قوله: (وَزِيدَ فِي الأَيمَانِ تَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ) يريد أن ما ذكر أنه يلزم من قال: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد يلزم من قال: الأيمان تلزمني وزيادة 4 صوم سنة إن اعتاد الحالف اليمين بذلك، وقاله ابن بشير 5. الشيخ: وينبغي في غير الصوم أيضًا أنه لا يلزمه 6 إلا بالعادة، ولهذا قال ابن عبد السلام: ينبغي للمفتي أن ينظر إلى عرف 7 زمانه وبلده 8، واعلم أن أصحابنا اختلفوا في هذه 9 اليمين 10 اختلافًا كثيرًا، فقيل: لا يلزمه إلا الاستغفار، وقيل: يلزمه ثلاث كفارات ولا يدخل فيه طلاق123
الجزء: 2 - الصفحة: 374
ولا عتق حتى ينويه أو يجري به 11 العرف، وقيل: إنما تلزمه كفارة يمين، وقيل: يلزمه ما أشار إليه هنا الباجي وهي يمين لازمة يجب بها 12 الطلاق والعتق والمشي إلى مكة وصدقة ثلث المال وصوم شهرين 13، واعترض ابن زرقون إيجاب صوم 14 الشهرين، وقال: إنه غير 15 معروف من قول من تكلم على هذه المسألة 16، وقد ذكر ابن عتاب 17 أن بعض الأشياخ كان يفتي بأنه يلزمه مع 18 ما تقدم الظهار، قال: وذلك بعيد لأن اليمين بالظهار غير معهودة ولا متعارفة، وكان أبو محمد وجماعة لا يوجبون فيها كفارة ظهار 19. ابن راشد: في إيجابها نظر لأنها إنما لزمت المظاهر 20؛ لأنه أتى بمنكر من القول وزور، وهذا اللفظ بعينه لم ينطق به، قال: وإن كان مرادهم أن هذا اللفظ يستعمل مكان لفظ من ألفاظ الأيمان فيلزمه أن يعتزل زوجته حتى يكفر، ولا تلزمه الكفارة حتى يعزم على العود 21، وإلى هذا وما قبله أشار بقوله: (وَفِى لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ ترَدُّدٌ) وما ذكره من أن هذه اليمين يلزم فيها الطلاق الثلاث، قال الباجي: هو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، ومعظم أهل بلدنا، وهو الأظهر على أصل مالك 22. قلت: وهو الصحيح عند التونسي واللخمي وعبد الحميد 23، والمازري وجماعة
الجزء: 2 - الصفحة: 375
من الأشياخ 24، ولهذا أفتى السيوري بنقض حكم من حكم بالواحدة 25.
الباجي: وقال أبو عمران: وأكثر من بلغنا قوله 26 من أهل إفريقية يلزمه طلقة واحدة 27، وقيل: يلزمه الطلاق 28 الثلاث إن قصد العموم، وإن لم يقصد شيئًا فواحدة 29.
أبو عمران: وأرى الواحدة تلزمه وجوبًا، ويستحب له أن يُلزم نفسه بما زاد 30.
انتهى.
وإذا قلنا بلزوم الواحدة فهل هي بائنة أو رجعية؟ قولان.
قوله: (وَتَحْرِيمُ الحَلالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَمَةِ لَغْوٌ) يريد أن من حرم على نفسه شيئًا مما أحله الله تعالى له 31 من طعام أو شراب أو غيره إلا في 32 الزوجة والأمة فلا شيء عليه؛ لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]، وإنما حرمت الزوجة لأن تحريمها طلاقها، وقال الأشياخ: إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرامًا عليه فلا يطؤها إلا بنكاح جديد، وكان ينبغي أن يقيد ذلك في الأمة بما إذا نوى به العتق كما قيده 33 الأشياخ.
قوله: (وَتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفَ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ أَوْ قَالَ لا وَلا، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا ومَهْمَا) يريد أن الكفارة 34 تتكرر في أماكن منها إذا حلف ألا يفعل
الجزء: 2 - الصفحة: 376
كذا، ونوى تكرار 35 الحنث بفعله، ونحوه عن ابن القاسم 36، ومنها إذا كان العرف في المحلوف التكرار كقوله: والله لا تركت الوتر ومثله لا شربت الخمر بمدينته عليه الصلاة والسلام، نص عليه القرافي 37؛ لأنه قصد اجتناب شربها في كل وقت لشرف البقعة، ومنها إذا كرر اليمين على شيء ونوى تعدد الكفارات، وأشار بقوله: (أَوْ قَالَ لا وَلا) إلى ما حكاه صاحب الذخيرة، أن من حلف لا باع من فلان كذا، فقال آخر: وأنا، فقال: والله ولا أنت، فقال: عليه كفارتان إن باعها منهما أو من أحدهما فردها عليه فباعها من الآخر، عند ابن القاسم قال: ولو حلف لا باعها من فلان ولا من فلان فباعها منهما أو من أحدهما فكفارة واحدة 38، والفرق بينهما أن السؤال في الأولى لما وقع بين اليمين الأولى والثانية وتعدد المحلوف به ولو لفظًا حكم بكفارتين، وفي الثانية المقسم 39 به واحد لفظًا ومعنًى فاتحدت الكفارة، لكن في فهم الأولى من كلام الشيخ هنا دون الثانية نظر، بل المتبادر إلى الذهن الثانية.
قوله: (أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ) يريد أن من حلف بالله لأفعلن كذا وكذا فقيل له: إنك ستحنث 40، فقال: لا 41 والله لا أحنث، أن عليه 42 كفارتين، وهكذا قال في العتبية.
ابن رشد: وعليه إن حنث كفارة واحدة 43 لحنثه في يمينه ليفعلن 44، وأخرى لحنثه في يمينه والله 45 لا أحنث، وقد قيل: ليس عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول ابن القاسم في
الجزء: 2 - الصفحة: 377
المبسوط 46، وأشار بقوله: (أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) إلى أن من حلف بالقرآن والمصحف والكتاب 47 أن لا يفعل كذا فحنث، أن عليه ثلاث كفارات عدد 48 المقسم به، ونسبه في البيان لابن القاسم قال: لاختلاف المسميات وإن كان المعنى واحدًا، وهو الكلام القديم 49.
قوله: (أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا ومَهْما) أي: وكذا تتكرر الكفارة إذا دل 50 لفظ الحالف على ذلك إما بصيغة الجمع أو بكلما أو مهما أو ما أشبه 51 ذلك، حكاه ابن بشير 52 وابن شاس 53 وغيرهما.
قوله: (لا مَتَى مَا) يشير به إلى أن من 54 قال: متى ما كلمت زيدًا فعلي كفارة يمين أو نحو ذلك فكلمه مرة بعد مرة، فإن الكفارة لا تتكرر عليه، وقاله في المدونة 55.
قوله: (وَوَاللهِ ثُمَّ وَاللهِ) هكذا حكاه اللخمي فقال: إن من حلف بالله 56 فقال: والله، ثم والله، ثم والله 57 لا فعلت كذا، ثم فعله فإنما عليه كفارة واحدة، قال: وأرى عليه ثلاث كفارات، وقال ابن عبد الحكم بالتعدد مع واو القسم 58.
قوله: (وَإنْ قَصَدَهُ) أي قصد الإنشاء 59 دون تعدد الكفارة وهو المشهور، ورواه
الجزء: 2 - الصفحة: 378
ابن القاسم عن مالك وقال به محمد 60، اتحادها كان 61 في مجلس أو أكثر، كان المحلوف به 62 اسمًا أو صفة، وظاهر كلام ابن بشير أنها تتكرر 63 في الصفات فإنه قال: وإذا قصد بتكرار 64 يمينه تعدد الكفارة تعددت، أو اتحادها 65 اتحدت، وإن لم يقصد 66 والمعنى واحد واللفظ واحد أو متعدد 67 اتحدت، كالحلف بأسماء الله تعالى، وإن تعدد المعنى تعددت كالحلف بالصفات 68، وحكي في الاستذكار 69 عن مالك أن من قال: والله والرحمن، فعليه كفارتان، وإن قال: والسميع والعليم والحكيم فثلاث 70.
قوله: (وَالْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالإِنْجِيلِ) أي: وكذا لا تتعدد الكفارة 71 إذا حلف 72 فقال: والقرآن والتوراة والإنجيل لا فعلت كذا ثم فعله، فإنما عليه كفارة واحدة، قاله سحنون 73، وفي سماع عيسى عن ابن القاسم ما ظاهره خلاف ذلك 74.
قوله: (وَلا كَلَّمَهُ غَدًا أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا) أي: وكذا لا تتكرر الكفارة إذا قال: والله 75 لا كلمته غدًا أو بعد غد 76، ثم قال: والله لا كلمته غدًا ثم كلمه غدًا.
وفي العتبية عن
الجزء: 2 - الصفحة: 379
ابن القاسم إذا قال: والله لا كلمته غدًا ووالله لا كلمته غدًا ولا (1) بعد غد فكلمه غدًا لزمه كفارتان (2)، ثم قال (3): إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه، ولو لم يكلمه غدًا أو كلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة، وإن قال: والله لا كلمته غدًا، والله (4) لا كلمته بعد غد فكلمه في اليومين فعليه كفارتان، فإن كلمه في أحدهما فكفارة (5) واحدة (6)، انظر الكبير.
(المتن)
وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ فِي اللهِ وَغَيْرِهَا، كَطَلاقٍ، كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لا يتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا، كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي: لا آكُلُ سَمْنًا، أَوْ لا أُكَلِّمُهُ، وَكَتَوْكِيلِهِ فِي لا يَبِيعُهُ، أَوْ لا يَضْرِبُهُ، إِلَّا لِمُرَافَعَةٍ وَبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ فِي طَلاقٍ وَعِتْقٍ فَقَطْ، أَوِ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ، لا إِرَادَةِ مَيِّتَةٍ، أَوْ كَذِبٍ فِي: طَالِقٌ وَحُرَّةٌ، أَوْ حَرَامٌ، وَإنْ بِفَتْوَى.