قوله: (وَهُوَ الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ) أي: أن المراد بسبيل الله الجهاد، فإذا قال: مالي في1234567
الجزء: 2 - الصفحة: 424
سبيل الله، فمخرج ثلثه الجهاد والرباط بمكان يخاف فيه من العدو، كما أشار إليه بقوله: (بِمَحَلٍّ خِيفَ)؛ لأنه إذا لم يكن محل خوف فليس برباط.
قوله: (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ) أي: إذا قال: مالي في سبيل الله، وقلنا يلزمه الثلث، فاحتاج إلى أن يبعث به فإنه ينفق عليه من غيره 8، وقاله مالك 9 وابن القاسم 10، وقيل: إن النفقة من الثلث.
قوله: (إِلا لِتَصَدُّقٍ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ) أي: فإن قال: مالي صدقة لزيد، أو نحوه من المعينين، فإنه يلزمه إخراج الجميع 11 للمعين، نص عليه في النوادر 12.
قوله: (وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ) أي: إذا حلف بصدقة جميع ماله فحنث أو قال في سبيل الله 13 ونحوه، وأخرج من 14 الثلث، ثم حصل له سبب آخر أوجب إخراج ثلث الباقي فإنه يخرج ثانيًا وثالثًا وهو متفق عليه، قاله ابن زرقون 15، واحترز بقوله: (إن أخرج) مما إذا حصل سبب الوجوب ثانيًا قبل إخراج الأول، فإنه اختلف هل يجزئه ثلث واحد، وهو قول مالك في الواضحة، وقاله في العتبية، وكتاب محمد، وهو أحد قولي ابن القاسم وقاله ابن كنانة، أو يخرج أولًا ثم ثانيًا ثلث الباقي، وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن المواز 16؟ وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فقَوْلانِ) 17.
قوله: (وَمَا سَمَّى وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) أي: فإن سمى شيئًا من ثلث أو نصف أو نحوه، فقال: ثلث مالي للمساكين أو الفقراء، أو عينه بأن قال: عبدي فلان أو داري أو حائطي أو نحو ذلك فإنه يلزمه، وإن أتى على جميع المال وهو المشهور، وروي عن
الجزء: 2 - الصفحة: 425
مالك، وقاله ابن نافع وأصبغ: أنه لا يلزمه غير الثلث، وعن سحنون: إنما يلزمه ما لا يجحف بماله 18.
قوله: (وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلاحٍ لِمَحَلِّهِ) أي: ولزم بعث فرس أو سلاح 19 إن 20 قال: هو في السبيل، أو نذر لله أو حلف يمينًا فحنث، قال في المدونة: وليبعث ذلك بعينه 21؛ يريد: إلى أماكن الجهاد، وهو المراد هنا بمحله.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ) أي: وإن لم يمكن وصوله بيع وعوض به من جنسه وبعث به.
قوله: (كَهَدْيٍ) أي: وكذلك الهدي يلزم بعثه إلى محله إن أمكن وصوله إلى محله 22، وإلا بيع وعوض من جنسه إن بلغ، ولا فرق على المذهب بين كونه معيبًا أو سليمًا؛ لأنه لما لم يمكن وصوله صار كأنه غير مقصود العين، وأشار بقوله: (ولو معيبًا على الأصح) إلى أن الشخص إذا قال: لله عليَّ أن أهدي هذه 23 البدنة العوراء أو العرجاء أو نحوهما مما لا يهدى أنه يخرجها بعينها؛ لأن السلامة إنما تطلب في الوا جب المطلق، وإليه ذهب أشهب، فإن لم يصل عُوِّض بثمنه، وقال محمد: يبيعه ويشتري بثمنه هديًا سالمًا، واتفق أشهب ومحمد على 24 أنه إذا قال: لله عليَّ هدي ولم 25 يعين، أن عليه هديًا سالمًا 26.
قوله: (وَلَهُ فِيهِ إِذَا بِيعَ الإِبْدَالُ بِالأَفْضَلِ) هذا إشارة إلى الفرق بين الهدي وغيره مما هو كالفرس وآلات السلاح، ومراده أن الهدي يجوز أن يعوض من جنسه، ويجوز أن يبدل بالأفضل، وأما الفرس ونحوه فلا يجوز تعويضه.
الجزء: 2 - الصفحة: 426
قوله: (وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ) أي: فإن كان الذي التزمه مما لا 27 يهدى كالثوب والعبد ونحوهما باعه وعوض بثمنه هديًا، وقاله في المدونة وفيها: فإن لم يبعه وبعثه 28 فلا يعجبني ويباع هناك ويشترى به هدي 29، وإليه أشار بقوله: (وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ).
قوله: (وَهَلْ اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوَّلًا أَوْ لَا نَدْبًا، أَوِ التَّقْوِيمُ إِنْ كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ) يعني: وهل اختلف إذا كان الشيء مما لا يهدى أيجوز أن يقومه على نفسه ابتداء، أو الأولى له عدم التقويم ويبيعه ويعوض بثمنه، أو يفرق بين أن يكون بيمين أو لا؟ تأويلات ثلاثة، ومذهب المدونة أنه يبيعه ويعوض بثمنه كما تقدم 30، وظاهر ما 31 في كتاب الحج والنذر جواز تقويمه 32 على نفسه وإخراج قيمته، وهو مذهب العتبية، واختلف 33 هل هو اختلاف قول، وإليه ذهب جمهورهم أو هو وفاق، وإليه ذهب جماعة منهم صاحب البيان، قال: وليس هو من باب شراء المرء صدقته؛ لأن القصد في الهدي الثمن؛ لأنه مما لا يهدى عينه بخلاف الصدقة؛ لأنه قد يتصدق بذلك الشيء بعينه 34. وحكى ابن يونس عن بعض القرويين: أنه إذا تصدق بعرض تطوعًا لم يكن له حبسه ويتصدق بقيمته، ولو حلف بذلك وحنث أجزأه إخراج قيمته؛ لأن الحالف غير قاصد للقربة فلم يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: "العائد في صدقته 35 كالكلب يعود في قيئه" 36، بخلاف المتطوع فإنه داخل في ذلك، وأشار ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 427
يونس وعياض إلى أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون بيمين أو لا (1).
(المتن)
فَإِنْ عَجَزَ عُوِّضَ الأَدْنَى، ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إِنِ احْتَاجَتْ وَإِلّا تُصُدِّقَ بِهِ، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهُ وِلَايَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامَ، وَالْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ كَمَكَّةَ، أَوِ الْبَيْتِ، أَوْ جُزْئِهِ لَا غَيْرُ، إِنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا مِنْ حَيْثُ نَوَى، وَإِلَّا فمن حيث حَلَفَ أَوْ مِثْلِهِ إِنْ حَنِثَ بِهِ.