قوله: (ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ) أي: فإن لم تكن له نية نظر في ذلك إلى بساط اليمين، فيعمل على مقتضاه من حنث أو بر؛ لأنه هو السبب الحامل على اليمين، يريد: إذا كانت اليمين مما ينوى فيها، وهذا هو المعروف، وقيل: يقدم مقتضى 5 اللفظ على بساط اليمين، حكاه اللخمي 6 وابن رشد 7. قوله: (ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ، ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَوِيٌّ، ثُمَّ شَرْعِيٌّ) أي: فإن لم تكن له نية وليس ثَمَّ بساط حملت يمينه على العرف القولي، فإن لم يكن فعلى المقصد اللغوي، فإن فُقد أيضًا فعلى المقصد الشرعي، وهذا هو المشهور، وقيل: يقدم اللغوي، وقيل: الشرعي، حكاهما ابن بشير 8. قوله: (وَحَنِثَ إِنْ لَمْ تَكُنْ له نِيَّةٌ، وَلا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ1234
الجزء: 2 - الصفحة: 383
سَرِقَةٍ 9) أي: إذا تعذر فعل 10 المحلوف عليه لتفريطه، والفعل غير مؤقت حنث باتفاق، فإن بادر فلم يمكنه فكالمؤقت، والمؤقت تارة يكون تعذُّره عقليًّا كموت الحمام المحلوف بذبحها، وسيأتي من كلامه بعد هذا، وتارة يكون تعذُّره شرعيًّا كمن حلف ليطأنَّ الليلة 11 زوجته فيجدها حائضًا، أو ليبيعنَّ اليوم جاريته فيجدها حاملًا، فمذهب المدونة أنه يحنث 12 كما قال ههنا، وقال سحنون في مسألة البيع: لا يحنث 13، ولابن القاسم وابن دينار في مسألة الوطء الفرق 14، فإن أمكنه الوطء ففرط حتى حاضت حنث، وإن لم يمكنه فلا يحنث، واختاره ابن حبيب 15، وتارة يكون تعذُّره عاديًّا كأن يحلف ليذبحنَّ الحمامة غدًا فتسرق أو تغصب أو تستحق 16، ومذهب المدونة أيضًا الحنث كما هنا 17، وقيل: لا يحنث، ونسبه ابن شاس لأشهب نظرًا إلى أن ذلك كالموت 18. قوله: (لا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ في لَيَذْبَحَنَّهُ) أي: فلا يحنث، وهذا هو التعذُّر العقلي، وهو أن يحلف ليذبحنَّ حمام يتيمه أو ولده فتموت قبل ذلك؛ لأن الذبح حينئذٍ متعذر عقلًا، والمنصوص عدم الحنث، وخرج اللخمي الحنث على المتعذر شرعًا 19. قوله: (وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) هو معطوف على المجرور الأول وهو قوله: (بفوت ما حلف عليه)؛ أي: وكذا يحنث بالعزم على ضد ما حلف عليه، يريد: سواء كانت يمينه
الجزء: 2 - الصفحة: 384
على حنث أو بر، قال في المدونة: ومن قال لزوجته: أنت طالق إن لم أتزوج عليك، فعزم على عدم 20 التزويج، طلقها وارتجعها وبرَّ 21. قوله: (وَبِالنِّسْيَانِ إِنْ أَطْلَقَ) يريد أن الحالف إذا حلف 22 على شيء، كقوله: لا دخلت دار زيد مثلًا، ولم يقيد كلامه لا بنسيان 23 ولا عمد، وهو مراده بالإطلاق فإنه يحنث بالنسيان، وهو المعروف من المذهب، وذهب السيوري 24 وابن العربي 25 وجماعة من المتأخرين إلى عدم الحنث به، أما إن قال: لا دخلتها عمدًا فإنه لا يحنث بالنسيان بلا خلاف، كما اتفق على أنه يحنث بالنسيان إن قال: لا دخلتها 26 عمدًا ولا نسيانًا، وهو ظاهر تقييده 27. قوله: (وَبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا يفعل كذا ففعل بعضه، مثل أن يحلف لا آكل رغيفًا فأكل بعضه ولو لقمة، وهو المشهور وقاله في المدونة 28، ولابن كنانة أنه لا يحنث إلا بفعل الكل 29، وهذا بالنسبة إلى الحنث 30 وأما بالنسبة إلى البر فلا بد من الجميع، وخرَّج ابن الجلاب فيها قولًا بأنه يبر 31 بالبعض قياسًا على الحنث بالبعض 32. قوله: (وَبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ في لا آكُلُ) أي: وكذلك يحنث بشرب السويق واللبن إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 385
حلف لا آكل؛ لأن قصده التضييق على نفسه حتى لا يدخل في بطنه طعام ولا شراب، والسويق واللبن طعام.
ابن شاس: ولو كان قصده الأكل دون الشرب لم يحنث 33.
قوله: (لا مَاءٍ) يعني: فأما في حلفه 34 لا آكل فشرب ماء فإنه لا يحنث؛ لأنه ليس بطعام.
قوله: (وَلا بِتَسَحُّرٍ 35، في: لا أَتَعَشَّى) هذه المسألة لابن القاسم في العتبية، فقال في الحالف لا أتعشى: لا يحنث إذا تسحر 36؛ لأن العشاء لا يتصف به من تسحر، وهذا إذا لم تكن له نية، فأما إن قصد ألا 37 يأكل طعامًا تلك الليلة فإنه يحنث بالسحور، كما إذا وُجد بساط يُصرف اللفظ 38 إليه.
قوله: (وَذَواقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ 39) أي: وأما إن وصل إليه فإنه يحنث، وهذه مسألة المدونة قال فيها: وإن حلف في طعام أو شراب لا يأكله فذاقه فإن لم يصل إلى جوفه لم يحنث 40.
قوله: (وَبِوُجُودِ أَكثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتسَلِّفٍ، لا أَقَلَّ) هو معطوف على قوله: (وحنث بكذا 41) أي: وكذلك يحنث إذا حلف لمن سأله قرض خمسة عشر درهما فقال 42: ليس معي إلا عشرة، فوجدها أكثر أعني 43 أحد عشر، ولا يحنث إذا وجدها تسعة؛ لأن المقصود في العادة ليس معي ما يزاد 44 على العشرة، نقل هذين
الجزء: 2 - الصفحة: 386
الفرعين هكذا ابن يونس (1).
قوله: (وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ وَلُبْسِهِ فِي: لا أَرْكَبُ وَأَلْبَسُ) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا أركب الدابة وهو راكب عليها، و: لا ألبس (2) الثوب وهو لابس له، إذا تمادى على ذلك بناء على أن (3) الدوام كالابتداء، قال في الجواهر: وإن نزل عن الدابة أو نزع الثوب مكانه فلا شيء عليه (4)، وقاله في المدونة (5).
قوله: (لا فِي كَدُخُولِ الدَّارِ (6)) أي: فإنه لا يحنث، وأشار به إلى ما قاله ابن القاسم، أن من حلف لا أدخل (7) الدار وهوفيها، أنه لا يحنث بدوام جلوسه فيها، وقال أشهب: يحنث (8)، ووجه الأول (9) أن جلوسه لا يعد دخولًا بخلاف دوام ركوبه ولبسه فإنه يعد ركوبًا ولبسًا.
قوله: (وَبِدَابَّةِ عَبْدِهِ في دَابَّتِهِ) يريد أن من حلف لا أركب (10) دابة فلان فركب دابة عبده فإنه يحنث، قال في المدونة: إلا أن تكون له نية؛ إذ لو اشترى العبد من يعتق على سيده أعتقناه عليه (11)، وقال أشهب: لا يحنث (12).
(المتن)
وَبِجَميعِ الأَسْوَاطِ فِي لأَضْرِبَنَّهُ كَذَا، وَبِلَحْمِ الْحُوتِ، وَبَيْضِهِ، وَعَسَلِ الرُّطَبِ فِي مُطْلَقِهَا.
وَبِكَعْكٍ، وَخَشْكِنَانٍ، وَهَرِيسَةٍ، وَإِطْرِيَةٍ فِي خُبْزٍ، لا عَكْسِهِ، وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ، وَدَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ، وَدَجَاجٍ لا بِأَحَدِهِمَا، فِي آخَرَ، وَبِسَمْنٍ اسْتُهْلِكَ454647484950515253545556
الجزء: 2 - الصفحة: 387
فِي سَوِيقٍ، وَبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ لا بِكَخَلٍّ طُبِخَ، وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي: لا قَبَّلْتُكِ أَوْ قَبَّلْتِنِي، وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي: لا فَارَقْتُكَ أَوْ فَارَقْتَنِي إِلَّا بِحَقِّي، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ وَإنْ أَحَالَهُ، وَبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لا الْعَكْسِ،