قوله: (وَحَلَّ بِهِ وَبِالْمَوْتِ مَا أُجِّلَ) أي: وحل بالموت أو بالفلس ما على المفلس أو الميت 3 من الدَّين المؤجل؛ لأن الذمة قد خربت بهما، وفي الرسالة: ويحل بموت المطلوب أو تفليسه كل دين عليه 4، ولو قال بعض الغرماء: لا أرضى بحلول ديني، وقال المفلس لا أوخر ذلك، فالقول قول المفلس؛ لأن الشرع حكم بحلول ما عليه، ويجبر 5 المستحق على أخذه، قاله في العتبية والموازية، واعترضه اللخمي وقال: الحلول من حق الغريم فينبغي أن يكون القول قوله في التأخير 6، والمشهور ما ذكره في الموت، وقال السيوري: لا يحل به المؤجل، وأحرى 7 على قوله في الفلس 8.12
الجزء: 4 - الصفحة: 125
قوله: (وَلَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ) يريد: أن ما على المفلس يحل، ولو كان من دين الكراء عليه، وهو مأخوذ من قوله في المدونة: وصاحب الدابّة أولى بالمتاع من الغرماء 9 وحكاه بعضهم عن عبد الوهاب في شرح الرسالة، وعن المبسوط.
المازري: ولم أقف على هذا النقل في هذين الكتابين، ولكن عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين؛ أنه اختلف فيمن أكرى داره خمسا، وقبض كراءها، ومر عليه حول هل يزكي الجميع أو العام الأول فقط، وهو الظاهر عندي 10.
قوله: (أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًّا) يريد: أن من فلس في غيبته وحكم الشرع في الظاهر بحلول ما عليه من دين مؤجل، ثم قدم من غيبته مليا أن ذلك الحكم يمضي ويدفع ما وجب عليه من ذلك الدين، وهو ظاهر قول أصبغ، وقيل: لا يأخذه إلَّا بعد أجله؛ لأن الغيب 11 كشف عن خلاف ما قضى به 12، فصار كحكم تبين خطؤه، واختاره بعض المحققين.
قوله: (وَإِنْ نَكَلَ الْمُفَلسُ حَلَفَ كُلٌّ كَهُوَ) يريد: أن المفلس إذا كان له دين على غيره، وقام له به 13 شاهد واحد وطلب منه أن يحلف مع شاهده ويأخذ دينه، فإن حلف فلا كلام 14، وإن نكل عن اليمين فإن للغرماء أن يحلفوا ويستحقوا ذلك، وقاله 15 ابن حبيب، ويحلف كلّ واحد منهم على جميع الحق المشهود به؛ لا على ما ينوبه فقط؛ لأن كلّ واحد منهم قائم مقام المفلس 16، ولهذا قال: (حَلَفَ كلٌّ كَهُوَ) أي: كالمفلس؛ لأنه يحل محله، وهو إذا حلف فلا بد أن يحلف على شهادة شاهده، فكذلك هم، فإن حلفوا كلهم تحاصّوا في ذلك الدين، وإن نكلوا كلهم فلا شيء لهم، وإن حلف بعضهم ونكل
الجزء: 4 - الصفحة: 126
البعض استحقّ من حلف قدر نصيبه فقط، كما لو حلف الجميع، وإليه أشار بقوله: (وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَلَوْ نَكَلَ غَيْرُهُ عَلَى الأَصَحِّ) وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى وابن الماجشون، وقال محمد بن عبد الحكم: يأخذ جميع حقه 17، ذكره لأن الغالب عليه عدم استحضاره لجميع الدين في وقت واحد، ولمالك في الموازية 18: يقبل إقراره لمن يعلم منه إليه تعاط ومداينة وخلطة ويحلف المقر له ويدخل في الحصاص مع من له بينة 19. [ذكر ذلك] في مسألة الورثة يقوم للميت 20 شاهد وعليه دين، ولا فرق بين البابين 21.
قوله: (وَقُبِلَ إِقْرَارُهُ بالْمَجْلِسِ، أَوْ قُرْبِهِ إِنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِإِقْرَارٍ لا بِبَيِّنَةِ) يريد: أن المفلس إذا أقرّ في مجلس الحجر أو قربه بدين لمن لا يتهم عليه فإن إقراره يقبل بشرط أن يكون دينه الذي الحجر بسببه يثبت بإقرار لا ببينة، وحكى ابن شاس هذا عن مالك، وهو الذي نص عليه محمد، وحملت المدونة 22، واختار بعض الشيوخ قبول إقراره، وإن ثبت دينه الأول ببينة.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر عندي، وقيل: يقبل إقراره ما لَمْ يحز 23 عنه المال؛ أما إن أقر بعد الجلس، فلا يسمع إن كان بعيدًا 24.
قوله: (وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ) أي: وحيث لَمْ يقبل إقراره فإنما هو باعتبار المال الذي هو في يده، وأما ما أفاد بعد ذلك من المال فإن هذا المقر له 25 يدخل فيه؛ لأن ما أقر به قد ثبت في ذمته إذ لا تهمة إلَّا 26 في المال الأول 27، وقاله في المدونة.
قوله: (وَقُبِلَ تَعْيِينُهُ الْقِرَاضَ وَالْوَدِيعَةَ إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ) يريد: أن المفلس إذا قال
الجزء: 4 - الصفحة: 127
في المجلس أو قربه هذا قراض فلان أو وديعة لشيء بعينه في يديه، فإنه يقبل إن قامت على أصل القراض أو الوديعة جينة 28، وقاله ابن القاسم في الجواهر، قال 29: ولم يجزه أشهب إلَّا ببينة على التعيين، ورواه عن مالك، وقال أصبغ: يقبل فيما عين من ذلك، كان عينا أو عرضا، كان على أصله بينة أو لَمْ تكن، وحكى في البيان عن مالك 30 الجواز مع يمين المقرّ له، وعن ابن القاسم عدم الجواز، وعنه أيضًا من رواية أبي زيد 31 مثل ما نقل عنه ابن شاس ابن رشد 32 عن مالك 33، وقيل إن رواية أبي زيد 34 تفسير للقولين.
قوله: (وَالْمُخْتَارُ قبُولُ قَوْلِ الصَّانِعِ بلا بَيِّنَةٍ) أي: اختلف إذا فلس شخص من أرباب الصنائع، فيقول: هذه السلعة مثلا أَو هذا الغزل لفلان، هل يقبل إقراره أم لا؟ على ثلاثة أقوال: الأول: لمالك عدم قبوله الثاني: لابن القاسم قبوله، وإن لَمْ يكن للمقرّ له بينة، والثالث: لمالك يقبل إذا كان على أصل الدفع بينة أو على إقراره قبل الفلس، وإن لَمْ تعرف ذلك البينة بعينه، هكذا ذكر اللخمي هذه الأقوال، قال 35: وقول ابن القاسم أحسن 36، وإليه أشار بقوله: (وَالْمُخْتَارُ قبوله 37).
قوله: (وَحُجِرَ أَيْضًا إِنْ تَجَدَّدَ مَالٌ) ابن شاس: والمال المتجدد بعد الحجر لا يتعدى إليه الحجر، بل يحتاج إلى استئناف حجر 38 ثان 39.
الجزء: 4 - الصفحة: 128
وقوله: (وَإِنْفَكَّ وَلَوْ بِلَا حُكْمٍ) أي: وانفكَّ الحجر على المفلس، يريد: إذا قسّم ماله وحلف أنه لَمْ يكتم شيئًا أوَ وافقه الغرماء على ذلك ولم يحتج فيه إلى حكم حاكم، وقاله اللخمي.
قوله: (وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ فباعُوا وَاقْتَسَمُوا، ثُمَّ دَايَنَ غَيْرهُمْ، فَلا دُخُولَ لِلأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ) أي: لو مكن المديان وهو مراده بالغريم أرباب الديون مما بيده من المتاع فباعوه واقتسموا ثمنه وبقيت لهم بقية من ديونهم ثم تداين هذا الغريم من قوم آخرين فليس لهم - أعني 40 الأولين - دخول في أثمان ما أخذه من الآخرين إلَّا أن يفضل عن دين الآخرين فضل، فإنهم يتحاصون فيه، وكذلك أيضًا تفليس الحاكم إذا رفعوا الأمر إليه ففلس الغريم وقسم بينهم ما بيده ثم تداين من غيرهم، فليس للأوّلين دخول معه 41.
قوله: (إِلَّا كَإِرْثٍ، وَصِلَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ) أي: فلا دخول للأولين مع الآخرين 42 إلَّا أن يتجدد له مال من غير أصل مال 43 الآخرين، فإن الجميع يتحاصون فيه؛ مثل أن يرث 44 مالًا 45 أو يوهب له أو يتصدق به عليه أو نحو ذلك من الصلاة أو يجنى عليه أو على وليّه فيأخذ أرش الجناية.
قوله: (وَبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ بِالْخَيَارِ ثَلاثًا) هكذا قال مالك وابن القاسم وسحنون لتوقع الزيادة في أمد الخيار.
قوله: (وَلَوْ كُتُبًا) ابن شاس: اختلف في بيع كتب العلم 46 على المفلس على قولين بناء على كراهة بيعها أو إجارته 47، وحكى اللخمي القولين بالكراهة والمنع عن
الجزء: 4 - الصفحة: 129
مالك (1)، وقال ابن عبد الحكم: يجوز بيعها (2).
قوله: (أَوْ ثَوْبَيْ جُمُعَته، إِنْ كَثُرَت قِيمَتُهُمَا) اللخمي: والقضاء أن يباع ما كان للتجارة أو القنية كداره وخادمه ودابته وسرجه وسلاحه ومصحفه (3)، واختلف في خاتمه، فاختار بيعه ابن القاسم ومنعه أشهب (4)، قال: وإن كان لثياب جمعته قدر وبال (5) بيعت وإلا تركت.
قوله: (وَفِي بَيع آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ) هكذا حكى المازري عن شيخه أنه كان يتردد في بيعها، ثم قال: ويؤخذ حكمه مما تقدم، فإن كان يسيرا ويصلح أن يقيم منه أوده لَمْ يبع ويصير مثل نفقته الأيام.
(المتن)
وَأُوجِرَ رَقِيقُهُ، بِخِلَافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَلَا يُلْزَمُ بِتَكَسُّبٍ، وَتَسَلُّفٍ، وَاسْتِشْفَاع، وَعَفْوٍ لِلدِّيَةِ، وَانْتِزَاع مَالِ رَقِيقِهِ، وَمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ.
وَعُجِّلَ بَيعُ الْحَيَوَانِ، وَاسْتُؤْنِيَ بِعَقَارِهِ كَالشَّهْرَيْنِ.
وَقُسِمَ بِنِسْبَةِ الدُّيُونِ بِلَا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ، وَاسْتُؤْنِيَ بِهِ إِنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ فِي الْمَوْتِ فَقَطْ، وَقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ، وَاشْتُرِيَ لَهُ مِنْهُ بِمَا يَخُصُّهُ، وَمَضَى إِنْ رَخُصَ أَوْ غَلَا، وَهَلْ يُشْتَرَى فِي شَرْطِ جَيِّدٍ أَدْنَاهُ أَوْ وَسَطُهُ؟ قَوَلَانِ.