قوله: (وحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ) يريد أن البينة إذا شهدت بحدوث العيب أو قدمه، فلا يمين؛ لأن البينة قد قطعت بصدق من شهدت له، وقاله 1 محمد؛ فإن لم تقطع بذلك، وإنما رجحت قول أحدهما فقط، فلابد من اليمين، لأنها لم تجزم بصدق من شهدت له.
قوله: (وقُبِلَ لِلتَعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ وإِنْ مُشْرِكِيْنَ) يريد أن قدم العيب وحدوثه لا يشهد فيه إلا العدول إن وجدوا، فإن تعذروا قبل غيرهم للضرورة.
الباجي، والمازري وغيرهما: ويقبل قول غير العدول في ذلك ولو كانوا على غير دين الإسلام للضرورة؛ لأن طريق هذا الخبر مما ينفردون بعلمه.
المتيطي: والواحد منهم أو من المسلمين كاف، والاثنان أولى، إذ طريق ذلك الخبر لا الشهادة على المشهور والمعمول به.
قال ابن المواز: لا يرد بعيب 2 إلا ما اجتمع عليه عدلان من أهل النظر والمعرفة.
عبد الملك: وإن كان العبد ميتًا فلا خلاف بين أصحاب مالك أنه لا يثبت إلا بعدلين من أهل المعرفة 3.
قوله: (ويَمِينُهُ بِعْتُهُ وفي ذِي التَّوْفِيةِ، وأَقْبَضْتُهُ، ومَا هُوَ بهِ بَتًّا في الظَّاهِرِ، وعَلي الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ) يريد أنا إذا فرعنا على أن القول قول البائع في العيب إذا لم تشهد العادة للمبتاع، فلابد من خلفه على ذلك وصفة يمينه: لقد بعته إياه وليس به عيب إن لم يكن فيه حق توفية، وإلا زاد 4 وأقبضته إياه وما به عيب، ثم نبه على أن العيب تارة يكون ظاهرًا كالعور والعرج، وضعف البصر، وتارة يكون خفيًا كالزنا والسرقة؛ فإنه يحلف في
الجزء: 3 - الصفحة: 633
الظاهر على البت 5، وفي الخفي على نفي العلم، وهو مذهب المدونة، وهو 6 المشهور وقال 7 ابن القاسم إنه يحلف على البت فيهما 8، وبه قال ابن نافع، وقال أشهب: يحلف على نفي العلم فيهما، ثم إذا لم يحلف البائع ونكل عن اليمين فإن المشتري يحلف على نفي العلم فيهما، وهو أحد قولي ابن القاسم، وعنه أيضًا أنه يحلف على البت في الظاهر، وعلى نفي العلم في الخفي 9، واختاره ابن حبيب، وقال ابن نافع وابن أبي حازم 10: يحلف على البت فيهما 11.
قوله: (والْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ) أي والغلة للمشتري إلى حين الفسخ؛ لأن الخراج بالضمان فإذا فسخ العقد فالغلة حينئذ للبائع.
قوله: (ولَمْ تُرَدَّ) هو مستفاد من ذلك، وإنما ذكره ليرتب عليه ما بعده من قوله: (بِخِلافِ وَلَدٍ، وثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وصُوفٍ تَمَّ) أي فإن الولد يرد مع أمه إذا ردت بعيب، وسواء ابتاعها حاملًا أو حملت به بعد الشراء؛ لأن الولد ليس بغلة على المشهور خلافًا للسيوري 12، واختلف إذا اشترى نخلًا مؤبرةً واشترط ثمرته 13، أو غنمًا عليها صوف قد تم، فجد الثمرة وجذ الصوف ثم اطلع على عيب وأراد الرد، هل يرد ذلك إن كان قائمًا لأن له حصة من الثمن، وهو قول ابن القاسم، أو لا يرد لأنه غلة، وهو قول أشهب 14، وعلى قول ابن القاسم إذا فاتت الثمرة ترد مكيلتها إن علمت وقيمتها إن لم تعلم، ويرد مثل الصوف إن فات.
ابن يونس: فإن لم يعلم وزنه 15 رد الغنم بحصتها
الجزء: 3 - الصفحة: 634
من الثمن
قوله: (كَشُفْعَةٍ، واسْتِحْقَاقٍ، وتَفْلِيسٍ، وفَسَادٍ) يريد أن المشتري لا يرد الغلة في خمس مسائل: الرد بالعيب كما تقدم، وبيع الفاسد، والاستحقاق، والشفعة، والتفليس، وذلك إذا فارقت الثمرة 16 الأصول، فإن لم تفارقها لم ترد مع الأصول إذا أزهت على المشهور ولو 17 ولم تجد، ولا يبست في الرد بالعيب والبيع الفاسد، وأما الشفعة والاستحقاق فترد إذا أزهت ما لم تيبس فلا يجب ردها وفي التفليس ترد وإن يبست ما لم تجذ.
وقيل: إن الإبار 18 فوت في الجميع، والتشبيه في قوله: (كشفعة ... إلخ) راجع إلى قوله: (ولم ترد غلة).
قوله: (ودَخَلَت 19 فِي ضَمانِ الْبَائِعِ إِنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ الحاكِمِ ولو لَمْ يَحْكُمْ) يريد أن السلعة المبيعة 20 إذا ردها المبتاع دخلت في ضمان البائع إن رضي بقبضها وإن لم يقبضها، وكذلك أيضا يضمنها بثبوت 21 العيب عند الحاكم ولو لم يحكم بالرد، وهو قول ابن القاسم في شهادة المدونة.
ابن رشد: وهو الذي يأتي على مذهب 22 مالك في الموطأ.
ابن راشد: وظاهر المدونة أنها في ضمان المبتاع حتى يحكم له بالرد أو يرضى البائع 23 بالقبض.
وقال أصبغ 24: إذا أشهد المبتاع على العيب وأنه غير راض به فإنها تدخل في ضمان البائع وإن لم يرض بقبضها.
وقيل: لا تدخل في ضمانه وإن رضي حتى يمضي من الزمان 25 ما يمكِّنه من القبض فيه، وقيل: لا يدخل في ضمانه إلا بالقبض ولو مضى من الزمان ما يمكنه فيه القبض.
الجزء: 3 - الصفحة: 635
قوله: (ولَمْ ترَدَّ بِغَلَطٍ إِنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ) هذا هو المشهور وقيل: يرد.
ومعناه أن من باع شيئًا ثم يظهر خلافه كما إذا باع حجرًا بثمن بخس، ثم ظهر أنه ياقوتة ونحوه أو بالعكس ومقابل المشهور وهو ظاهر ما في أقضية المدونة في الذي يشتري 26 ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المبتاع، أن البيع يرد 27.
ومعني (سُمِّيَ بِاسْمِهِ) أن يقول من يشتري هذا الحجر؛ لأن الياقوت يسمى حجرًا، واحترز بذلك مما إذا سماه بغير اسمه كقوله: من يشتري هذه الزجاجة، فإذا هي ياقوتة أو نحوها فإن له الرد من غير خلاف.
قاله ابن رشد 28 وغيره.
قوله: (ولا بِغَبْنٍ ولَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ) 29 أي وهكذا لا يرد بالغبن ولو خالف العادة سواء كان المغبون بائعًا أو مبتاعًا.
وهو المشهور.
وفي المذهب فيذلك 30 ثلاث طرق:
الأولى: لعبد الوهاب في المعونة؛ بثبوت 31 الخيار لغير العارف باتفاق، وفي العارف قولان 32.
الثانية: للمازري: أنه إن اعترف 33 المشتري أنه غير عارف بقيمته، فقال له البائع: قيمتها كذا.
فله الرد.
وإن كان عالمًا بالمبيع وقيمته فلا رد ولا خلاف في هذين القسمين، وفيما عداهما قولان 34.
الثالثة: لصاحب المقدمات: أن البيع والشراء إن وقع على جهة الاسترسال والاستئمان وجب القيام بالغبن بإجماع 35؛ كقوله "اشتر مني كما تشتري من الناس"، وإن وقع البيع والشراء 36 على جهة المكايسة فلا قيام له
الجزء: 3 - الصفحة: 636
باتفاق (1)، فأشار إلى الأولى كما (2) تقدم، وإلى الثانية بقوله: (وهَلْ إِلا أَنْ يَسْتَسْلِمَ ويُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ) وإلى الثالثة بقوله: (أو يستأمنه).
قوله: (تردد) جواب للاستفهام (3) وهو ظاهر من كلامه (4).
(المتن)
وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ، وَدَخَلَتْ فِي الاِسْتِبْرَاءِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَلَهُ الأَرْشُ: كَالْمَوْهُوبِ لَهُ، إِلَّا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ.
وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَوْ جُنُونٍ بِطَبْعٍ أَوْ مَسِّ جِنٍّ، لا بِكَضَرْبَةٍ إِنْ شُرِطَتَا أَوِ اعْتِيدَتَا، وَلِلْمُشْتَرِي إِسْقَاطُهُمَا وَالْمُحْتَمَلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ، لا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أَوْ مُخَالَعٍ، أَوْ مُصَالَحٍ فِي دَمِ عَمْدٍ، أَوْ مُسْلَمٍ فِيهِ، أَوْ بِهِ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ مُقَاطِعٍ بِهِ مُكَاتَبٌ، أَوْ مَبِيعٍ على كَمُفَلَّسٍ، وَمُشْتَرًى لِلْعِتْقِ، أَوْ مَأَخُوذٍ عَنْ دَيْنٍ، أوْ رُدَّ بعَيْبٍ، أَوْ وُرِثَ، أَوْ وُهِبَ أَوِ اشْتَرَاهَا زَوْجُهَا، أَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ مِنْ زَيْدٍ، أَوْ مِمَّنْ أحَبَّ، أَوْ بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ، أَوْ مُكَاتَبٍ بِهِ، أَوِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا، وَسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا.