحتمل أن يكون قولهما واحدًا إذا انقطع مثل العشرة أعوام 15. وقال اللخمي: إنما الخلاف بينهما في الاختلاف في الصورة 16.
قوله: (وفي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وطَلاقِها وهُوَ المُتأوَّلُ، والأَحْسَنُ، أَوْ بِالمَوْتِ وهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ لا؟ أَقوال) يريد أنه اختلف هل يزول عيب التزويج بموت زوجة العبد المشترى أو طلاقها وهو تأويل فضل على المدونة، واختيار التونسي، أو إنما يزول بالموت فقط دون الطلاق، وهو قول أشهب، وابن حبيب ورجحه ابن رشد، أو لا يزول بالموت ولا بالطلاق، وهو قول مالك لاعتياده بالزوجية 17.
ابن رشد: والطلاق أشد لتعلق نفس العبد 18 بالزوجة، وتعلق نفس الأمة بالزوج 19.
قولى: (ومَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) يريد أن كل ما يدل على الرضا بالمعيب فإنه يتنزل منزلة الرضا به لفظًا ويمنع المبتاع حينئذٍ من التخيير فيه، وأطلق فيما يدل ليشمل الفعل الدال على الرضا به، والسكوت عن القيام بالعيب من غير عذر مانع له من القيام، وأشار بقوله: (إِلا مَا لا يُنَقِّصُ، كَسُكْنَى الدَّارِ) إلى أن مشتري الدار إذا اطلع على عيب بها، وهو ساكن بها فلا يضره التمادي على السكني أو لا يكون ذلك دليلًا على الرضا بالدار.
المازري وغيره: ولا يلزمه إخلاؤها بل يبقي على استعمالها وهو يخاصم؛ لأن ذلك غلة وخراج، "والخراج بالضمان" والضمان منه 20.
قوله: (وحَلَفَ إِنْ سَكَتَ بِلا عُذْرٍ فِي كَالْيَوْمِ) أي فإن اطلع على العيب وسكت يومًا ونحوه عن القيام به من غير عذر، فإنه يحلف ما سكت رضًا به، وقال في المدونة: وإن سكت لعذر كخوف على نفسه وماله، فإن ذلك لا يبطل خياره، وإن سكت أكثر من ذلك فلا خيار له 21، وهو مفهوم المدونة 22.
الجزء: 3 - الصفحة: 614
قوله: (لا كَمُسَافِرٍ اضْطرَّ لها أوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ) فإن المسافر إذا اطلع على عيب بالدابة في السفر، وهو مضطر إلى استعمالها فإن ذلك لا يكون رضا بها 23 ولا يبطل خياره.
قاله محمد 24، وابن القاسم، وغيرهما وروى أشهب عن مالك أيضًا أن حمله عليها رضا بها.
وقال في العتبية: وليس عليه شيء في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكري غيرها، أو 25 يسوقها وليركبها.
ابن رشد: ويستحب أن يشهد أن ركوبه إياها ليس رضا بها بالعيب، وإن لم يشهد فلا يضره 26.
وقال ابن كنانة: يشهد على العيب ويردها ولا يركبها في ردها إلا أن يكون بين قريتين فيبلغ عليها إلى القرية ليشهد على ذلك.
وقال ابن نافع: لا يحمل عليها ولا يركبها إلا أن لا يجد بدًا من ذلك، فليشهد عليه وليركب أو يحمل إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها فيه، يعني حتى يجد حاكمًا وبينة تشهد له بذلك الموضع بما يستوجب ردها، وأشار بقوله: (أو تعذر قَوْدُهَا لحاضِرٍ) إلى أن الحاضر إذا اطلع على العيب بالدابة، فإنه ينزل عنها ولا يركبها إلا أن يتعذر قودها لمكانه إما لتعذر ذلك من جهة الدابة أو جهته بأن يكون من ذي المناصب والهيئات الذي يزدري بهم قودها 27، وفي العتبية إن ركبها ركوبَ احتباسٍ 28 لها بعد علمه بالعيب لزمه وذلك رضا 29، وإن كان ليردها وشبهه فلا شيء عليه 30.
الجزء: 3 - الصفحة: 615
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يركبها بالمعروف في مكانه إذا ألجأه البائع إلى الخصومة حتى يحكم له بردها، لأن عليه النفقة ومنه الضمان 31.
قوله: (وَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ) أي: أشهد شاهدين أنه لم يرض بالعيب ورد عليه إن أمكن مثل أن يكون البائع قريب الغيبة 32، أو له وكيل حاضر فإن 33 عجز عن الرد لبعد غيبة البائع وعدم وكيله أعلم القاضي ولهذا قال: (فَإِنْ عَجَزَ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ) لكنه يوهم أن العجز عن الإشهاد، وليس كذلك.
قوله: (فتَلَوَّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ) هكذا قيده في كتاب العيوب من المدونة ببعيد الغيبة إن طمع بقدومه ولهذا كان الأولى حذف (أو) 34 من قوله: (أَوْ إِنْ 35 رُجِيَ قُدُومُهُ).
قال في المدونة: ولا يعجل بالقضاء على قريب الغيبة.
وأشار بقوله: (كأنْ لَمْ يُعْلَمْ موضعهُ 36 عَلَى الأَصَحِّ) إلى أن مجهول الغيبة كالبعيد يقضى عليه بعد التلوم، وهو قول ابن شعبان.
وقال ابن القطان 37: لا يقضى عليه.
ابن رشد 38: والأول أصوب.
وقيل: يحكم عليه من غير تلوم وإليه أشار بقوله: (وفِيهَا أَيْضَا نَفْيُ التَّلَومِ 39، وفي حمله على الخلاف تأويلان) والذي اعتمد عليه أهل الوثائق التلوم قال في المدونة ولا يعجل بالقضاء على قريب الغيبة 40
الجزء: 3 - الصفحة: 616
(المتن)
ثُمَّ قَضَى إِنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً، وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ إِنْ لَم يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا، وَفَوْتُهُ حِسًّا: كَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا وَمَعِيبًا، وَيُؤْخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النِّسْبَةُ، وَوُقِفَ فِي رَهْنِهِ وَإجَارَتِهِ لِخَلاصِهِ، وَرُدَّ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ: كَعَوْدِهِ لَهُ بِعَيْبٍ أَوْ مِلْكٍ مُسْتَأَنَفٍ: من بيع أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ؛ فَإِنْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِي مُطْلَقًا، أَوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، أَوْ أَكْثَرَ إِنْ دَلَّسَ، فَلا رُجُوعَ، وَإِلَّا رَدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ بِأَقَلَّ كَمَّلَ،