(الذَّكَاةُ قَطْعُ مُمَيِّزٍ يُنَاكَحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ) يريد أن صفة الذبح قطع تمام الحلقوم والودجين، وظاهره عدم اشتراط قطع المريء، وهو المشهور وقاله في المدونة 1، والحلقوم مجرى النفس، والودجان عرقان في صفحتي 2 العنق، والمريء عرق أحمر تحت الحلقوم وهو مجرى الطعام والشراب.
قوله: (مُمَيِّزٍ) احترازًا من الصبي الذي لا ميز 3 له، ومن المجنون والسكران لافتقار الذكاة إلى نية، واحترز بقوله: (يُنَاكَحُ) من المرتد والمجوسي 4 والصابئ ونحوهم ممن لا تجوز مناكحته، وأشار بقوله: (مِن المُقَدَّمِ) إلى أن الذكاة المذكورة 5 شرطها أن تكون من مقدم العنق احترازًا مما إذا ذبح من القفا أو من أحد جانبي العنق فإنها لا تؤكل، وقاله في المدونة 6.
قوله: (بِلا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمامِ) احترازًا مما إذا رفع يده قبل تمام الذكاة ثم عاد فأجهز فإنها لا تؤكل على تفصيل في ذلك، ولا خلاف أنه إذا أطال بعد الرفع ثم عاد أنها لا
الجزء: 2 - الصفحة: 299
تؤكل إذا كانت قبل العود على حال لو تركت عليها لم تعش، وأما إن كانت تعيش لو تركت فإنها تؤكل، قاله ابن القصار 7؛ لأن الثانية ذكاة مستقلة.
قوله: (وَفي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ) يعني: وصفة الذكاة في النحر أن يطعن المذكي بالسكين أو غيرها من الآلات في لبة المذكَّى.
وفي المدونة: ما بين اللبة والمذبح منحر ومذبح 8، فإن نحر فجائز وإن ذبح فجائز 9.
اللخمي: ولا يكفي الطعن في الحلقوم لبقاء الحياة بعد شقه 10.
قوله: (وَشُهرَ أَيْضًا الاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ) وهو قول ابن القاسم وابن حبيب خلافًا لسحنون 11.
قوله: (وَالْوَدَجَيْنِ) أي: ونصف الودجين وهو محتمل لمعنيين:
أحدهما: أن يقطع واحدًا منهما ويترك الآخر، وفيه رواية بالأكل ورواية بعدمه، قيل: وهو الأقرب لعدم إنهار الدم.
والثاني: أن يقطع من كل واحد منهما النصف فقط، فقد صدق عليه في كل صورة أنه قطع نصف الودجين، وقد اختلف في ذلك فعن عبد الوهاب عدم الإجزاء 12، وفي تبصرة ابن محرز: إن بقي اليسير لم يحرم 13.
قوله: (وَإِنْ سَامِرِيًّا، أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ) هو راجع إلى قوله: (مميز يناكح) يعني: تصح ذكاة المميز الذي يناكح وإن كان سامريًّا أو مجوسيًّا تنصر 14، ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: والمذهب صحة ذكاة السامرية وهم صنف من اليهود وإن أنكروا بعث
الجزء: 2 - الصفحة: 300
الأجساد 15. وذكره غيره من الأشياخ.
وأما المجوسي إذا تنصر فقد نص محمد على أكل ذكاته، وكذلك النصراني العربي 16.
قوله: (وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحَلَّهُ) هو قيد فيمن تصح 17 ذكاته من الكتابيين وغيرهم، واحترز بذلك مما إذا لم يذبح لنفسه بل ذبح لمسلم، ومما إذا ذبح ما لا يستحله وسيأتي ذلك.
قوله: (وَإنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، إِنْ لَمْ يَغِبْ) يعني أن ذكاته تصح وإن أكل الميتة كالإفرنج 18، ولا بد من عدم 19 غيبته عليها، ونص الباجي 20 والقرافي على أن الإباحة مع عدم الغيبة 21، وعن ابن العربي إباحة ما قتلوه وإن رأينا ذلك؛ لأنه من طعامهم 22.
قوله: (لا صَبِيٍّ ارْتَدَّ) أي: فإن ذبيحته لا تؤكل، وقاله في المدونة 23، وقيل: تؤكل؛ لأنه لا يقتل إذا ارتد قبل بلوغه، فردته كلا ردة.
قوله: (وَذِبْحٍ لِصَنَمٍ) أي: وكذلك لا يؤكل ما ذبح للصنم.
ابن عبد السلام: ولا خلاف أنه حرام؛ لأنه مما أُهلَّ به لغير الله 24.
قوله: (أَوْ غَيْرِ حِلٍّ لَهُ إِنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا) أي: وكذلك لا يؤكل ما ذبحه الكتابي مما يرى أنه غير حلال له إن ثبت تحريمه عليه بشرعنا كذي الظفر، وهو المشهور وقاله في المدونة 25، خلافًا لابن وهب وابن عبد الحكم في الإباحة نظرًا إلى وجود الذكاة وقد نسخ بشرعنا شريعتهم 26، وقيل: بالكراهة.
الجزء: 2 - الصفحة: 301
قوله: (وَإلا كُرِهَ) أي: وإن ثبت تحريمه لا بشرعنا بل بإخباره فإنه يكره من غير تحريم كالطريفة 27، وكان مالك يقول أولًا بالجواز ثم ثبت على الكراهة ولم يحرمه، والقولان في المدونة 28.
قوله: (كَجِزَارَتهِ) أي: فإنها تكره، وسواء كان ذلك في الأسواق أو للمسلمين 29 في بيوتهم؛ لأنه 30 لا ينصحهم.
قوله: (وَبَيْعٍ) أي: وكذا يكره أن يكون بياعًا في الأسواق أو صيرفيًّا، "وقد أمر عمر - رضي الله عنه - بإقامتهم من الأسواق كلها"، ويحتمل أن يكون مراده أنه 31 لا يباح 32 له شيء من الأنعام التي يذبحها لعيده كما قال في العتبية.
وروي عن مالك إجازته 33، ثم قال فيها: قيل لمالك: أيكري المسلم الدواب والسفن إلى أعيادهم، قال: تجنبهم أحب إليَّ 34.
وفي المدونة: ولا يكري إبله أو 35 سفينته لهذا 36.
ابن رشد: وهذا كما قيل أنه مكروه وليس 37 بحرام 38، وإليه أشار بقوله: (وَإِجَارَةٍ لِعِيدِهِ).
قوله: (وَشِرَاءِ ذِبْحِهِ) أي: وكذلك يكره الشراء من ذبيحته.
قوله: (وَتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَبَيْعٍ بِهِ، لا أَخْذِهِ قَضَاءً) هذا كقوله في المدونة: وإذا باع
الجزء: 2 - الصفحة: 302
الذمي خمرًا بدينار كرهت للمسلم (1) أن يتسلفه منه أو يبيعه به شيئًا أو يأخذه هبة أو يعطيه فيه دراهم ويأخذه أو يأكل (2) من طعام ابتاعه الذمي بذلك الدينار، وجائز أن يأخذه منه قضاء عن (3) دين كما أباح الله تعالى أخذ الجزية منهم (4).
قوله: (وَشَحْمِ يَهُودِيٍّ) هذا هو المشهور من قول ابن القاسم، وعنه أيضًا الإباحة وهو قول أشهب (5) وابن نافع، ولمالك في الموازية قول بالمنع (6).
قوله: (وَذِبْحٍ لِصَلِيبٍ، أَوْ عِيسَى) أي: ومما يكره أيضًا أكل ما ذبحه الكتابي للصليب أو لعيسى عليه السَّلام.
ابن القاسم: وما ذبحوه وسموا عليه اسم المسيح فهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم (7)، زاد ابن حبيب: وكذلك ما ذبحوه للصليب (8).
وقال سحنون وابن لبابة: هو حرام؛ لأنه مما أهل به لغير الله، وذهب ابن وهب إلى جوازه من غير كراهة (9).
قوله: (وَقَبُولِ مُتَصَدَّقٍ بهِ لِذَلِكَ) ابن عبد السلام: سئل مالك عن الطعام يتصدق به النصراني (10) عن موتاه فكره للمسلم قبوله، قال: لأنه يُعمل (11) تعظيمًا لشركهم (12).
(المتن)
وَذَكَاةِ خُنْثَى وَخَصِيٍّ وَفَاسِقٍ.
وَفِي ذَبْحِ كِتَابِي لِمُسْلِمٍ قَوْلانِ.
وَجَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإنْ تَأنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ إِلَّا بِعُسْرٍ.
لا نَعَمٍ شَرَدَ، أَوْ تَرَدَّى بِكَوَّةٍ بِسِلاحٍ مُحَدَّدٍ، وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ بِإرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ بِلا ظُهُورِ تَرْكٍ، وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ، أَوْ أَكَلَ،394041424344454647484950
الجزء: 2 - الصفحة: 303
أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أَوْ غَيْضَةٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنَ المُبَاحِ، أَوْ ظَهَرَ خِلافُهُ لا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا، أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُبِيحَ فِي شَرِكَةِ غَيْرِهِ كَمَاءٍ، أَوْ ضَرْبٍ بِمَسْمُومٍ، أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ،