قوله: (وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وحَقِّهِ اسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إِنْ حَقَّقَ ويمين تهمة بمجرد النكول) احترز بالمال من الحقوق التي لا تثبت بالنكول واليمين فقوله إن حقق من 1 يمين التهمة فإن الحق يثبت فيها بمجرد النكول على المشهور قاله ابن رشد، والضمير في به عائد على النكول، والباء فيه بمعنى مع، والمعني أن المدعي عليه إذا توجهت عليه اليمين فنكل عنها، فإن الطالب يستحق المال مع النكول بيمين إن حقق عليه الدعوى وإن لم يحققها لم يمكن المدعي عليه من رد اليمين إذ يصير الحلف على شيء مجهول لا يعلم له أصل.
قوله: (ولْيُبَيِّن الحْاكِمُ حُكْمَهُ) أي: حكم النكول، والمعني: أن القاضي إذا عرض على المطلوب اليمين فإنه يشرح له حكم النكول بأن يقول له إن نكلت عن اليمين حلف المدعي، واستحق ما ادعاه عليك.
قوله: (ولا يُمَكَّنُ مِنْهَا إِنْ نَكَلَ) يريد: أن المدعي عليه إذا نكل عن اليمين ثم قال بعد ذلك 2: أنا أحلف، فإنه لا يمكن منها ثانية 3، لأن نكوله أولا دليل على صدق ما ادعاه عليه، ابن شاس: ويتم نكوله بأن يقول: لا أحلف أو أنا ناكل، أو يقول للمدعي: احلف أنت، أو تمادى على الامتناع من اليمين.
قوله: (بِخِلافِ مُدَّعٍ الْتَزَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ) قال في المدونة: ومن قام له شاهد بحق فرد اليمين على المدعي عليه فإنه لا رجوع له في ذلك، أبو عمران: بلا خلاف، قال: وأما المدعي عليه يلتزم اليمين، ثم يريد الرجوع عنها إلى حلف المدعي، فإنه يمكن من ذلك، لأن التزامه لا يكون أشد من إلزام الله تعالى له 4، ثم قال: ولقد خالفني في ذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 215
ابن الكاتب ورأى أن ذلك يلزمه وليس له رد اليمين والصواب ما قدمته، وعلى هذا فكلام الشيخ رحمه الله أن يقول 5 بخلاف مدعى عليه التزمها ولم أر بخطه إلا ما ذكرته، وما أظنه إلا تحريفا 6 في الكتابة بإسقاط لفظة عليه والله أعلم.
قوله: (وَإِنْ رُدَّتْ عَلَى مُدَّعٍ وسَكَتَ زَمَنًا فَلَهُ الحْلْفُ) أي: وإن قال الراد: أنا أحلف فليس له ذلك، وحلف المدعي الذي ردت عليه 7، ابن عتاب، وسواء طال زمان السكوت أو قصر، وهو قول مالك وأصحابه.
قوله: (وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِي غَيْرُ شَرِيكٍ وتَصَرَّفَ، ثُمَّ ادَّعَى سَاكِتٌ حَاضِرٌ بِلا مَانِعٍ عَشْرَ سِنينَ، لَمْ تُسْمَعْ) ذكر رحمه الله أن حيازة الأجنبي غير الشريك عشر سنين تنقل الملك بشروط أربعة 8، الأول: أن يكون متصرفا في ذلك المال 9 بالبناء والهدم أو غيرهما وهو قول ابن القاسم 10، قال في 11 البيان: والمشهور أن الحيازة عشر سنين بين الأجانب غير الشركاء، تنقل الملك وإن لم تكن بالبناء والهدم، وعن ابن القاسم: لا تكفي العشرة إلا فيها فقط، وأجمل الشيخ في التصرف ليشمل الإتلاف كبيع العبد وعتقه، ووطء الأمة، إلا أن هذا لا يحتاج معه إلى وطء المدة 12 إذا علم المدعي ولم ينكر للشرط 13 الثاني: أن يكون المدعي حاضرا مع الحائز، فإن كان غائبا عنه 14 فله القيام
الجزء: 5 - الصفحة: 216
إن بعدت غيبته كالسبعة الأيام، وإن كانت قريبة كالأربعة الأيام ونحوها أو ثبت عذره من القدوم من عجز أو غيره، وعن التنكيل، علم بذلك فلا حجة عليه 15، وإن أشكل أمره، فقال ابن القاسم: لا يسقط حقه خلافا لابن حبيب، الثالث: أن يكون ساكتا احترازا مما إذا تكلم ونازع الحائز 16 في تلك المدة أو في بعضها فله القيام ويشترط مع ذلك 17 في الحاضر أن يعلم أن ذلك ملكه، فلو كان وارثا وادعى أنه لم يعلم قضي له بذلك، قاله في الوثائق المجموعة، الرابع: ألا يكون للمدعي مانع من خوف أو مصاهرة أو نحوهما عشر سنين، و [لو] كان له مانع يمنعه من القيام فله ذلك، وكذلك له القيام إذا لم تستوف المدة عشر سنين، وفي الواضحة 18 فلو كانت الحيازة ثمان سنين فإنها تنقل الملك كما تنقل العشرة 19.
قوله: (لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنتُهُ) جوابا عن قوله: وإن حاز أجنبي إلى آخره، ابن رشد ولا بد مع ذلك من يمين الحائز.
قوله: (ولا ببينة إلا بإسكان ونحوه) يريد 20 أن المدعي لو أقام بينة على نفي ما ادعى 21 من الحيازة المعتبرة لم تسمع 22 إلا أن تشهد له، بأنه أسكن الحائز أو أعمره أو ساقاه أو زارعه وشبه ذلك، وهو مراده بنحو الإسكان، فإذا قامت له بذلك بينة حلف على رد دعوى الحائز نقل الملك 23، وقضي له به، وإن لم يدع الحائز إلا مجرد الحيازة فلا
الجزء: 5 - الصفحة: 217
يمين عليه 24.
قوله: (كَشَرِيكٍ أَجْنَبِي حَازَ فِيهَا إِنْ هَدَمَ وبَنَى) أي: فإن كان الأجنبي شريكا وحاز 25 فيها أي في العشر سنين فإن الحيازة تثبت له 26 إن هدم وبنى.
ابن رشد: ولم يختلف فيه قول ابن القاسم، فإن لم يكن هدم ولا بناء فيها 27 لم تثبت له 28 الحيازة، وعلى هذا فلا فرق بين الأجنبي الشريك 29 وغيره إذا بنى أو هدم إلا على ما تقدم لابن رشد في غير الشريك.
قوله: (وفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَهُما، قَوْلانِ) أي: مع البناء والهدم، والقولان لابن القاسم، قال مرة: العشر سنين معهما حيازة، وقال مرة: ليست بحيازة إلا أن يطول كالأربعين سنة، انظر الكبير.
قوله: (لا بَيْنَ أَبٍ وابْنِهِ، إِلا بِهِبَةٍ 30) قال في البيان: ولا خلاف أن الحيازة لا تكون بين الأب وابنه بالسكنى، والازدراع، ولا خلاف أنها تكون بالتفويت بالهبة والصدقة والعتق والتدبير 31 والكتابة والوطء وغير ذلك مما يفوت، ثم 32 قال: واختلف في الهدم والبناء والغرس، فالمشهور أنه لا يكون حوزا قام 33 أحدهما على الآخر في حياته أو بعد وفاته، إلا أن يطول الأمر 34 جدا إلى (مَا تَهْلِكُ فيه الْبَيِّنةُ، وَينْقَطِعُ به 35 الْعِلْمُ) وإليه أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَطُولَ مَعَهُما) أي: مع الهدم والبناء ما تهلك فيه البينة 36،
الجزء: 5 - الصفحة: 218
وينقطع به العلم، ابن رشد: والشاذ أنه يجوز له بذلك قام عليه 37 في حياته أو على سائر ورثته بعد وفاته، وهو قول مطرف وابن دينار.
قوله: (وإِنَّما تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غيرِهَا فِي الأَجْنَبِيِّ، فَفِي الدَّابَّةِ وأَمَةِ الخدْمَةِ، السَّنَتَانِ، ويُزَادُ في عَبْدٍ وعَرْضٍ) أشار بهذا إلى ما ذكره ابن رشد عن أصبغ أنه بعد أن حكي أنه لا فرق في حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض، قال: وإنما يفترق ذلك 38 في الأجنبي، فقال أصبغ: السنة والسنتان في الدواب حيازة إذا كانت تركب وفي الإماء إذا كن يستخدمن، وفي العبيد والعروض إذا كان فوق ذلك، ولا ينبغي بشيء من ذلك عشرة أعوام كما في الأول 39، ابن رشد: واختلف في حيازة الأقرباء غير الشركاء والأصهار والموالي غير الشركاء 40 على ثلاثة أقوال 41، فقيل: كالأجانب حيازتهم بالسكنى والازدراع والهدم في العشر سنين حيازة، وقيل: ليس ذلك كله في العشر سنين حيازة إلا أن تطول المدة، وقيل: الهدم والبناء حيازة فيها بخلاف غيرهما، فلا بد من طول المدة جدًّا 42.
الجزء: 5 - الصفحة: 219