قوله: (وَشَرْطُهَا، في اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لا إِنْ نَزَعَ مَكَانَهُ) أي: وشرط الفدية بسبب اللبس أن يحصل به الانتفاع من حر أو برد، ولهذا لو نزعه مكانه لا شيء عليه كمن لبس قميصًا أو خفًّا ثم نزعه، وقاله مالك 2. اللخمي: واختلف إذا صلى به صلاة ولم يطل، قيل: لا شيء عليه فيه 3، وقيل: يفتدي 4، وإليه أشار بقوله: (وَفي صَلاةٍ قَوْلانِ).
قوله: (وَلَمْ يَأْثَمْ إِنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ) إشارة 5 إلى أن من فعل شيئًا من الأمور السابقة، تارة يكون آثمًا كما إذا فعل ذلك لغير ضرورة ولا مشقة من حر أو برد، وتارة غير آثم لعذر حصل له من ضرورة أو مشقة شديدة ألجأته إلى ذلك، يريد: وعليه الفدية 6.1
الجزء: 2 - الصفحة: 247
قوله: (وَهِيَ نُسُكٌ) أي: والفدية نسك لا هدي، والفرق بينها وبين الهدي أن الهدي على الترتيب، وأنه يختص بزمان ومكان يفعل فيهما، وأن الصوم يدخل على 7 بعض أفراده على سبيل النيابة كالأمداد في إطعام جزاء الصيد والنسك بخلاف ذلك.
قوله: (بِشَاةٍ فَأَعْلَى) هو بيان لقوله: (نسك) أي: والنسك شاة أو بقرة أو بدنة من الإبل.
قوله: (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ) يريد أن فدية الأذى على التخيير، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وفي الموطأ: كان كعب بن عجرة معه عليه الصلاة والسلام محرمًا فأذاه القمل في رأسه، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه، وقال له: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدَّيْن مدَّيْن 8 لكل مسكين أو انسك بشاة" 9، أيُّ ذلك فعلت أجزأ عنك، قال في المدونة: والإطعام لستة مساكين مدان لكل مسكين بمدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - من عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير 10، وإليه أشار بقوله: (كَالْكَفَّارَةِ).
قوله: (أَوْ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ 11 وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى) هو مذهب المدونة 12، وفي الموازية هو مكروه 13؛ لأنها لم تقيد بالحج كالهدي، وأرى 14 أنها أيام منهي عن صومها.
قوله: (وَلَمْ تَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ) هو أحد ما فرق به بين الهدي والنسك وهو المشهور، وقال ابن الجهم: لا يكون النسك إلا بمكة 15.
الجزء: 2 - الصفحة: 248
قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِالْمَذْبَحِ الْهَدْيَ فكَحُكْمِهِ) أي: إلا أن ينوي بالنسك 16 الهدي فيصير له حكم الهدي، و (المذبح) اسم مفعول بمعنى المذبوح مثل مكروم ومكرم.
قوله: (وَلا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ) هكذا قال أشهب في النوادر 17، وقال 18 أكثر الأشياخ وهو وفاق لقوله في المدونة: ولا يجزئ أن يغدي ويعشي 19؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سمى مدين 20.
قوله: (وَالجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ) وهو معطوف على فاعل حرم، يريد أن المحرم يحرم عليه الجماع ومقدماته من القبلة والمباشرة للذة 21 والغمزة والجسه 22 وشبهها.
قوله: (وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا) فاعل أفسد هو الجماع، والمعنى: أن الجماع يفسد الحج إذا وقع قبل التحليل، ولا فرق عندنا بين أن يطأ عمدًا أو نسيانًا في الفرج أو المحل المكروه من رجل أو امرأة كان معه إنزال أم لا، وإليه أشار بالإطلاق.
قوله: (كاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإنْ بِنَظَرٍ) أي: ومما يساوي الجماع في إفساد الحج استدعاء المني ولو بنظر، وهذا هو المعروف، وقيل: لا يفسده إلا ما يوجب الصداق والحد.
قوله: (قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ إِفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ) يريد أن الفساد مشروط 23، بأن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده إن وقع قبل طواف الإفاضة ورمي 24 جمرة العقبة يوم النحر أو قبله؛ أي: ليلة المزدلفة، والمشهور في القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة الإفساد، واختلف في الجميع على أربعة أقوال: الفساد في الجميع، وعدمه في الجميع، والمشهور ما ذكر هنا 25 وهو مذهب المدونة 26، وقال
الجزء: 2 - الصفحة: 249
ابن وهب وأشهب: إن وطئ يوم النحر بعد الإفاضة وقبل الرمي (1) أفسده، وعن مالك خامس: إن وقع قبلها (2) بعد طلوع الفجر يوم النحر فعليه الهدي والعمرة (3)، وإن كان قبل الفجر أفسد.
قوله: (وَإلا فَهَدْيٌ) أي: وإن لم يقع الوطء قبل الوقوف ولا بعده وقبل الإفاضة والرمي يوم النحر أو قبله، بل وقع قبل الإفاضة وبعد جمرة العقبة أو بالعكس أو قبلهما بعد (4) يوم النحر فإنه لا يفسد وعليه الهدي.
قوله: (كَإنْزَالٍ ابْتِدَاءً) أي: فإن فيه الهدي ولا يفسد الحج.
قوله: (وَإمْذَائِهِ) أي: ابتداء.
قوله: (وَقُبْلَتِهِ) يريد: مع عدم الإنزال، قال في المدونة: وإذا نظر المحرم فأنزل ولم يتبع النظر ولا أدامه، أو قبَّل أو غمز أو جس أو باشر أو تلذذ بشيء من أهله ولم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك، فعليه في ذلك الدم وحجه تام (5).
قوله: (وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ) يريد أن وقوع الوطء بعد السعي وقبل الحلق في العمرة موجب للهدي أيضًا من غير إفساد؛ إذ لم يبق من أركانها شيء لأن الحلق ليس بركن، فإن وقع الوطء قبل السعي أوفي أثنائه فسدت العمرة، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإلا فَسَدَتْ) أي: العمرة إن وقع الوطء في السعي أو قبله.
(المتن)
وَوَجَبَ إِتْمَامُ الْمُفْسَدِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ، وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إِلَّا فِي ثَالِثَةٍ، وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا، وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي الْقَضَاءِ.
وَاتَّحَدَ وَإِنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ بِخِلافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ، وَأَجْزَأَ إِنْ عَجَّلَ وَثَلاثَةٌ إِنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى، وَعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ وَإنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهَا إِنْ أعْدَمَ وَرَجَعَتْ كَالْمُتَقَدِّمِ.