قوله: (ورضي مشتر كاتب وزوج ولو عبدًا) يريد أن المشتري إذا كاتب العبد أو الأمة في زمن الخيار فإن ذلك يعد رضًا منه، ومثل هذا ما إذا أعتق أو دبر، والاستيلاد والعتق إلى أجل، ولا إشكال أن تزويج الأمة يعد رضا، واختلف هل العبد كذلك؟123
الجزء: 3 - الصفحة: 586
وهو المشهور، وإليه ذهب ابن القاسم 4، وقيل 5: لا يُعَدّ رضًا، وأما قصد التلذذ بالأمة فلا يكون بمجرد رضًا من المشتري حتى يصحبه فعل يدل معه على ذلك؛ لأن القصد لا يعلم حتى يرتفع النزاع بسببه؛ اللهم إلا أن يكون القاصد قد أقر على نفسه بذلك، ولعل هذا مراده هنا بقوله: (أو قصد تلذذًا).
وقاله في المدونة 6. واكتفى هنا بما ذكر عن الوطء؛ لأنَّ قصد 7 التَّلذذ إذا عد رضًا فالوطء من باب أولى، واختلف في الرهن والإجارة والإسلام للصنعة أو التسوق 8 أي يسومها 9 في السوق، والجناية على عبد عمدًا هل يعد رضا كل منهما رضا أم لا؟ والمشهور -وهو مذهب المدونة- أنه يعد رضا، وإليه أشار بقوله: (أو رهن أو آجر أو أسلم 10 للصنعة، أو تسوق، أو جنى إن تعمد).
ولم ير أشهب ذلك رضا بعد أن يحلف في الرهن والإجارة.
وتزويج العبد ما كان ذلك رضا منه بالبيع 11، وحكى ابن المواز عن أشهب أنه يحلف في الخمسة وقيد الجناية بالعمد 12 لأن له الرد في الخطأ وما نقصه، وقاله في المدونة، وحكى محمد عن أشهب أن قطع الأمة 13 عمدًا لا يبطل الخيار، ولا يضر بأحد أن يفعل ذلك قصدا للرضا.
محمد: وتعتق عليه 14.
قوله: (أو نظر الفرج): يريد أن نظر المشتري إلى فرج الأمة رضا، وقاله في المدونة وزاد: لأن الفرج لا يجرد في الشراء، ولا ينظر إليه إلا النساء ومن يحل له الفرج.
قوله: (أو عرب دابة أو ودجها) هكذا قال في المدونة، وزاد: أو هلبها، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 587
سار 15 عليها، والتعريب -بالعين المهملة- فصد الدابة في أسفلها، والتوديج قصدها في ودجها، والتهليب جز ذنبها.
قوله: (لا إن جرد جارية) هذا كقوله في المدونة: وإذا كان الخيار للمبتاع في الجارية فجردها في أيام الخيار ونظر إليها فليس ذلك رضا 16، وقد تجرَّد للتقليب.
قوله: (وهو رد من البائع إلا الإجارة) يريد أن الفعل الذي يعد رضا من المشتري 17 يعد رضا من البائع 18 إذا كان له الخيار، فإنه يعذر من البائع إذا كان له الخيار 19، إلا الإجارة فإنها تعد رضا من المبتاع، ولا تعد رضا من البائع، ونحوه عن اللخمي.
ابن بشير: والذي قاله يختلف الأمر فيه، فإن طول الإجارة ظهر منه أنه قصد الرد وإلا فلا 20.
قوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ إلَّا بِبَيِّنةٍ) يريد أن من له الخيار من بائع أو مبتاع إذا ادعى أنه كان قد اختار الرد أو الإمضاء بعد انقضاء زمن الخيار لا تقبل دعواه إلا ببينة تشهد له بصحة ما ادعاه.
وانظر كيف قابل بين الاختيار والرد، والرد أحد نوعي الاختيار ولكن معناه: من اختار الإمضاء أو اختار الرد فالتقابل بين تخييرين مقيدين، وهما داخلان تحت مطلق التخيير.
قوله: (وَلَا يَبعْ مُشْتَرٍ) هذا كقوله في المدونة: ولا ينبغي أن يبيع حتى يختار، ثم قال: فإن باع فإن بيعه ليس باختيار، ورب السلعة بالخيار 21؛ إن شاء جوز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع 22. انتهى.
وقال ابن حبيب: يصدق مع يمينه أنه باع بعد أن اختار، ونحوه لمالك
الجزء: 3 - الصفحة: 588
وأصحابه (1).
وقاله ابن القاسم في كتاب محمد (2)، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: (فإن فعل فهل يصدق أنه اختار بيمين أو لربها نقضه؟ قولان).
قوله: (وانتقل لسيد مكاتب عجز) يريد أن المكاتب إذا ابتاع أو باع والخيار له، ثم عجز في زمن الخيار، فإن سيده ينتقل له ما كان لمكاتبه من الخيار، وقاله في المدونة (3).
قوله: (ولغريم أحاط دينه) يريد أن المديان الذي أحاط الدين بماله إذا باع أو اشترى على خيار له، ثم قام عليه الغريم قبل انقضاء مدة الخيار، فإن الخيار ينتقل لغريمه؛ لأنه صار محجورًا عليه (4) كالمكاتب.
(المتن)
وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يَأخُذَ بِمَالِهِ.
وَلِوَارِثٍ، وَالْقِيَاسُ رَدُّ الْجَمِيع إِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ، وَالاسْتِحْسَانُ أَخْذُ الْمُجِيزِ الْجَمِيعَ، هَلْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ كَذَلِكَ؟ تَأْوِيلَانِ.
وَإِنْ جُنَّ نَظَرَ السُّلْطَانُ وَنُظِرَ الْمُغْمَى، وَإِنْ طَالَ فُسِخَ، وَالْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، وَمَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَالَهُ، وَالْغَلَّةُ وَأَرْشُ مَا جَنَى أَجْنَبِيٌّ لَهُ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ، وَالضَّمَانُ مِنْهُ.
وَحَلَفَ مُشْتَرٍ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، أَوْ يُغَابَ عَلَيْهِ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي إِنْ خُيِّرَ الْبَائِعُ الأَكْثَرَ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ، فَالثَّمَنُ كَخِيَارِهِ، وَكَغَيْبَةِ بَائِعٍ، وَالْخِيَارُ لِغَيْرِهِ.