قوله: (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ، ولَوْ سَمَّاهُمْ، ولَمْ يَحْمِلْهُمُ الثُّلُثُ، أَوْ أَوْصَى بِعِتْقٍ ثُلُثِهِمْ أَوْ بِعَدَدٍ سَمَّاهُ مِنْ أَكْثَرَ أُقْرعَ 8 الأصل في هذا ما روي "أَنَّ رَجُلًا1234567
الجزء: 5 - الصفحة: 447
أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ غيرُهُمْ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَعْتَقَ 9 اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلَا شَدِيدًا"، وفي رواية: "أنه أوصى بعتقهم".
وقد ذكر هنا أن القرعة تكون في أربعة أوجه: الأول: أن يعتق عبيدًا في مرضه ولم يحملهم الثلث.
الثاني: أن يوصي بعتقهم، وسواء سماهم فقال: فلان وفلان أو لم يسمِّهم ولم يحملهم الثلث.
الثالث: أن يوصي بعتقهم 10 فيقول: أعتقوا ثلث عبيدي ولم يعين من يعتق.
الرابع: أن ينص على عدد سماه من عبيده، وهم أكثر مما سمى، والمشهور إعمال القرعة في الجميع وهو مذهب ابن القاسم 11، وقال أشهب وأبو زيد وأصبغ: لا يعتق المبتلون في المرض بالقرعة وإنما يعتق من كل واحد بغير سهم 12 ووافقوا على ذلك في الوصية 13. ابن عبد البر: وهو خلاف السنة 14. وقال المغيرة: القرعة 15 خطر 16 ولا يجوز إلا حيث جاء الأثر، وهو أن يعتق عبيده عند موته ولا مال له غيرهم، قال: وليس هذا مما يقاس عليه، وحمل عليه أنه يتهيأ في عتق المبتل في المرض، ولا يتهيأ في الوصية عكس قول أشهب.
وروي عن ابن نافع أنه لا قرعة في الرقيق في العتق 17 إذا كان للمالك 18 مال غير الرقيق وروي عن مالك وابن القاسم 19.
قوله: (وإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا) أي: بتلهم في مرضه، وقوله: (ولَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ) هي جملة حالية عائدة على مسألة التبتيل 20 في المرض والوصية بالعتق كما تقدم.
الجزء: 5 - الصفحة: 448
قوله: (أَوْ أَوْصَى بعِتْقِ ثُلُثِهِمْ)، يريد: أو بتل عتق الثلث.
قوله: (أَوْ بِعَدَدٍ سَمَّاهُ مِنْ أَكْثَرَ أُقْرعَ) يريد: كما لو كانت عبيده ثلاثين فأوصى بعتق عشرة منهم غير معينين وفرضها اللخمي فيما إذا كانوا خمسين وأوصى بعتق عشرة منهم، وحكى فيها خمسة أقوال: الأول لمالك في المدونة: يعتق جميعهم بالسهم، خرج في ذلك عشرة أو أقل أو أكثر، وله في المدونة والواضحة: إن خرج الخمس أكثر من عشرة عتقوا، وإن خرج أقل أعيد السهم 21 على الباقي 22 إلى استكمال عشرة ما لم يجاوز ثلث الميت 23، والثالث لأشهب في الموازية، قال: وواسع أن يعتق منهم بالسهم وبالحصص.
والرابع للمغيرة والقرويين: أن يكون العتق من الميت فيعتق جميعهم بالحصص، أو يوصي ورثته بذلك فهم 24 بالخيار يعتقون من يختارون.
والخامس: يجري 25 على قول مالك في الواضحة 26. انظره.
قوله: (كَالْقِسْمَةِ) أي: يفعل هنا ما يفعل في القسمة، فتكتب أسماء العبيد بعد تقويمهم وتجعل في أوراق 27 على ما تقتضيه السهام إلى غير ذلك مما تقدم في القسمة.
قوله: (إِلا أَنْ يُرَتِّبَ فيُتَّبعَ أَوْ يَقُولَ ثُلُثَ كُلِّ) يريد: أن ما ذكره من ثبوت القرعة مقيد بما إذا لم يرتب إما في الزمان كقوله: أعتقوا فلانًا قبل فلان، أو فلانًا في شهر كذا الذي يلي الشهر الأول، وإما بأداة من أدوات الترتيب كقوله: فلانًا ثم فلانًا، فيتبع ذلك أن يقدم 28 السابق ثم الذي يليه إلى أن يبلغ ما سمى إذا حملهم الثلث.
أو يقول: ثلث كل واحد أو نصفه 29؛ أي: أعتقوا من كل واحد منهم ثلثه أو
الجزء: 5 - الصفحة: 449
نصفه 30 فيعتقون كذلك، أو يقول: أعتقوا أنصافهم أو أثلاثهم فيتبع ذلك.
وانظر قوله: (أَوْ أَنْصَافَهُمْ أَوْ أَثْلاثَهُمْ) مع قوله: (ثُلُثَ كُلٍّ) فإن أريد بأثلاثهم ثلث كل واحد فلا فرق، وإن أريد المجموع 31 من حيث هو مجموع جاء 32 المانع من القرعة؛ لأنا 33 إذا أعتقنا ثلثًا دون غيره كان ترجيحا 34 من غير مرجح، وإلى ذلك أشار بقوله: (أَوْ يَقُولُ ثُلُثَ كُلٍّ أَوْ أَنْصَافَهُمْ أَوْ أَثْلَاثَهُمْ) أي: فبيع ما رتب من ذلك 35.
قوله: (وَأَتْبَعَ سيِّدَهُ بِدَيْنٍ، إِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ) يريد: أن من أعتق عبده وله دين على سيده فله أي: بالعتق بفتح التاء دين على المعتق بكسر التاء فله 36 أن يرجع به على سيده إلا أن يستثنيه السيد، وقاله في المدونة، ثم قال: أو يستثني 37 ماله مجملًا فيكون له ذلك لأن العبد إذا عتق تبعه ماله 38.
قوله: (وَرَقَّ إِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ 39 بِرِقِّهِ أَوْ تَقَدُّمِ دَيْنٍ وَحَلَفَ) يريد: أن من ادعى على شخص أنه عبده وأقام شاهدًا بذلك فإنه يرق له إذا حلف السيد وقاله في المدونة، ثم قال فيها: وقد قال مالك فيمن أعتق عبدًا ثم قضي على السيد بدين تقدم العتق بثفيهد ويمين أن ذلك يرد به العتق، فإن لم يأت بشاهد فليس له أن يُحْلِف المدعى عليه قاله ابن القاسم 40.
الجزء: 5 - الصفحة: 450
قوله: (وَاسْتُؤْنِيَ بِالْمَالِ إِنْ شَهِدَ بِالْوَلَاءِ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَنَّهُمَا لَمْ يَزَالَا يَسْمَعَانِ أَنَّهُ مَوْلَاهُ أَوْ وَارِثُهُ، وحَلَفَ) أي: وإن شهد رجل واحد بالولاء استأنَى الإمام بدفع المال، فإن لم يأتِ من يستحقه قضى له بعد يمينه إن كان له مال، وكذلك إذا شهد رجلان على السماع أنه مولى فلان 41 أعتقه أو أنه وارثه وحلف في المسألتين معا، ومسألة الشاهد بالولاء ومسألة الشاهدين 42 على السماع في المدونة 43 كما هنا، ابن رشد 44: ولا خلاف أن شهادة السماع في ذلك جائزة إن أفادت العلم وإن لم تفده فأربعة أقوال: الأول: أن الشهادة لا تجوز في شيء منه.
الثاني: جوازها في كل شيء.
الثالث: جوازها في أربعة أشياء 45: النكاح والولاء والموت وتولية انقضاء.
انظر الرابع في البيان فإني وجدته في النسخة التي بيدي تداخل مع الثالث فإنه قال فيه: إنها لا تجوز إلا في الأربعة المذكورة 46.
قوله: (وَلَا يُجَرُ 47 بِذَلِكَ الْوَلاءُ) هذا هو المذهب، وقال أشهب في المدونة: يكون له ولاؤه وولاء ولده بشهادة السماع قاله 48 في المدونة 49 ورواه عن مالك، وروى عنه 50 ابن القاسم أنه يأخذ به المال، ولا يثبت له 51 به نسب.
الجزء: 5 - الصفحة: 451
ولا ولاء 52، وأخذ به أصيغ.
محمد: ولا يعجبني 53 هذا، وأكثر أقوال مالك وابن القاسم وأشهب أنه يقضى له بالسماع في الولاء والنسب والأحباس والصدقة، ولابن القاسم في كتاب محمد: أن من مات في غير بلده وشُهِد هنالك على السماع فإن الولاء لا يثبت، وإن مات ببلده وشُهِد فيه على السماع ثبت الولاء، لأنه إذا كان في بلده 54، فإن الغالب ألا يحصل السماع عن واحد.
قوله: (وإِنْ شَهِدَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ أوْ أقَرَّ أَن أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَمْ يَجُزْ، ولَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ) يريد: أن من مات وترك أولادًا فشهد أحدهم أو أقر أن أباه أعتق هذا العبد في صحته أو مرضه والثلث يحمله 55؛ أي: وأنكر ذلك غيره من الورثة، لم تجز شهادته ولا إقراره ولا يقوم عليه، إذ ليس هو المعتق فليزمه التقويم، وإنما أقر على غيره، وقاله في المدونة 56. وزاد 57: ولا يعتق منه نصيب هذا الولد 58 ولا نصيب غيره، فتكون حصته من العبد رقيقًا له، ولا يحلف العبد مع شهادة هذا الولد، وهذه الزيادة عند ابن يونس.
قال مالك: ويستحب للمقر أن يبيع 59 حصته من 60 العبد فيجعل ثمنه في رقبة يعتقها ويكون ولاؤها لأبيه.
ابن القاسم 61: ولا يجبر على ذلك، وما لم يبلغ رقبة أعين 62 به في رقبة، فإن لم يجد فآخر 63 نجوم الكتابة 64.
الجزء: 5 - الصفحة: 452
قوله: (وإِنْ شَهِدَ عَلَى شَرِيكِهِ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ فَنَصِيبُ الشَّاهِدِ حُرٌّ، إِنْ أَيْسَرَ شَرِيكُهُ) يشير إلى قول ابن القاسم في المدونة 65: وإذا شهد رجل أن شريكه في العبد أعتق نصيبه 66، والشاهد موسر أو معسر، فإن المعتِق إن كان موسرًا فنصيب الشاهد حُرٌّ، لأنه أقر أن له 67 على المعتق قيمته، وإن كان معسرًا لم يعتق من العبد شيء 68، وهذا معنى ما أراد بقوله: (فَنَصِيبُ الشَّاهِدِ حُرٌّ، إِنْ أَيْسَرَ شَرِيكُهُ) أي: لا إن كان معسرًا.
ثم قال في المدونة: وقال غيره، ابن يونس: وهو أشهب: ذلك سواء، ولا يعتق منه شيء 69 كان المعتِق موسرًا أو معسرًا، قال: وهذا أجود، وعليه أكثر الرواة 70، وقاله ابن القاسم 71، ولهذا قال: (وَالأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ كعُسْرِهِ)، أشهب: ولا تعتق حصة شريكه إلا بتقويم ودفع ثمن، وعن ابن القاسم: يؤمر بالعتق في ملاء الشريك، ولا يقضى عليه.
وبالله التوفيق.
الجزء: 5 - الصفحة: 453