قوله: (وبُدِئَ بالدِّيوَانِ، إِنْ أُعْطُوا) يريد: أن أهل الديوان مقدمون على العصبة، وهو قول مالك وأَصبغ وأشهب 1، وحكى ابن شعبان أنه لا يَعْقِل عن الإنسان إلا قومه، ولا يدخل أهل الديوان في ذلك، وعلى الأول يشترط 2 في أهل الديوان أن يكون العطاء قائمًا ليعطوا منه، ونقله اللخمي عن ابن القاسم، وأشهب 3، وقال أشهب: فإن لم يكن العطاء قائمًا لهم حمل عنه قومه.
قوله: (ثُمَّ بِهَا الأَقْرَبِ فالأَقْرَبِ) أي: فإن لم يكن من ديوان بدئ بالعصبة الأقرب فالأقرب.
قوله: (ثُمَّ الْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ، ثُمَّ الأَسْفَلُونَ) أي: فإن لم يكن ثَمَّ 4 عصبة بدئ بالموالي الأعلين، فإن لم يكونوا فالأسفلون، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وذهب سحنون إلى عدم دخولهم 5.
قوله: (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا) يريد: لأن بيت المال لا يعقل عن غير المسلم 6، وهو ظاهر على القول بأن مال الكتابي الحر إذا مات لأهل دينه من كورته، وأما على قول ابن القاسم بأن ماله للمسلمين 7 فينبغي أن يعقل عنه من بيت المال.
قوله: (وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ ذُو دِينِهِ) أي: فإن كان الجاني من أهل الذمة عقل عنه أهل دينه، وإنما قال: (ذُو دِينِهِ) احترازًا من اليهود مع النصارى، فإنهما لا يتعاقلان.
قوله: (وَضُمَّ كَكُوَرِ مِصْرَ) يريد: أن البلاد المصرية يضم بعضها إلى بعض؛ أي: وكذلك بلاد الشامية.
الجزء: 5 - الصفحة: 289
قوله: (والصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ) أي: فإن كان الجاني من أهل الصلح عقل عنه أهل صلحه، وقاله مالك في الموازية 8.
قوله: (وَضُرِبَ عَلَى كُلِّ مَا لا يَضُرُّ) أي: فإذا ضربت الدية على العاقلة وزعت على قدر الطاقة، فلا يضرب على أحد منهم إلا ما لا يضر بماله 9 على قدر غنائه في الكثرة والقلة.
قوله: (وَعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، وَامْرَأَةٍ، ومَجْنُونٍ، وفَقِيرٍ، وَغَارِمٍ وَلا يَعْقِلُونَ) هكذا قال اللخمي: إن الخمسة يعقل عنهم ولا يعقلون 10، قال: والغارم إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده ويفضل له ما يكون به في أعداد الفقراء، وإذا كان لا شيء في يده فهو فقير 11، يريد: وإن كان يفضل له ما يكون به في أعداد الأغنياء فلا يسقط عنه.
قوله: (والْمُعْتَبرُ وَقْتُ الضَّرْبِ لَا إِنْ قَدِمَ غَائِب، وَلَا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ) يريد: أن المراعاة في حال من تضرب عليه يوم التوزيع لا يوم القتل ولا يوم الأداء، ولهذا إذا كان غائبًا يوم ضربها غيبة بعيدة ثم قدم، أو غير بالغ ثم بلغ بعد ذلك، لم يدخل مع العاقلة، كما أن من أعسر بعد ضربها عليه لم تسقط عنه، ومثله من مات بعد ضربها عليه، وهو قول ابن الماجشون وسحنون، وقال ابن القاسم وأصبغ: تسقط 12. وحكى الشيخ 13 الأول عن ابن القاسم، قال: وهو الأقرب 14 ورجحه أيضًا غيره.
قوله: (وَلَا دُخُولَ، لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضرِيٍّ) يريد: أن عاقلة الجاني الواحد لا يكون منها بدوي وحضري، وإن كانا من قبيلة واحدة، وقاله مالك 15 في المدونة، وبه أخذ ابن القاسم، وعلله بأن الدية لا تكون متنوعة من إبل ونقد 16، ولأشهب وعبد
الجزء: 5 - الصفحة: 290
الملك أن 17 الأقل تبع للأكثر.
وإن كانا متناصفين قال عبد الملك: أو يقرب بعضهم من بعض حمل كل فريق ما هو أهله، وروي عن مالك 18.
قوله: (وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا) يريد: أن الشامي لا دخول له مع مصري، والعكس في ذلك، ومراده بالإطلاق سواء قربوا أو بعدوا، اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف.
قوله: (وَالْكَامِلَةُ فِي ثَلاثٍ) لما قدم أن الدية تنجم أخذ يبين كيفية التنجيم في ذلك 19 فقال: (وَالْكَامِلَةُ) أي: الدية الكاملة (في ثلاث سنين)، وسواء كانت دية المسلم أو غيره، ذكرًا أو أنثى.
ابن عبد البر: وما قيل: إنها تنجم في أربع فشذوذ 20.
قوله: (تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا) أي: يحل النجم الثالث بآخر السنة الثالثة.
قوله: (مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ) أي: يكون ابتداء التنجيم يوم الحكم لا يوم القتل، ولا يوم الخصام أو صدور البينة.
قوله: (وَالثُّلُثُ والثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ) أي: ينجم الثلث في سنة والثلثان في سنتين، وهذا على المشهور أن غير الكاملة تنجم أيضًا، وقيل: إنها حالَّة وهما روايتان عن مالك 21.
قوله: (وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ) أي: فإن كان الواجب النصف نجم الثلث في سنة، وجعل للسدس 22 الزائد سنة أخرى، وتبع الشيخ هنا 23 تشهير ابن الحاجب 24، وهو غير موجود، والذي حكاه ابن الجلاب 25 في ذلك روايتان، وإحداهما أن الإمام يجتهد في ذلك فينجمه على ما يرى، والأخرى أن
الجزء: 5 - الصفحة: 291
ذلك في سنتين (1). وحكى في المدونة الروايتين في النصف، ابن القاسم: وأحب إلي أن يكون في سنتين، قال في المدونة: والثلاثة الأرباع في ثلاث سنين (2). وهذا يوافق ما ذكره الشيخ هنا؛ إلا أن (3) الثلاثة الأرباع على ما قال في المدونة تكون في ثلاث سنين متساوية لكل سنة ربع الدية، وكذا على قول ابن القاسم.
(المتن)
وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا.
وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ؟ أوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ.
وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ، لَا صَائِل، وَلَا قَاتِلِ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ.
وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ، وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ، وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفِهِ.