قوله: (ويتَغَيّر الْمَبِيعِ إِنْ تَوَسَّطَ، فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ ورَدَّهُ، ودَفعُ الحْادِثِ) يريد أن المعيب إذا تغير عند مشتريه تغيرا متوسطا؛ أي ليس يسيرًا ولا 4 مخرجًا عن المقصود، فإنه يخير بين أن يتماسك به ويأخذ أرش العيب القديم 5، أو يرده ويدفع قيمة العيب الحادث عنده.
قوله: (وقُوِّمَا بِتَقْويمِ 6 الْمَبِيعِ) وقوم العيب القديم والحادث بسبب تقويم المبيع لا بانفرادهما 7، فإذا قيل: قيمته صحيحًا عشرة وبالقديم ثمانية وبالحادث ستة، فإن رد123
الجزء: 3 - الصفحة: 620
دفع للبائع دينارين، وإن تماسك أخذ منه دينارين، وإن زاد الثمن أو نقص فنسبة 8 ذلك منه.
قوله: (يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي) أي: إنما يكون التقويم يوم دخول المبيع في ضمان المشتري.
قال ابن المعذل 9: يقوم القديم كذلك، ويقوم الحادث يوم الحكم برد السلعة 10.
قوله: (ولَهُ إِنْ زَادَ بِكَصِبْغٍ أَنْ يَرُدَّ وَيشْتَرِكَ بِما زَادَ) أي فإن زاد المبيع عند المبتاع 11 بصبغ وشبهه، ثم اطلع على العيب فإن له 12 أن يرده ويكون شريكًا بما زاده الصبغ، فإذا قيل: قيمته بلا صبغ عشون وبالصبغ خمسة وعشرون، فقد علمت أنه زاده الصبغ خمسة وهو الخمس، فيكون شريكا 13 في الثوب بذلك المقدار.
واختلف الأشياخ هل تعتبر هذه القيمة يوم البيع وهو اختيار ابن يونس 14 وإليه أشار بقوله: (يَوْمَ الْبَيعِ عَلَى الأظهر 15) أو يوم الحكم واختاره محمد والقابسي 16.
قوله: (وجبرَ بِهِ الْحادِثُ) أي فإن كان المبيع الذي زاده الصبغ قد حدث فيه عند المبتاع عيب فإنه يجبر بذلك الزائد، فإن أراد أن يتمسك به فلا بد من تقويمين كما مر؛ ليأخذ قيمة العيب القديم، فإذا كانت قيمته صحيحًا عشرة وبالعيب القديم ثمانية أخذ خمس الثمن 17؛ فإن أراد الرد 18 قوم ثلاث تقويمات، فيقوم بالقديم أولًا، وبالحادث ثانيًا، وبالزيادة ثالثًا، فإذا ابتاع 19 ثوبًا فقطعه، والبائع غير مدلس أو مدلس لكن قطعه
الجزء: 3 - الصفحة: 621
غير القطع المعتاد ثم خاطه فيقال: ما قيمته بالقديم؟ فإن قيل ثمانية، قيل: وما قيمته بالحادث؟ فإذا قيل ستة، قيل: وما قيمته بالخياطة؟ فإذا قيل: ثمانية، فقد علمت أن الخياطة قد زادته مقدار ما نقصه العيب الحادث، وهو القطع؛ فلا يكون على المبتاع بسبب القطع شيء، فإن قيل: قيمته مخيطًا سبعة، فقد جبرت الخياطة نصف قيمة الحادث، فيطالبه البائع بمقدار ما نقص، فإن قيل: قيمته مخيطًا تسعة فقد جبرت الخياطة قيمة النقص وزادت دينارًا فيرجع المبتاع بمقداره من الثمن 20 على ذلك 21.
قوله: (وفُرِّقَ بَيْنَ مُدَلِّسٍ وغَيْرِهِ إِنْ نَقَصَ) ذكر رحمه الله أن المسائل التي يفترق 22 فيها حكم المدلس من غيره 23 ستة:
الأولى: إذا فعل المبتاع في المبيع فعلًا نقص بسببه مع 24 التدليس لا شيء عليه للبائع 25، وإلا فهو عيب حادث عنده؛ إما أن يرده ويعطي أرش الحادث أو يتماسك ويأخذ أرش القديم.
والثانية 26: إن حصل بسبب العيب هلاك أو عطب كما إذا كان العبد مثلًا سارقًا فسرق فقطعت يده ونحوه؛ فمع التدليس يكون الضمان من البائع وإلا فمن 27 المشتري، وإلى ذلك أشار بقوله: (كَهَلاكِهِ من التَّدْليسِ 28).
ثم أشار إلى الثالثة بقوله: (وأَخْذ مِنْهُ بِأَكثَرَ) ومعناه إذا باع السلعة معيبة، ثم اشتراها من مشتريها بأكثر مما باعها به 29، فمع التدليس لا رجوع للبائع على المبتاع وإلا رجع عليه بما زاده على الثمن.
الجزء: 3 - الصفحة: 622
قوله: (وتبَرُّؤٍ مِمَا لَمْ يَعْلَمْ) هذه هي المسألة الرابعة، وهي ما إذا باع بالبراءة ما يجوز بيعه بها فإنه يتبرأ مما لم يعلم، ولا يتبرأ مما علم ودلس به.
الخامسة: إذا دلس بالعيب فرد المبيع عليه بذلك العيب 30 لم يلزم السمسار رد الجعل؛ بخلاف ما إذا لم يدلس وإلى هذا أشار بقوله: (ورَدٍّ سِمْسَارٍ جُعلا).
السادسة: إذا اشترى ما يحتاج إلى حمل 31 ومؤنة كالأدهان 32 والخشب، ثم حمله إلى غير محل القبض، فمع التدليس يلزم البائع أخذه في ذلك الوضع، ولا يلزم المبتاع رده لوضع القبض، وقيل: يلزمه.
اللخمي: والأول أصوب 33، وإليه أشار بقوله: (وبمَبِيعٍ 34 لِمَحَلِّهِ إِنْ رُد بِعَيْبٍ) أي ولزم البائع أخذ المبيع بمحله حيث كان إذا دلس.
قوله: (وَإِلا رُدَّ إِنْ قَرُبَ) أي وإن لم يكن مدلسًا رده المشتري إلى موضع القبض إن قرب.
قوله: (وَإِلا فَاتَ) أي وإن حمله إلى مكان بعيد كان فوتًا يوجب للمبتاع الرجوع بقيمة العيب بعد 35 ثبوته، ثم أخذ يذكر 36 أمثلة العيب المتوسط فقال: (كَعَجَفِ دَابَّةٍ) أي: ومعناه أن من اشترى دابة فعجفت عنده ثم اطلع على عيب قديم عند البائع فإنه يخير بين: ردها ودفع قيمة عيب العجف؛ وبين التماسك بها وأخذ أرش العيب القديم؛ وجعل هذا في الجواهر من المفيت قال: وهو المشهور 37. خلافًا لابن مسلمة ونص اللخمي على إلحاقه بالهرم 38 لكن شرط فيه ألا يرجي ذهابه 39.
الجزء: 3 - الصفحة: 623
قوله: (أو سِمَنِهَا) يريد أن السمن بمنزلة العجف 40 ليس بمفيت.
قال مالك: والمشتري بالخيار إن شاء رد ولا شيء عليه، أو يتمسك 41 ويرجع بقيمة العيب القديم 42، وقال 43 ابن القاسم: إذا سمنت سمنًا بينا.
واختلف في العمى والشلل، هل يخير بين الرد ودفع ما نقصه العمى والشلل وبين 44 التماسك وأخذ أرش القديم وهو مذهب المدونة 45.
المازري: وهو المشهور، وإليه 46 أشار بقوله: (وعَمى، وشَلَلٍ) وجعلهما ابن مسلمة من المفيت 47 واستظهره بعضهم.
قوله: (وتَزْوِيجِ أَمَةٍ) أي فإن زوجها المشتري، ثم اطلع على عيب قديم فإنه يخير كما تقدم بين ردها ودفع ما نقصها التزويج، أو التماسك وأخذ قيمة العيب القديم، وهذا هو المشهور، وعن بعض المتأخرين إن شاء ردها ولا شيء عليه أو يتماسك ولا شيء له.
قوله: (وجبرَ بِالْوَلَدِ) أي فإن ولدت الأمة كان ذلك الولد جابرًا للعيب الواقع بالتزوبج الحاصل عند المبتاع، فلا شيء عليه إن ردها وقاله في المدونة 48، وقال أشهب: لا يجبره الولد ويرد ما نقصه بالتزويج إن ردها، وفهم محمد قول ابن القاسم عليه، وفهم الأكثر خلافه وأنه لا يجبر بالولد إلا إذا كانت قيمته تساوي قيمة العيب، وأما إن نقصت فلا بد أن يرد مع الولد ما بقي من ذلك 49.
قوله: (إِلا أَنْ يَقبله 50 بِالحْادِثِ) يريد أن تخيير المبتاع فيما تقدم مقيد بما إذا لم يقبل
الجزء: 3 - الصفحة: 624
البائع ذلك بالعيب الحادث من غير غرم يلحق المبتاع، فإن قبله لم يكن للمبتاع حينئذ تخيير ويصير كمن لم يحدث عنده عيب، وليس له إلا التماسك بالمبيع على حاله أو رده، ولا شيء عليه؛ هذا هو الأصح وهو مذهب المدونة 51.
وعن عيسى بن دينار: أن المبتاع لا يزول تخييره بقول البائع 52، ولابن كنانة 53: إن كان البائع مدلسًا فتخيير المبتاع باق، وإلا فلا 54.
قوله: (أَوْ يَقِلَّ، فكَالْعَدَمِ) أي فإن كان العيب الذي حدث عند المبتاع يسيرًا فإنه يكون كالعدم، فإذا رجع المبيع بالعيب القديم لم يرد للحادث شيئًا 55، ثم أشار إلى أمثلة ذلك فقال: (كَوَعَكٍ) ولا خفاء بيسارته وهو مذهب المدونة 56 عند المازري وابن شاس.
وهو عند أشهب من المتوسط، فيخرج 57 المبتاع على ما سبق، قوله: (ورَمَدٍ، وصُدَاعٍ، وذَهَابِ ظُفُرٍ، وخَفِيفِ حُمَّى) هكذا قال في المدونة 58 إلا أنه أطلق في الحمى، ولكن قيدها الباجي بالخفيفة كما هنا ونحوه لأبي الحسن الصغير؛ فقال بعد كلام ابن القاسم: يريد بالحمى التي يتصرف معها 59، واختار اللخمي أن يوقف في الحمى والرمد حتى ينظر مآلهما 60؛ كقول ابن كنانة في مرض العبد عند المبتاع أنه يوقف حتى ينظر 61 هل يصح أو يموت.
وعند ابن القاسم لا يرد إلا من المرض المخوف 62.
الجزء: 3 - الصفحة: 625
قوله: (ووَطْءِ ثَيِّبٍ) هذا هو المشهور عن مالك وأصحابه (1)، نقله المازري وأصحابه.
وروى ابن وهب، وابن نافع، وأصبغ: أن ذلك مفيت (2).
(المتن)
وَقَطْعٍ مُعْتَادٍ، وَالْمُخْرِجُ عَنِ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ، فَالأَرْشُ كَكِبَرِ صَغِيرٍ، وَهَرَمٍ، أَوْ افْتِضَاضِ بِكْرٍ، أَوْ قَطْعٍ غَيرِ مُعْتَادٍ، إِلَّا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ، أَوْ بِسَمَاوِي زَمَنَهُ كَمَوْتِهِ فِي إِبَاقِهِ، وَإنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، وَهَلَكَ بِعَيبِهِ: رَجَعَ على الْمُدَلِّسِ إِنْ لَم يُمْكِنْ رُجُوعُهُ على بَائِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ فَإِنْ زَادَ: فَلِلثَّانِي، وَإِنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ؟ قَوْلانِ.
وَلَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعِيَتْ رُؤْيتُهُ إِلَّا بِدَعْوَى الإرَاءَةِ، وَلا الرِّضَا بهِ إِلَّا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ، وَلا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأَبَقْ لإِبَاقِهِ بِالْقُرْبِ، وَهَلْ يُفْرَقُ بَيْنَ أَكثَرِ الْعَيْب فَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ وَأَقَلِّهِ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ مُطْلَقًا أَوْ بَيْنَ هَلاكِهِ فِيمَا بَيَّنَهُ أَوْ لا؟ أَقوَالٌ.