قوله: (وَفِي الْفَقْدِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ) أي: فإن فقد في المعترك الكائن بين المسلمين والكفار فإن الزوجة تعتد بعد 3 سنة بعد النظر في أمره، وذكر في المقدمات فيها أربعة أقوال:
روى ابن القاسم عن مالك: أن حكمه حكم الأسير.
وروى أشهب عنه أن حكمه حكم المفقود 4 بعد أن يتلوم له سنة من يوم يرفع أمره إلى السلطان ثم تعتد.
وقيل: حكمه حكم المفقود في جميع أحواله وحكاه محمد وعابه.
وقال أحمد بن خالد: حكمه حكم المفقود 5 في الزوجة فتعتد بعد التلوم وتتزوج، وبحكم 6 المفقود في المال فلا يقسم حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا12
الجزء: 3 - الصفحة: 353
إلَّا مثله 7.
وكلام الشيخ هنا نص عليه ابن الحاجب بهذه العبارة 8، وتأول رواية أشهب عليه، وفيه بُعد فتأمله 9.
قوله: (وللْمُعْتَدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ أَو الْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ السُّكْنَى) يريد: أن السكنى واجبة للمطلقة، يريد الرجعية أو 10 البائن لأنَّها محبوسة بسببه، وقاله في المدونة 11، ولهذا كان قوله: 12 (أو المحبوسة بسببه) من باب عطف العام على الخاص 13، وذكره ليشمل من فسخ نكاحها لفساده؛ لأنَّها محبوسة بسببه في الاستبراء، وكذلك الملاعنة على المشهور، وقيل: لا سكنى لها، واختاره ابن رشد 14 لانقطاع الزوجية وأسبابها بينهما 15، واحترز بقوله: (في حياته) مما إذا لَمْ يعثر 16 على فساد النِّكَاح إلَّا بعد ممات الزوج، فإن المرأة حينئذ لا يكون لها في مدة الاستبراء سكنى.
قوله: (وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ دَخَلَ بِهَا، وَالْمَسْكَنُ لَهُ أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ) أي: وللمتوفي عنها أيضًا السكني، وإنما حذف ذكر السكنى من هذا الكلام استغناء عنه بما فوقه، والمشهور ما ذكره وهو مذهب المدونة 17، قيل: وإنما ألحق المنقود كراؤه بالملك؛ لأنه يملك منه 18 المنفعة المقصودة من الملك وهو السكنى 19 غالبًا، وقيد ذلك أبو عمران بأن تكون قد انتقلت إليه، وإلا
الجزء: 3 - الصفحة: 354
فلا سكنى 20 لها 21، وروى 22 ابن دينار عن ابن القاسم: إن كان المسكن 23 له فلها السكني، وإلا فلا، وعن مالك: سقوط السكنى ولو كان المسكن له 24 أي: لأن ملكه قد زال عنه وانتقل الحق للورثة.
قوله: (لا بِلا نَقْدٍ) أي: فلا سكنى لها، وقاله في المدونة، وزاد: ولو كان الزوج موسرًا وتؤدي ذلك من مالها، ولا تخرج إلَّا أن يخرجها رب الدار ويطلب من الكراء ما لا يشبه 25، وظاهره كان الكراء وجيبة أي: مدة معينة، أو مشاهرة 26، وعليه حملها الباجي وغيره، وحملها بعض القروين على المشاهرة، قال: وأما الوجيبة فهي أحق، سواء نقد الكراء أم لا 27، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وهَلْ مُطْلَقًا أَوْ لا إِلَّا الْوَجِيبَةَ؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (ولا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ إِلَّا أَنْ يُسْكِنَهَا) أي: وكذا لا سكنى لها إن لَمْ يكن الزوج قد دخل بها، إلَّا أن يكون قد أسكنها قبل موته.
بعض الأشياخ: وهو صحيح إن كان أسكنها معه لأنَّها كالمدخول بها، وتردد فيما إذا أسكنها في موضع له غير محل سكناه.
ابن يونس عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن: وإن كانت إنما أخذها ليكفها 28 ثم مات فلا سكنى لها، وأظن أن ابن المواز ذكره، وإليه أشار بقوله: (إلَّا ليَكُفَّهَا 29)؛ أي: فلا سكنى لها.
قوله: (وسَكَنَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْكُنُ) أي: فحالها في السكنى كحالها في الزوجية،
الجزء: 3 - الصفحة: 355
سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، ولهذا كانت الأمة التي لَمْ تبوأ 30 بيتًا 31 تعتد في بيت سيدها، ولا يجب على زوجها إسكانها لا في طلاق ولا غيره.
قوله: (ورَجَعَتْ لَهُ إِنْ نَقَلَهَا واتُّهِمَ، أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ وَإِنْ لِشَرْطٍ فِي إِجَارَةِ رَضَاعٍ وَانْفَسَخَتْ) أي: فإن نقلها إلى غير منزل سكناها ثم طلقها، واتهم على إسقاط حق الله تعالى من السكنى، فإنها ترد إلى المنزل الأول، ولم يكتفوا منه هنا باليمين، وأشار بقوله: (أو كانت بغيره) إلى ما ذكره التونسي: أنَّها إذا كانت إقامتها في غير منزلها لحق آدمي مثل أن تكون استؤجرت لرضاع بشرط أن تكون في دار أبوي 32 الولد فمات زوجها أو طلقها، فإنها ترجع إلى بيتها، وتنفسخ الإجارة، قال: بخلاف حق الله تعالى في العكوف والإحرام.
قوله: (وَمَعَ ثِقَةٍ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْعِدَّةِ، إِنْ خَرَجَتْ صرُورَةً فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا فِي كَالثَّلاثَةِ الأَيَّامِ) يريد: أن المرأة إذا خرجت مع زوجها إلى حجة الفريضة وهو معنى قوله: (إن خرجت صرورة) فطلقها أو مات عنها، فإنها ترجع إلى منزلها لتتم فيه العدة إن بقي منها شيء، وظاهر المدونة كما هنا أنَّها ترجع ولو أدركت من العدة 33 يومًا واحدًا 34، وقيدها اللخمي بما إذا كانت تدرك ما له قدر، وإلا اعتدت بمكانها إن كان متسعًا 35، وإلا انتقلت إلى أقرب مستعتب 36 إليه.
وقوله: (ومع ثقة) أي 37: محرم أو نساء لا بأس بهن، قاله اللخمي.
وأشار بقوله: (في كالثلاثة الأيام) إلى أن المرأة إنما ترجع إذا كان سيرها 38 عن موضع سكناها الأول 39 مقدار ثلاثة أيام
الجزء: 3 - الصفحة: 356
ونحوها (1).
قوله: (وَفِي التَّطَوُّعِ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ خَرَجَ لِكَرِبَاطٍ لَا لِمُقَامٍ وَإِنْ وَصَلَتْ) أي (2): وترجع (3) في حجة التطوع والخروج (4) إلَّا الرباط ونحوه (5) وإن وصلت إلَّا المكان المقصود (6)، وقاله في المدونة (7). ومنهم من سوى بين حج الفرض والتطوع بخلاف الغزو والرباط.
التونسي: وينبغي أن يلحق بذلك الغزو ونحوه (8)، وهذا كله إذا كان سفره لغير مقام كما قال.
واختلف إذا أقامت به الأشهر أو السنة، فذكر التونسي وغيره قولين أحدهما وهو ظاهر المدونة: أنَّها ترجع، والآخر: أنَّها لا ترجع، وهو قول مالك في الموازية (9). ابن عبد الحكم: والأول أحسن (10). وإليه أشار بقوله: (وَالأَحْسَنُ (11) وَلَوْ أقَامَتْ نَحْوَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ).
وقال اللخمي: الثاني أحسن (12)، وإليه أشار (13) بقوله: (وَالْمُخْتَارُ خِلافُهُ).
(المتن)
وَفِي الاِنْتِقَالِ تَعْتَدُّ بِأَقْرَبِهِمَا أَوْ أَبْعَدِهِمَا أَوْ بِمَكَانِهَا، وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ رَاجِعًا.
وَمَضَتِ الْمُحْرِمَةُ أَوِ الْمُعْتَكِفَةُ أَوْ أَحْرَمَتْ وَعَصَتْ.
وَلَا سُكْنَى لِأَمَةٍ لَمْ تُبَوَّأْ، وَلَهَا حِينَئِذٍ الاِنْتِقَالُ مَعَ سَادَتِهَا، كَبَدْوِيَّةٍ ارْتَحَلَ أَهْلُهَا فَقَطْ، أَوْ لِعُذْرٍ لَا يُمْكِنُهَا40414243444546474849505152
الجزء: 3 - الصفحة: 357
الْمُقَامُ مَعَهُ بِمَسْكَنِهَا، كَسُقُوطِهِ وَخوْفِ جَارِ سُوءٍ، وَلَزِمَتِ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ.
وَالْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا طَرَفَيِ النَّهَارِ، لَا لِضَرَرِ جِوَارٍ بِحَاضِرَةٍ، وَرَفَعَتْ لِلْحَاكِمِ، وَأَقْرَعَ لِمَنْ يَخْرُجُ إِنْ أَشْكَلَ.
وَهَلْ لَا سُكْنَى لِمَنْ سَكَّنَتْ زَوْجَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا؟ قَوْلَانِ، وَسَقَطَتْ إِنْ أَقَامَتْ بِغَيْرِهِ، كَنَفَقَةِ وَلَدٍ هَرَبَتْ بِهِ.