قوله: (وَبِقِسْمَتِهِ إِنْ طُلِبَتْ) أي: وكذا يقضى بقسمة الجدار المشترك 2 إذا كان مما يقبل القسمة إذا طلب ذلك أحدهما، وهو قول ابن القاسم في المدونة بشرط نفي الضرر.
قوله: (لا بِطُولِهِ عَرْضًا) أي: فلا يقضي بذلك؛ لأنه مما يضر، وقد قال ابن القاسم: إذا كان لهذا جذع من جهة 3 وللآخر مثله من الجهة الأخرى إنَّ الجدار لا يقسم حينئذ، ويتقاوياه 4 بمنزلة ما لا يقسم من العروض والحيوان.
قوله: (وَبِإِعَادَةِ السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ، إِنْ هَدَمَهُ ضَرَرًا) أي: إذا كان جداره ساترًا لغيره فهدمه ضررًا، فإنه يقضي عليه بإعادته كما كان، ولا خلاف في ذلك.
قوله: (لا لإِصْلاحٍ أَوْ هَدْمٍ) أي: فإنه لا يقضى عليه بإعادته إذا هدمه لإصلاح أو انهدم بنفسه، وقاله ابن القاسم في العتبية، وفيها عنه إذا انهدم بغير فعل ربه ولم يكن1
الجزء: 4 - الصفحة: 265
قادرًا على إعادته فإنه يعذر، ويقال للآخر: استر على نفسك إن شئت 5.
قوله: (وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) أي: وقضي بهدم بناء في طريق المسلمين، ولا خلاف أن ما يضر بالناس يهدم، وكذلك ما لا يضر على المشهور خلافًا لأصبغ، وعن مالك قول بالكراهة.
قوله: (وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْينةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إِنْ خَفَّ) أي: وكذا يقضي للباعة بالجلوس للبيع في أفنية الدور فيما خف.
أصبغ: إنما يجوز ذلك إذا لم يضيقوا الطريق على الناس أو يمنعوا المارة أو يضروا بالناس.
6
قوله: (وَللسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ) أي: وكذا يقضى بالمكان للسابق إليه إذا نازعه فيه غيره، كما في مسجد، وسيأتي ذلك.
قوله: (وَسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدّ خَلْفَهَا) أي: وكذا يقضى على الجار بسد الكوة إذا فتحها، وكان يشرف منها على دار جاره، وقاله مالك 7 وابن القاسم 8، وزإد ابن وهب: ولا يكلف أن يعلى بناؤه حتى لا يراه 9، وهذا هو المعروف، ولابن مسلمة لا يمنع، ونحوه لابن الماجشون 10، وزاد: ويقال له: استر على نفسك إن شئت، وأشار بقوله: (أُرِيدَ سَدّ خَلْفَهَا) إلى ما وقع لسحنون فيمن فتح بابًا على دار غيره، فلما قام عليه أراد أن يسد 11 من خلفه، فقال: ليس له ذلك، ويسد مخافة أن يشهد قوم أنهم يعرفون هذا الباب منذ سنين كثيرة، وقال عبد اللك: له أن يجعل أمامه ما يستره 12.
قوله: (وَبِمَنْعِ دُخَانِ كَحَمامٍ، وَرَائِحَةِ كَدِبَاغٍ) لأن ذلك مما يضر بالجيران لدوامه،
الجزء: 4 - الصفحة: 266
كالحمام في ذلك والفرنُ ونحوه، وكالدباغ 13 رائحة المذبح والمصلق والسمط ونحوه، وما ليس كذلك فلا يمنع.
قوله: (وَأَنْدَرٍ قِبَلَ بَيْتٍ) يريد: أن من أراد أن يجعل 14 أندرًا قبالة بيت غيره فإنه يمنع، وقاله عبد الملك، وزاد: لأن الجار يتضرر بتبن التذرية إلا أنه 15 لم ينصّ إلا في الأندر الطاريء على الجار 16، ولا فرق.
قوله: (وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ وَاصْطَبْلٍ أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ) أي: وكذا يمنع الجار وغيره 17 من فعل ما يضر بجدار الغير، ومن إحداث اصطبل أَو حانوت قبالة بابه 18؛ لأنه مما يكشف منه رب الدار، ويتوصل به 19 إلى التطلع إلى عوراته إلى غير ذلك.
قوله: (وَيَقْطَعُ مَا أَضَرَّ مِنْ شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ، إِنْ تَجَدَّدَتْ، وَإِلا فقَوْلانِ) يريد: أن من له شجرة إلى جهة 20 جدار غيره وفيها أغصان تضر بالجدار، فإن كانت حادثة على الجدار قطع منها ما أضر من أغصانها بالجدار، واختلف إذا كانت أقدم من الجدار إلا أنها حدث لها أغصان بعد بناء الجدار وأضرت به هل تقطع؟ وهو قول مطرف وأصبغ 21، أو لا تقطع؟ 22 وهو قول عبد الملك 23.
قوله: (لا مَانِعِ ضَوْءٍ، وَشَمْسٍ، وَرِيحٍ) أشار بهذا إلى ما قال في المدونة: ومن رفع
الجزء: 4 - الصفحة: 267
بناءه فسدَّ على جاره كُواه وأظلمت عليه أبواب غرفه وكُواها، أو منعه الشمس أن تقع في حجرته، أو منع الهواء أن يدخل له لم يمنع 24، وقال ابن كنانة: إلا أن يرفعه ليضر بجاره دون منفعة له فإنه يمنع 25، وروى ابن دينار عن ابن نافع 26 أنه يمنع من ضرر الضوء والشمس والريح 27.
قوله: (إِلا لأَنْدَرَ) 28 أي: فإن منع الريح أن يدخل لأندر جاره لم يمكن من ذلك، وقاله ابن القاسم وابن نافع 29، وقال مطرف وعبد الملك: لا يمنع.
قوله: (وَصَوْتِ كَكَمْدٍ) أي: وهكذا لا يمنع 30 من إحداث الصوت كدقّ 31 القماش وهو المراد بالكَمد؛ أي: الغَسّال والقصّار، ونحوهما، قال في الذخيرة: وإنما لم يمنع إن كان يؤذي الجار لخفته 32.
قوله: (وَبَابٍ لِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ) أي: وكذا لا يمنع الجار من إحداث باب قبالة باب جاره أو حانوته إذا كانت السكّة نافذة، وقاله ابن القاسم وأشهب، 33 وقال سحنون: وليس له ذلك إلا أن ينكب 34 عن باب جاره، وقال ابن وهب: إن كانت السكة نافذة واسعة جاز وإلا منع 35.
قوله: (وَرَوْشَنٍ وَسَاباطٍ لِمَنْ لَهُ الْجانِبَانِ، بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ) الروشن: هو الجناح يخرجه
الجزء: 4 - الصفحة: 268
الشخص (1) في علو حائطه، والساباط: هو أن يكون له حائطان مكتنفي طريق فيمد عليهما خشب ويضع عليهما سقفًا لينتفع به.
سحنون: ولا يمنع من ذلك أحد.
(2)
ابن شعبان: وذلك مشروط بما إذا رفعه عن رؤوس الركبان رفعًا بينًا (3).
قوله: (وَإِلا، فكَالملْكِ لجميعهم) (4)) أي: فإن لم تكن السكة نافذة فهي كالملك المشترك بين سكانها فلا يجوز لأحد إحداث روشن أو فتح باب إلا برضاهم.
قوله: (إِلا بَابًا إِنْ نُكِّبَ) أي: إلا أن يفتح أحد منهم (5) بابًا في تلك السكّة غير النافذة، فإنه لا يمنع بشرط أن ينكب، أي: ينحرف عن باب جاره بحيث إنه لا يشرف منه على ما في داره (6)، وقاله ابن القاسم وابن وهب (7)، وقيل: يمنع منه مطلقًا إلا أن يأذن له أهل تلك السكة، وإليه ذهب ابن زرب، وبه جرى العمل بقرطبة، وقيل: إن سد بابه الأول فإنه يجوز ذلك إن نكب وإلا فلا.
(المتن)
وَصُعُودَ نَخْلَةٍ، وَأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ، وَنُدِبَ إِعَارَةُ جِدَارِه لِيَغْرِزَ خَشَبَةً، وَإِرْفَاقٌ بِمَاءٍ، وَفَتْحُ بَابٍ.
وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَفِيهَا: إِنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ.
وَفِي مُوَافَقَتِهِ أَو مُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ.