قوله: (وَقَدَّمَ خَائِفُ الإِغْمَاءِ) يريد: أن من خاف أن يُغلب على عقله فله أن يجمع بين الصلاتين عند الزوال وعند الغروب، وقاله مالك وهو 1 المشهور 2.
وقال ابن نافع: لا يجوز الجمع ويصلي كلّ صلاة لوقتها في أغمي عليه حتى ذهب وقته لَمْ يكن عليه قضاؤه 3. وهو الظاهر.
وبالأول قال سحنون، إلَّا أنه قال: يؤخر كالذي يشق عليه الوضوء 4.
قوله: (وَالنَّافِضِ 5) أي: وكذلك من به النافض يجوز له أن يجمع 6 بين الصلاتين في أول وقت الصلاة 7 الأولن منهما.
وقاله مالك في العتبية 8.
قوله: (وَالمَيْدِ 9) أي: وكذلك يجمع بين الصلاتين في 10 أول وقت الأولى إذا خاف المَيْدَ إن نزل في المركب، وقاله مالك في المبسوطة 11، وزاد فيه 12: وجمعه عند الزوال أحب إليَّ من أن يصليهما في وقتيهما 13 قاعدًا، وحَكَى نحوه 14 القرافي عن المدونة.
قوله: (وَإِنْ سَلِمَ أَوْ قَدَّمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ أوِ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ 15 عِنْدَهُ فَجَمَعَ، أعَادَ
الجزء: 1 - الصفحة: 479
الثَّانِيَةَ بِالْوَقْتِ) ذكر: ثلاث مسائل إذا جمع فيها أعاد الصلاة 16 الثانية في الوقت:
- الأولى: إذا قدَّم خائفُ الإغماءِ ونحوه الصلاتين 17 أول وقت الأولى، ثم سَلِمَ 18؛ أي: لَمْ يذهب عقله 19. وقال ابن شعبان: لا يعيد.
- الثانية: إذا زالت عليه الشمس وهو بالمنهل فقدَّم الصلاتين ثم 20 لَمْ يرتحل، وما ذكره من إعادة الثانية في الوقت هو المشهور 21 وهو قول مالك 22. وقال ابن كنانة: لا إعادة عليه 23.
- الثالثة: إذا ارتحل قبل الزوال ونزل عنده فظن أنه يجوز له 24 الجمع حينئذٍ فجمع، وأن لا إعادة 25 أيضًا عن مالك، والباء في (بالوقت) للظرفية.
قوله: (وَفي جَمْع الْعِشَاءَيْنِ) أي: "وكذلك رخص في الجمع بين العشاءين؛ أي: 26 المغرب والعشاء.
قوله: (فَقَطْ) احترازًا من الظهر والعصر؛ فإنه لا يجمع بينهما في المطر 27، واستقرأ أبو القاسم 28 ابن الكاتب 29، والباجي من الموطأ 30 جوازه 31.
الجزء: 1 - الصفحة: 480
قوله: (بِكُل مَسْجِدٍ) هو المشهور، وقيل: يختص بمسجده - عَلَيْهِ السَّلَام -، رواه ابن شعبان عن مالك 32.
قوله: (لِمَطَرٍ أَوْ طِينٍ مَعَ ظُلْمَةٍ 33) هو متعلق بقوله: (رخص 34) أي: رخص في جمع العشاءين؛ لأجل المطر والطين مع الظُّلْمة.
وما ذكره من جواز الجمع لأجل المطر 35 وحده هو المشهور، نقله صاحب العمدة 36. ولا خلاف في جواز ذلك إذا كان مع المطر طينٌ أو ظلمةٌ، وكذلك لا خلاف في جوازه إذا اجتمع الطين مع الظلمة، كما أشار إليه.
قوله 37: (لا لِطِينٍ 38) أي 39: فلا يجمع فيه على انفراده.
المازري وسند 40: وهو ظاهر المذهب 41.
وقال في الذخيرة: هو 42 المشهور 43.
وقال ابن عطاء الله: هو ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: ويجمع بين المغرب والعشاء في المطر أو في الطين والظلمة 44، فاشترط الظلمة مع الطين 45.
وقيل: يجوز الجمع لأجل الطين وحده.
الجزء: 1 - الصفحة: 481
ابن الفاكهاني: وهو ظاهر المذهب، ونحوه لمالك في العتبية 46، وشهره صاحب العمدة، ولما قوي الأول عند الشيخ اقتصر عليه، وإلا فعادته في مثل هذا أن يقول خلاف.
قوله: (أَوْ ظُلْمَةٍ) أي: 47 فلا يجوز الجمع في انفرا د الظلمة، وهو متفق عليه، وإلا لأدى ذلك 48 إلى الجمع في جلِّ الليالي؛ لأن الليالي المظلمة 49 أكثر من 50 المقمرة 51.
قوله: (أُذِّنَ لِلْمَغْرِبِ كَالْعَادَةِ) أي: على المنار في أول وقتها، قاله مالك 52 في الواضحة 53، ومثله في الرسالة.
قوله: (وَأُخِّرَ قَلِيلًا) أي: يؤخر المغرب قليلًا 54 ويقدم العشاء بحيث ينصرف القوم وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق، وهو المشهور.
وقيل: يصلي المغرب أول وقتها والعشاء تليها.
وقيل: يؤخر المغرب إلى آخر وقتها ويجمع بينهما جمعًا صوريًّا.
وقيل: يؤخر المغرب، ثم يطيل، ثم يقيم 55 العشاء 56، ثم يطيل حتى يغيب الشفق أو معه ثم ينصرفون، وهو ضعيف؛ إذ لا فائدة في الجمع 57 حينئذٍ لانصرافهم في الظلمة، وكذلك على 58 القول الذي قبله.
الجزء: 1 - الصفحة: 482
قوله: (ثُمَّ صُلِّيَا 59) أي: 60 المغرب والعشاء.
قوله: 61 (وِلاءً إِلَّا قَدْرَ أَذَانٍ) أي: يوالي 62 بين 63 الصلاتين إلَّا مقدار أذان وإقامة.
قوله: (مُنْخَفِضٍ بِمَسْجِدٍ وَإِقَامَةٍ 64) هذا 65 صفة الأذان للعشاء ليلة الجمع وهو المشهور، وقاله في المدونة.
وقال عبد الملك: لا يؤذن لها.
وقال ابن حبيب: يؤذن لها في صحن المسجد أذانًا ليس بالعالي 66.
وقيل: يؤذن لها خارجه مع خفض الصوت.
قوله: (وَلا تَنَفُّل 67 بَيْنَهُمَا 68) وهو المشهور 69 خلافا لابن حبيب 70.
قوله: (وَلم يَمْنَعْهُ) أي: لَمْ يمنع مالك 71 التنفل بين العشاءين 72.
قوله: (وَلا بَعْدَهُمَا) أي: لا يتنفل 73 بينهما ولا بعدهما 74، يريد: في المسجد قبل الوقت 75.
الجزء: 1 - الصفحة: 483
(المتن)
وَجَازَ لِمُنْفَرِدٍ بِالْمَغْرِبِ، يَجِدُهُمْ بِالْعِشَاءِ.
وَلِمُعْتَكِفٍ في المَسْجِدٍ، كَأَنِ انْقَطَعَ الْمَطَرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، لَا إِنْ فَرَغُوا فَيُؤَخِّرُ لِلشَّفَقِ، إِلَّا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلَا إِنْ حَدَثَ السَّبَبُ بَعْدَ الأُولَى، وَلَا الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ بِبَيْتِهِمَا وَلَا مُنْفَرِدٍ بِمَسْجِدٍ: كَجَمَاعَةٍ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ.